فصل

22 paragraphs · vol. 2, p. 9

  1. أما عظم الْميتَة وقرنها وظفرها وَمَا هُوَ من جنس ذَلِك كالحافر وَنَحْوه وشعرها وريشها ووبرها

    vol. 2, p. 10فَفِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ للْعُلَمَاء ثَلَاثَة أَقْوَال

    vol. 2, p. 9
  2. أَحدهَا نَجَاسَة الْجَمِيع كَقَوْل الشَّافِعِي فِي الْمَشْهُور وَذَلِكَ رِوَايَة عَن أَحْمد

  3. وَالثَّانِي أَن الْعِظَام وَنَحْوهَا نَجِسَة والشعور وَنَحْوهَا طَاهِرَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَأحمد

  4. وَالثَّالِث أَن الْجَمِيع طَاهِر كَقَوْل أبي حنيفَة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب مَالك وَأحمد وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب لِأَن الأَصْل فِيهَا الطَّهَارَة وَلَا دَلِيل على النَّجَاسَة

  5. وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الْأَعْيَان هِيَ من الطَّيِّبَات لَيست من الْخَبَائِث فَتدخل فِي آيَة التَّحْلِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لم تدخل فِيمَا حرمه الله من الْخَبَائِث لَا لفظا وَلَا معنى أما اللَّفْظ فكقوله تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} لَا يدْخل فِيهَا الشُّعُور وَمَا أشبههَا وَذَلِكَ لِأَن الْمَيِّت ضد الْحَيّ والحياة نَوْعَانِ حَيَاة الْحَيَوَان وحياة النَّبَات فحياة الْحَيَوَان خاصتها الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وحياة النَّبَات النمو والاغتذاء

  6. وَقَوله {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} إِنَّمَا هُوَ بِمَا فارقته الْحَيَاة الحيوانية دون النباتية فَإِن الزَّرْع وَالشَّجر إِذا يبس لم ينجس بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَقد تَمُوت الأَرْض وَلَا يُوجب ذَلِك نجاستها بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِنَّمَا الْميتَة الْمُحرمَة مَا كَانَ فِيهَا الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَأما الشّعْر فَإِنَّهُ يَنْمُو ويغتذي وَيطول كالزرع لَيْسَ فِيهِ حس وَلَا يَتَحَرَّك بِإِرَادَة وَلَا تحله الْحَيَاة الحيوانية حَتَّى يَمُوت بمفارقتها وَلَا وَجه لتنجيسه

  7. وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الشّعْر جُزْءا من الْحَيَوَان لما أُبِيح أَخذه فِي حَال الْحَيَاة فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن قوم يحبونَ أسنمة الْإِبِل وأليات الْغنم فَقَالَ

  8. مَا أبين من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء فَلَو كَانَ حكم الشّعْر حكم السنام والألية لما جَازَ قطعه فِي حَال الْحَيَاة فَلَمَّا اتّفق الْعلمَاء على أَن الشّعْر وَالصُّوف إِذا جز من الْحَيَوَان كَانَ حَلَالا طَاهِرا علم أَنه لَيْسَ مثل اللَّحْم

  9. وَأَيْضًا فقد ثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْطى شعره لما حلق رَأسه للْمُسلمين وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستنجي ويستجمر فَمن سوى بَين الشّعْر وَالْبَوْل والعذرة فقد أَخطَأ خطأ مُبينًا

  10. وَأما الْعِظَام وَنَحْوهَا فَإِذا قيل أَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْميتَة لِأَنَّهَا تنجس قيل لمن قَالَ ذَلِك لم تَأْخُذُوا بِعُمُوم اللَّفْظ فَإِن مَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة كالذباب وَالْعَقْرَب والخنفساء لَا ينجس عنْدكُمْ

    vol. 2, p. 11وَعند جُمْهُور الْعلمَاء مَعَ أَنَّهَا ميتَة موتا حيوانيا

  11. وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ

  12. إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليمقله فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء وَمن نجس هَذَا قَالَ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ أَنه لَا ينجس الْمَائِعَات الْوَاقِعَة فِيهِ لهَذَا الحَدِيث وَإِذا كَانَ كَذَلِك علم أَن عِلّة نَجَاسَة الْميتَة إِنَّمَا هُوَ احتباس الدَّم فِيهَا فَمَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة لَيْسَ فِيهِ دم سَائل فَإِذا مَاتَ لم يحتبس فِيهِ الدَّم فَلَا ينجس فالعظم وَنَحْوه أولى بِعَدَمِ التَّنْجِيس من هَذَا فَإِن الْعظم لَيْسَ فِيهِ دم سَائل وَلَا كَانَ متحركا بالإرادة إِلَّا على وَجه التبع

  13. فَإِذا كَانَ الْحَيَوَان الْكَامِل الحساس المتحرك بالإرادة لَا ينجس لكَونه لَيْسَ فِيهِ دم سَائل فَكيف ينجس الْعظم الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سَائل

  14. وَمِمَّا يبين صِحَة قَول الْجُمْهُور أَن الله إِنَّمَا حرم علينا الدَّم المسفوح كَمَا قَالَ تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا} فَإِذا عُفيَ عَن الدَّم غير المسفوح مَعَ أَنه من جنس الدَّم حَيْثُ علم أَن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين الدَّم الَّذِي يسيل وَبَين غَيره فَلهَذَا كَانَ الْمُسلمُونَ يصنعون اللَّحْم فِي المرق وخيوط الدَّم فِي الْقدر تبين ويأكلون ذَلِك على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا أخْبرت بذلك عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَلَوْلَا هَذَا لاستخرجوا الدَّم من الْعُرُوق كَمَا يفعل الْيَهُود

  15. وَالله تَعَالَى حرم مَا مَاتَ حتف أَنفه أَو لسَبَب غير جارح محدد كالموقودة والمتردية والنطيحة وَحرم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا صيد بِغَيْرِهِ من المعراض وَقَالَ إِنَّه وقيذ وَالْفرق بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ سفح الدَّم فَدلَّ على أَن سَبَب التَّنْجِيس هُوَ احتقان الدَّم واحتباسه وَإِذا سفح بِوَجْه خَبِيث بِأَن يذكر عَلَيْهِ غير اسْم الله كَانَ الْخبث هُنَا من وَجه آخر فَإِن التَّحْرِيم تَارَة لوُجُود الدَّم وَتارَة لفساد التذكية كذكاة الْمَجُوسِيّ وَالْمُرْتَدّ والذكاة فِي غير الْمحل

  16. فَإِذا كَانَ كَذَلِك فالعظم وَالظفر والقرن والظلف وَغير ذَلِك لَيْسَ فِيهِ دم مسفوح فَلَا وَجه لتنجيسه وَهَذَا قَول جُمْهُور السّلف

  17. قَالَ الزُّهْرِيّ كَانَ خِيَار هَذِه الْأمة يتمشطون بِأَمْشَاط من عِظَام الْفِيل وَقد رُوِيَ فِي العاج حَدِيث مَعْرُوف لَكِن فِيهِ نظر لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فَإنَّا لَا نحتاج إِلَى الِاسْتِدْلَال بذلك

  18. وَأَيْضًا فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي شَاة مَيْمُونَة

  19. هلا أَخَذْتُم إهابها

    vol. 2, p. 12فانتفعتم بِهِ قَالُوا إِنَّهَا ميتَة قَالَ إِنَّمَا حرم أكلهَا وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ ذكر الدّباغ وَلم يذكرهُ عَامَّة أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ وَلَكِن ذكره ابْن عُيَيْنَة وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَقد طعن الإِمَام أَحْمد فِي ذَلِك وَأَشَارَ إِلَى غلط ابْن عُيَيْنَة فِيهِ وَذكر أَن الزُّهْرِيّ وَغَيره كَانُوا يبيحون الِانْتِفَاع بجلود الْميتَة بِلَا دباغ لأجل هَذَا الحَدِيث

  20. وَحِينَئِذٍ فَهَذَا النَّص يَقْتَضِي جَوَاز الِانْتِفَاع بهَا بعد الدبغ بطرِيق الأولى لَكِن إِذا قيل أَن الله حرم بعد ذَلِك الِانْتِفَاع بالجلود حَتَّى تدبغ أَو قيل إِنَّهَا لَا تطهر بالدباغ لم يلْزم تَحْرِيم الْعِظَام وَنَحْوهَا لِأَن الْجلد جُزْء من الْميتَة فِيهِ الدَّم كَمَا فِي سَائِر أَجْزَائِهِ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل ذَكَاته دباغه لِأَن الدبغ ينشف رطوبته فَدلَّ على أَن سَبَب التَّنْجِيس هُوَ الرطوبات والعظم لَيْسَ فِيهِ نفس سَائِلَة وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يجِف وييبس وَهِي تبقى وَتحفظ أَكثر من الْجلد فَهِيَ أولى بالجهارة من الْجلد

  21. وَالْعُلَمَاء تنازعوا فِي الدّباغ هَل يطهر فَذهب مَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنْهُمَا أَنه لَا يطهر وَمذهب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَالْجُمْهُور أَنه يطهر وَإِلَى هَذَا القَوْل رَجَعَ الإِمَام أَحْمد كَمَا ذكر ذَلِك عَنهُ التِّرْمِذِيّ

  22. وَحَدِيث ابْن حَكِيم يدل على أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَاهُم أَن ينتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب بعد أَن كَانَ أذن لَهُم فِي ذَلِك لَكِن هَذَا قد يكون قبل الدّباغ فَيكون قد رخص فَإِن حَدِيث الزُّهْرِيّ بَين أَنه قد رخص فِي جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ فَيكون قد رخص لَهُم فِي ذَلِك لما نَهَاهُم عَن الِانْتِفَاع بهَا قبل الدّباغ نَهَاهُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَة من أهل اللُّغَة أَن الإهاب اسْم لما لَا يدبغ وَلِهَذَا قرن مَعَه العصب والعصب لَا يدبغ