فصل

59 paragraphs · vol. 2, p. 13

Page 1 of 2

  1. فِي قَوْله تَعَالَى {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم} سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام عَن جمَاعَة من الْمُسلمين اشْتَدَّ نكيرهم على من أكل من ذَبِيحَة يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ مُطلقًا وَلَا يدْرِي مَا حَالهم هَل دخلُوا فِي دينهم قبل نسخه وتحريفه وَقبل مبعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم بعد ذَلِك بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عِنْد جَمِيع النَّاس وهم أهل ذمَّة يؤدون الْجِزْيَة وَلَا يعرف من هم وَلَا من هم آباؤهم فَهَل للمنكرين عَلَيْهِم مَنعهم من الذّبْح للْمُسلمين أم لَهُم الْأكل من ذَبَائِحهم كَسَائِر بِلَاد الْمُسلمين

    vol. 2, p. 13
  2. أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ لأحد أَن يُنكر على أحد أكل من ذَبِيحَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الزَّمَان وَلَا يحرم ذبحهم للْمُسلمين وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ جَاهِل مخطىء مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين فَإِن أصل هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا نزاع مَشْهُور بَين عُلَمَاء الْمُسلمين ومسائل الِاجْتِهَاد لَا يسوغ فِيهَا الْإِنْكَار إِلَّا بِبَيَان الْحجَّة وإيضاح المحجة لَا الْإِنْكَار الْمُجَرّد الْمُسْتَند إِلَى مَحْض التَّقْلِيد فَإِن هَذَا فعل أهل الْجَهْل والأهواء كَيفَ وَالْقَوْل بِتَحْرِيم ذَلِك

    vol. 2, p. 14فِي هَذَا الزَّمَان وَقَبله قَول ضَعِيف جدا مُخَالف لما علم من سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلما علم من حَال أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَذَلِكَ لِأَن الْمُنكر لهَذَا لَا يخرج عَن قَوْلَيْنِ

  3. إِمَّا أَن يكون مِمَّن يحرم ذَبَائِح أهل الْكتاب مُطلقًا كَمَا يَقُول ذَلِك من يَقُوله من الرافضة وَهَؤُلَاء يحرمُونَ نِكَاح نِسَائِهِم وَأكل ذَبَائِحهم وَهَذَا لَيْسَ من أَقْوَال أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين الْمَشْهُورين بالفتيا وَلَا من أَقْوَال أتباعهم وَهُوَ خطأ مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع الْقَدِيم فَإِن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ}

  4. فَإِن قيل هَذِه الْآيَة مُعَارضَة بقوله {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} قيل الْجَواب من ثَلَاثَة أوجه

  5. أَحدهمَا أَن الشّرك الْمُطلق فِي الْقُرْآن لَا يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب وَإِنَّمَا يدْخلُونَ فِي الشّرك الْمُقَيد قَالَ الله تَعَالَى {لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين} فَجعل الْمُشْركين قسما غير أهل الْكتاب وَقَالَ تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا} فجعلهم قسما غَيرهم فَأَما دُخُولهمْ فِي الْمُقَيد فَفِي قَوْله تَعَالَى {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ} فوصفهم بِأَنَّهُم مشركون

  6. وَسبب هَذَا أَن أصل دينهم الَّذِي أنزل الله بِهِ الْكتب وَأرْسل بِهِ الرُّسُل لَيْسَ فِيهِ شرك كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون} وَقَالَ تَعَالَى {واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ} وَقَالَ {وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت} وَلَكنهُمْ بدلُوا وغيروا فابتدعوا من الشّرك مَا لم ينزل بِهِ الله سُلْطَانا فَصَارَ فيهم شرك بِاعْتِبَار مَا ابتدعوا لَا بِاعْتِبَار أصل الدّين وَقَوله تَعَالَى وَلَا تمسكوا بعصم

    vol. 2, p. 15الكوافر هُوَ تَعْرِيف للكوافر المعروفات اللَّاتِي كن فِي عصم الْمُسلمين وَأُولَئِكَ كن مشركات لَا كتابيات من أهل مَكَّة وَنَحْوهَا

  7. وَالْوَجْه الثَّانِي إِذا قدر أَن لفظ المشركات وَلَفظ الكوافر يَعْنِي الكتابيات فآية الْمَائِدَة خَاصَّة وَهِي مُتَأَخِّرَة نزلت بعد سُورَة الْبَقَرَة والممتحنة بِاتِّفَاق بِاتِّفَاق الْعلمَاء كَمَا فِي الحَدِيث

  8. الْمَائِدَة من آخر الْقُرْآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وَالْخَاص الْمُتَأَخر يقْضِي على الْعَام الْمُتَقَدّم بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْمُسلمين لَكِن الْجُمْهُور يَقُولُونَ أَنه مُفَسّر لَهُ فَتبين أَن صُورَة التَّخْصِيص لم ترد بِاللَّفْظِ الْعَام وَطَائِفَة يَقُولُونَ أَن ذَلِك نسخ بعد أَن شرع

  9. الْوَجْه الثَّالِث إِذا فَرضنَا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذَبَائِحهم ونكاحهم وَالْآخر أحلهما فالنص الْمُحَلّل لَهما هُنَا يجب تَقْدِيمه لوَجْهَيْنِ

  10. أَحدهمَا أَن سُورَة الْمَائِدَة هِيَ الْمُتَأَخِّرَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء فَتكون ناسخة للنَّص الْمُتَقَدّم وَلَا يُقَال أَن هَذَا نسخ للْحكم مرَّتَيْنِ لِأَن فعل ذَلِك قبل التَّحْرِيم لم يكن بخطاب شَرْعِي حلل ذَلِك بل كَانَ لعدم التَّحْرِيم بِمَنْزِلَة شرب الْخمر وَأكل الْخِنْزِير وَنَحْو ذَلِك وَالتَّحْرِيم الْمُبْتَدَأ لَا يكون نسخا لاستصحاب حكم الْفِعْل وَلِهَذَا لم يكن تَحْرِيم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير نَاسِخا لما دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ} الْآيَة من أَن الله عز وَجل لم يحرم قبل نزُول الْآيَة إِلَّا هَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة فَإِن هَذِه الْآيَة نفت تَحْرِيم مَا سوى الثَّلَاثَة إِلَى حِين نزُول الْآيَة وَلم يثبت تَحْلِيل مَا سوى ذَلِك بل كَانَ مَا سوى ذَلِك عفوا لَا تَحْلِيل فِيهِ وَلَا تَحْرِيم كَفعل الصَّبِي وَالْمَجْنُون وكما فِي الحَدِيث الْمَعْرُوف

  11. الْحَلَال مَا حلله الله فِي كِتَابه وَالْحرَام مَا حرمه الله فِي كِتَابه وَمَا سكت عَنهُ فَهُوَ مِمَّا عَفا عَنهُ وَهَذَا مَحْفُوظ عَن سلمَان الْفَارِسِي مَوْقُوفا عَلَيْهِ أَو مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  12. وَيدل على ذَلِك أَنه قَالَ فِي سُورَة الْمَائِدَة {الْيَوْم أحل لكم الطَّيِّبَات} فَأخْبر أَنه أحلهَا ذَلِك الْيَوْم وَسورَة الْمَائِدَة مَدَنِيَّة بِالْإِجْمَاع وَسورَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة بِالْإِجْمَاع فَعلم أَن تَحْلِيل الطَّيِّبَات كَانَ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّة وَقَوله تَعَالَى {يَسْأَلُونَك مَاذَا أحل لَهُم قل أحل لكم الطَّيِّبَات} {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم} إِلَى آخرهَا فَثَبت

    vol. 2, p. 16نِكَاح الكتابيات وَقبل ذَلِك كَانَ إِمَّا عفوا على الصَّحِيح وَإِمَّا محرما ثمَّ نسخ يدل عَلَيْهِ أَن آيَة الْمَائِدَة لم ينسخها شَيْء

  13. الْوَجْه الثَّانِي أَنه قد ثَبت حل طَعَام أهل الْكتاب بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْكَلَام فِي نِسَائِهِم كَالْكَلَامِ فِي ذَبَائِحهم فَإِذا ثَبت حل أَحدهمَا ثَبت حل الآخر وَحل أطعمتهم لَيْسَ لَهُ معَارض أصلا وَيدل على ذَلِك أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان تزوج يهوديه وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة فَدلَّ على أَنهم كَانُوا مُجْتَمعين على جَوَاز ذَلِك

  14. فَإِن قيل قَوْله تَعَالَى {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم} مَحْمُول على الْفَوَاكِه والحبوب قيل هَذَا خطأ لوجوه

  15. أَحدهَا أَن هَذِه مُبَاحَة من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين وَالْمَجُوس فَلَيْسَ فِي تخصيصها بِأَهْل الْكتاب فَائِدَة

  16. الثَّانِي أَن إِضَافَة الطَّعَام إِلَيْهِم يَقْتَضِي أَنه صَار طَعَاما بفعلهم وَهَذَا إِنَّمَا يسْتَحق فِي الذَّبَائِح الَّتِي صَارَت لَحْمًا بذكاتهم فَأَما الْفَوَاكِه فَإِن الله خلقهَا مطعومة لم تصر طَعَاما بِفعل آدَمِيّ

  17. الثَّالِث أَنه قرن حل الطَّعَام بِحل النِّسَاء وأباح طعامنا لَهُم كَمَا أَبَاحَ طعامهم لنا وَمَعْلُوم أَن حكم النِّسَاء مُخْتَصّ بِأَهْل الْكتاب دون الْمُشْركين وَكَذَلِكَ حكم الطَّعَام والفاكهة وَالْحب لَا يخْتَص بِأَهْل الْكتاب

  18. الرَّابِع أَن لفظ الطَّعَام عَام وتناوله اللَّحْم وَنَحْوه أقوى من تنَاوله للفاكهة فَيجب إِقْرَار اللَّفْظ على عُمُومه لَا سِيمَا وَقد قرن بِهِ قَوْله تَعَالَى {وطعامكم حل لَهُم} وَنحن يجوز لنا أَن نطعمهم كل أَنْوَاع طعامنا فَكَذَلِك يحل لنا أَن نَأْكُل أَنْوَاع طعامهم

  19. وَأَيْضًا فقد ثَبت فِي الصِّحَاح بل بِالنَّقْلِ المستفيض أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَهْدَت لَهُ الْيَهُودِيَّة عَام خَيْبَر شَاة مشوية فَأكل مِنْهَا لقْمَة ثمَّ قَالَ

  20. إِن هَذِه تُخبرنِي أَن فِيهَا سما وَلَوْلَا أَن ذَبَائِحهم حَلَال لما تنَاول من تِلْكَ الشَّاة وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنهم لما غزوا خَيْبَر أَخذ بعض الصَّحَابَة جرابا فِيهِ شَحم قَالَ قلت لَا أطْعم الْيَوْم من هَذَا أحدا فَالْتَفت فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضْحك وَلم يُنكر عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ الْعلمَاء على جَوَاز أكل جَيش الْمُسلمين من طَعَام أهل الْحَرْب قبل الْقِسْمَة

  21. وَأَيْضًا فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجَاب دَعْوَة يَهُودِيّ إِلَى خبز شعير وإهالة سنخة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد والإهالة فِي الودك الَّذِي يكون من الذَّبِيحَة وَمن السّمن وَنَحْوه الَّذِي يكون فِي أوعيتهم الَّتِي يطبخون فِيهَا فِي الْعَادة وَلَو كَانَت ذَبَائِحهم مُحرمَة لكَانَتْ أوانيهم كأواني الْمَجُوس وَنَحْوهم

    vol. 2, p. 17وَقد ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى عَن الْأكل فِي أوعيتهم حَتَّى رخص أَن يغسل

  22. وَأَيْضًا فقد استفاض أَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما فتحُوا الشَّام وَالْعراق ومصر كَانُوا يَأْكُلُون من ذَبَائِح أهل الْكتاب الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَإِنَّمَا امْتَنعُوا من ذَبَائِح الْمَجُوس وَوَقع فِي جبن الْمَجُوس من النزاع مَا هُوَ مَعْرُوف بَين الْمُسلمين لِأَن الْجُبْن يحْتَاج إِلَى الأنفحة وَفِي أنفحة الْميتَة نزاع مَعْرُوف بَين الْعلمَاء فَأَبُو حنيفَة يَقُول بطهارتها وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يَقُولَانِ بنجاستها وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ

  23. فصل المأخذ الثَّانِي الْإِنْكَار على من يَأْكُل ذَبَائِح أهل الْكتاب هُوَ كَون هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودين لَا يعلم أَنهم من ذُرِّيَّة من دخل فِي دينهم قبل النّسخ والتبديل وَهُوَ المأخذ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام السَّائِل وَهُوَ المأخذ الَّذِي تنَازع فِيهِ عُلَمَاء الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَهَذَا مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن قَوْله تَعَالَى {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ} هَل المُرَاد بِهِ من هُوَ بعد نزُول الْقُرْآن متدين بدين أهل الْكتاب أَو المُرَاد بِهِ من كَانَ آباؤه قد دخلُوا فِي دين أهل الْكتاب قبل النّسخ والتبديل على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء

  24. فَالْقَوْل الأول هُوَ قَول جُمْهُور الْمُسلمين من السّلف وَالْخلاف وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد بل هُوَ الْمَنْصُوص عَنهُ صَرِيحًا

  25. وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد

  26. وأصل هَذَا القَوْل أَن عليا وَابْن عَبَّاس تنَازعا فِي ذَبَائِح بني تغلب فَقَالَ عَليّ لَا تُبَاح ذَبَائِحهم وَلَا نِسَاؤُهُم فَإِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من النَّصْرَانِيَّة إِلَّا بِشرب الْخمر وَرُوِيَ عَنهُ تغزوهم لأَنهم لم يقومُوا بِالشُّرُوطِ الَّتِي شَرطهَا عَلَيْهِم عُثْمَان فَإِنَّهُ شَرط عَلَيْهِم أَن لَا وَغير ذَلِك من الشُّرُوط وَقَالَ ابْن عَبَّاس بل تُبَاح لقَوْله تَعَالَى {وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} وَعَامة الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَغَيرهم لم يحرموا ذَبَائِحهم وَلَا يعرف ذَلِك إِلَّا عَن عَليّ وَحده وَقد رُوِيَ معنى قَول ابْن عَبَّاس عَن عمر بن الْخطاب

  27. فَمن الْعلمَاء من رجح قَول عمر وَابْن عَبَّاس وَهُوَ قَول الْجُمْهُور كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وصححها طَائِفَة من أَصْحَابه بل هِيَ آخر قوليه بل عَامَّة الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم على هَذَا القَوْل وَقَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم مَا علمت أحدا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كرهه إِلَّا عليا وَهَذَا قَول جَمَاهِير فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق وفقهاء الحَدِيث والرأي كالحسن وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَغَيرهم وَهُوَ الَّذِي نَقله عَن أَحْمد أَكثر

    vol. 2, p. 18أَصْحَابه وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث كَانَ آخر قولي أَحْمد على أَنه لَا يرى بذبائحهم بَأْسا

  28. وَمن الْعلمَاء من رجح قَول عَليّ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَأحمد إِنَّمَا اخْتلف اجْتِهَاده فِي بني تغلب وهم الَّذين تنَازع فيهم الصَّحَابَة فَأَما سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْعَرَب مثل تنوخ وبهراء وَغَيرهمَا من الْيَهُود فَلَا أعرف عَن أَحْمد فِي حل ذَبَائِحهم نزاعا وَلَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين وَغَيرهم من السّلف وَإِنَّمَا كَانَ النزاع بَينهم فِي بني تغلب خَاصَّة وَلَكِن من أَصْحَاب أَحْمد من جعل فيهم رِوَايَتَيْنِ كبني تغلب والحل مَذْهَب الْجُمْهُور كَأبي حنيفَة وَمَالك وَمَا أعلم لِلْقَوْلِ الآخر قدوة من السّلف

  29. ثمَّ هَؤُلَاءِ المذكورون من أَصْحَاب أَحْمد قَالُوا بِأَنَّهُ من كَانَ أحد أَبَوَيْهِ غير كتابي بل مجوسيا لم تحل ذَبِيحَته ومناكحته نِسَائِهِ وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي فِيمَا إِذا كَانَ الْأَب مجوسيا وَأما الْأُم فَلهُ فِيهَا قَولَانِ فَإِن كَانَ الأبوان مجوسيين حرمت ذَبِيحَته عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه من أَصْحَاب أَحْمد وَحكي ذَلِك عَن مَالك وغالب ظَنِّي أَن هَذَا غلط على مَالك فَإِنِّي لم أَجِدهُ فِي كتب أَصْحَابه وَهَذَا تَفْرِيع على الرِّوَايَة المخرجة عَن أَحْمد فِي سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْعَرَب

  30. وَهَذَا مَبْنِيّ على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فِي نَصَارَى بني تغلب وَهِي الرِّوَايَة الَّتِي اخْتَارَهَا هَؤُلَاءِ فَأَما إِذا جعل الرِّوَايَتَيْنِ فِي بني تغلب دون غَيرهم من الْعَرَب أَو قيل أَن النزاع عَام وفرعنا على القَوْل بِحل ذَبَائِح بني تغلب وَنِسَائِهِمْ كَمَا هُوَ قَول الْأَكْثَرين فَإِنَّهُ على هَذِه الرِّوَايَة لَا عِبْرَة بِالنّسَبِ بل لَو كَانَ الأبوان جَمِيعًا مجوسيين أَو وثنيين وَالْولد من أهل الْكتاب فَحكمه حكم أهل الْكتاب على هَذَا القَوْل بِلَا ريب كَمَا صرح بذلك الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهم

  31. وَمن ظن من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم أَن تَحْرِيم نِكَاح من أَبَوَاهُ مجوسيان أَو أَحدهمَا مَجُوسِيّ قَول وَاحِد فِي مذْهبه فَهُوَ مخطىء خطأ لَا ريب فِيهِ لِأَنَّهُ لم يعرف أصل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلِهَذَا كَانَ من هَؤُلَاءِ من يتناقض فَيجوز أَن يقر بالجزية من دخل فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل وَيَقُول مَعَ هَذَا بِتَحْرِيم نِكَاح نَصْرَانِيّ الْعَرَب مُطلقًا وَمن كَانَ أحد أَبَوَيْهِ غير كتابي كَمَا فعل ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَهَذَا تنَاقض

  32. وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَإِن كَانَ قد قَالَ هَذَا القَوْل هُوَ وَطَائِفَة من أَتْبَاعه فقد رَجَعَ عَن هَذَا القَوْل فِي الْجَامِع الْكَبِير وَهُوَ آخر كتبه فَذكر فِيمَن انْتقل إِلَى دين أهل الْكتاب من عَبدة الْأَوْثَان كالروم وقبائل من الْعَرَب وهم تنوخ وبهراء وَمن بني تغلب هَل تجوز مناكحتهم وَأكل ذَبَائِحهم وَذكر أَن الْمَنْصُوص عَن أَحْمد أَنه لَا بَأْس بِنِكَاح نَصَارَى بني تغلب وَأَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى مخرجة على الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فِي ذَبَائِحهم وَاخْتَارَ أَن الْمُنْتَقل إِلَى دينهم حكمه حكمهم

    vol. 2, p. 19سَوَاء كَانَ انْتِقَاله بعد مَجِيء شريعتنا أَو قبلهَا وَسَوَاء انْتقل إِلَى دين المبدلين أَو دين لم يُبدل وَيجوز مناكحته وَأكل ذَبِيحَته

  33. وَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَن أَبَوَاهُ مُشْرِكَانِ من الْعَرَب وَالروم فَمن كَانَ أحد أَبَوَيْهِ مُشْركًا فَهُوَ أولى بذلك هَذَا هُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد فَإِن قد نَص على أَنه من دخل فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل كمن دخل فِي دينهم فِي هَذَا الزَّمَان فَإِنَّهُ يقر بالجزية قَالَ أَصْحَابه وَإِذا أقررناه بالجزية حلت ذَبَائِحهم وَنِسَاؤُهُمْ وَهُوَ مَذْهَب ابي حنيفَة وَمَالك وَغَيرهمَا

  34. وأصل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا ذكرته من نزاع عَليّ وَغَيره من الصَّحَابَة فِي بني تغلب وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَالْجُمْهُور أحلوها وَهِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد

  35. ثمَّ الَّذين كَرهُوا ذَبَائِح بني تغلب تنازعوا فِي مَأْخَذ عَليّ فَظن بَعضهم أَن عليا إِنَّمَا حرم ذَبَائِحهم ونساءهم لكَونه لم يعلم أَن آبَاءَهُم دخلُوا فِي دين أهل الْكتاب قبل النّسخ والتبديل وبنوا على هَذَا أَن الِاعْتِبَار فِي أهل الْكتاب بِالنّسَبِ لَا بِنَفس الرجل وَأَن من شككنا فِي أجداده هَل كَانُوا من أهل الْكتاب أم لَا أَخذنَا بِالِاحْتِيَاطِ فحقنا دَمه بالجزية احْتِيَاطًا وحرمنا ذَبِيحَته ونساءه احْتِيَاطًا وَهَذَا مَأْخَذ الشَّافِعِي وَمن وَافقه من أَصْحَاب أَحْمد

  36. وَقَالَ آخَرُونَ بل عَليّ لم يكره ذَبَائِح بني تغلب إِلَّا لكَوْنهم مَا تدينوا بدين أهل الْكتاب فِي واجباته ومحظوراته بل أخذُوا مِنْهُ حل الْمُحرمَات فَقَط وَلِهَذَا قَالَ إِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من دين أهل الْكتاب إِلَّا بِشرب الْخمر وَهَذَا المأخذ من قَول عَليّ هُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب

  37. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْل بِأَن أهل الْكتاب الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن هم من كَانَ دخل جده فِي ذَلِك قبل النّسخ والتبديل قَول ضَعِيف وَالْقَوْل بِأَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَرَادَ ذَلِك قَول ضَعِيف بل الصَّوَاب الْمَقْطُوع بِهِ أَن كَون الرجل كتابيا أَو غير كتابي هُوَ حكم مُسْتَقل بِنَفسِهِ لَا بنسبه وكل من تدين بدين أهل الْكتاب فَهُوَ مِنْهُم سَوَاء كَانَ أَبوهُ أَو جده دخل فِي دينهم أَو لم يدْخل وَسَوَاء كَانَ دُخُوله قبل النّسخ والتبديل أَو بعد ذَلِك وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَمَالك وَهُوَ الْمَنْصُوص الصَّرِيح عَن أَحْمد وَإِن كَانَ بَين أَصْحَابه فِي ذَلِك نزاع مَعْرُوف وَهَذَا القَوْل هُوَ الثَّابِت عَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَلَا أعلم بَين الصَّحَابَة فِي ذَلِك نزاعا

  38. وَقد ذكر الطَّحَاوِيّ أَن هَذَا إِجْمَاع قديم وَاحْتج بذلك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على من لَا يقر الرجل فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل كمن هُوَ فِي زَمَاننَا إِذا انْتقل إِلَى دين أهل الْكتاب فَإِنَّهُ تُؤْكَل ذَبِيحَته وَتنْكح نساؤه وَهَذَا يبين خطأ من يُنَاقض مِنْهُم

    vol. 2, p. 20وَأَصْحَاب هَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ قَول الْجُمْهُور يَقُولُونَ من دخل هُوَ أَو أَبَوَاهُ أَو جده فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل أقرّ بالجزية سَوَاء دخل فِي زَمَاننَا هَذَا أَو قبله وَأَصْحَاب القَوْل الآخر يَقُولُونَ مَتى علمنَا أَنه لم يدْخل إِلَّا بعد النّسخ والتبديل لم تقبل مِنْهُ الْجِزْيَة كَمَا يَقُوله بعض أَصْحَاب أَحْمد مَعَ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالصَّوَاب قَول الْجُمْهُور وَالدَّلِيل عَلَيْهِ من وُجُوه

  39. أَحدهَا أَنه قد ثَبت أَنه كَانَ من أَوْلَاد الْأَنْصَار جمَاعَة تهودوا قبل مبعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِقَلِيل كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس أَن الْمَرْأَة كَانَت مقلاتا والمقلات الَّتِي لَا يعِيش لَهَا ولد كَثِيرَة القلت والقلت الْمَوْت والهلاك كَمَا ياقل امْرَأَة مذكار ميناث إِذا كَانَت كَثِيرَة الْولادَة للذكور وَالْإِنَاث والسما الْكَثِيرَة الْمَوْت قَالَ ابْن عَبَّاس فَكَانَت الْمَرْأَة تنذر إِن عَاشَ لَهَا ولدان تجْعَل أَحدهمَا يَهُودِيّا لكَون الْيَهُود كَانُوا أهل علم وَكتاب وَالْعرب كَانُوا أهل شرك وأوثان فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا كَانَ جمَاعَة من أَوْلَاد الْأَنْصَار تهودوا فَطلب آباؤهم أَن يكرهوهم على الْإِسْلَام فَأنْزل الله تَعَالَى {لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من الغي} الْآيَة

  40. فقد ثَبت أَن هَؤُلَاءِ كَانَ آباؤهم موجودين تهودوا وَمَعْلُوم أَن هَذَا دُخُول بِأَنْفسِهِم فِي الْيَهُودِيَّة قبل الْإِسْلَام وَبعد مبعث الْمَسِيح صلوَات الله عَلَيْهِ وَهَذَا بعد النّسخ والتبديل وَمَعَ هَذَا نهى الله عز وَجل عَن إِكْرَاه هَؤُلَاءِ الَّذين تهودوا بعد النّسخ والتبديل على الْإِسْلَام وأقرهم بالجزية وَهَذَا صَرِيح فِي جَوَاز عقد الذِّمَّة لمن دخل بِنَفسِهِ فِي دين أهل الْكتاب بعد النّسخ والتبديل فَعلم أَن هَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب دون الآخر