ومن الأذان

44 paragraphs · vol. 1, p. 144

Page 1 of 2

  1. "وهو واجب أو مندوب"

    قلت: لعل المؤلف حفظه الله تعالى لم تتح له الفرصة ليحقق القول ويبين الحق من القولين وإلا فإن القول بأن الأذان مندوب لا نشك مطلقا في بطلانه كيف وهو من أكبر الشعائر الإسلامية التي كان عليه الصلاة. والسلام إذا لم يسمعه في أرض قوم أتاهم ليغزوهم وأغار عليهم فإن سمعه فيهم كف عنهم كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما وقد ثبت الأمر به في غير ما حديث صحيح والوجوب يثبت بأقل من هذا فالحق أن الأذان فرض على الكفاية وهو الذي صححه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" ١ / ٦٧ - ٦٨ و٤ / ٢٠ بل وعلى المنفرد كما يأتي.

    vol. 1, p. 144
  2. وسنذكر دليلا آخر على الوجوب في بحث "صلاة الجماعة" وقد ذكره الشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ١٩٦ - ١٩٧ مع أحاديث أخرى وختم ذلك بقوله:

    "والحاصل أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي الشمس المنيرة ثم هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعة بل لكل مصل عليه أن يؤذن ويقيم لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائق الرجال والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكان لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال" .

  3. قوله في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في ابتداء شرع الأذان ص ٢٠١ - ٢٠٢: "رواه أحمد" !

    قلت: هذا يوهم أنه لم يروه أحد من أهل السنن والصحاح وهو تقصير فاحش فقد أخرجه أبو داود والدارمي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" ١ وإسناده حسن صحيح كما بينته في "صحيح أبي داود" ٥١٢ وانظر "المشكاة" ٦٥٠.

    vol. 1, p. 145
  4. فائدة: قوله في هذا الحديث بعد أن ساق الأذان:

    "ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة ... " الخ.

    قلت: في هذا دليل واضح على أن السنة في الإقامة في موضع غير موضع الأذان فقول ابن قدامة في "المغني" ١ / ٤٢٧:

    "ويستحب أن يقيم في موضع أذانه قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال: لا تسبقني بآمين" يعني: لو كان يقيم في موضع صلاته لما خاف أن يسبقه بالتأمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكبر بعد فراغه من الإقامة ولأن الإقامة شرعت للإعلام فشرعت في موضعه ليكون أبلغ في الإعلام. وقد دل على هذا حديث عبد الله بن عمر قال: كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة".

  5. فأقول: أما حديث ابن عمر فلا دلالة فيه لما ذكره مطلقا لأنه من الممكن سماعه للإقامة لقربه من المسجد وذلك لا يستلزم أن تكون الإقامة في موضع

    vol. 1, p. 146الأذان كما هو ظاهر. وإسناده حسن كما هو مبين في "صحيح أبي داود" ٥٢٧ بخلاف حديث بلال فإنه منقطع بين أبي عثمان وبلال ولذلك أوردته في "ضعيف أبي داود" برقم ١٦٧ على أنه لو صح فلا دلالة فيه أيضا على الدعوى.

  6. وما نقله عن الإمام أحمد ففيه نظر لأنه لا يعني بقوله: "مكانه" الأذان وإنما المقيم يعني أنه يقيم حيث هو ولا يمشي قال عبد الله بن أحمد في "مسائله" ٦١ / ٢٢٠:

    "قلت لأبي: الرجل يمشي في الإقامة؟ قال: أحب إلي أن يقيم مكانه ... " الخ.

  7. وقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد فروى ابن أبي شيبة ١ / ٢٢٤ عن عبد الله بن شقيق قال: من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد وكان عبد الله يفعله. وسنده صحيح.

  8. وروى عبد الرزاق ١ / ٥٠٦ أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى المسجد رجالا: إذا أقيمت الصلاة فقوموا إليها وسنده صحيح أيضا وهو ظاهر في أن الإقامة كانت في المسجد.

  9. قوله: "ويشرع للمؤذن التثويب وهو أن يقول في أذان الصبح بعد الحيعلتين: الصلاة خير من النوم قال أبو محذورة: يا رسول الله علمني سنة الأذان فعلمه وقال: " فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم ... " رواه أحمد وأبو داود" .

    قلت: إنما يشرع التثويب في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريبا لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: "كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين"

  10. رواه البيهقي ١ / ٤٢٣ وكذا

    vol. 1, p. 147الطحاوي في "شرح المعاني" ١ / ٨٢ وإسناده حسن كما قال الحافظ. وحديث أبي مخذورة مطلق وهو يشمل الأذانين لكن الأذان الثاني غير مراد لأنه جاء مقيدا في رواية أخرى بلفظ: "وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم" . أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٥١٠ - ٥١٦ فاتفق حديثه مع حديث ابن عمر ولهذا قال الصنعاني في "سبل السلام" ١ / ١٦٧ - ١٦٨ عقب لفظ النسائي:

    "وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات. قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابن خزيمة قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر لأنه لإيقاظ النائم وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة. اهـ من " تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي ". ومثل ذلك في " سنن البيهقي الكبرى " عن أبي محذورة: أنه كان يثوب في الأذان الأول من الصبح بأمره صلى الله عليه وسلم.

    قلت: وعلى هذا ليس "الصلاة خير من النوم " من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضا عن الأذان الأول" .

    قلت: وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لجريان العمل من أكثر المؤذنين في البلاد الإسلامية على خلاف السنة فيها أولا ولقلة من صرح بها من المؤلفين ثانيا فان جمهورهم - ومن ورائهم السيد سابق - يقتصرون على إجمال القول فيها ولا يبينون أنه في الأذان الأول من الفجر كما جاء ذلك صراحة في الأحاديث الصحيحة خلافا للبيان المتقدم من ابن رسلان والصنعافي جزاهما الله خيرا.

  11. ومما سبق يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة وتزداد المخالفة حين يعرضون عن الأذان الأول بالكلية ويصرون على التثويب في الثاني فما أحراهم بقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .

    vol. 1, p. 148
  12. فائدة: قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدمين الصريحين في التثوب في الأذان الأول:

    "وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى" .

  13. قوله في أذان الفجر: "يشرع تقديمه على أول الوقت إذا أمكن التمييز بين الأذان الأول والثاني حتى لا يقع الاشتباه" .

    قلت: ذلك ممكن بيسر إذا التزمت السنة التي ميزت الأذان الأول بزيادة جملة: "الصلاة خير من النوم مرتين " كما تقدم.

  14. على أن هناك سنة أخرى تزيد الأمر يسرا وهي أن يكون مؤذن الأذان الأول غير مؤذن الأذان الثاني كما في حديث ابن عمر الذي ذكره المؤلف أخرجه الشيخان وله شواهد كثيرة خرجتها في "الإرواء" ٢١٩ وهى سنة متروكة أيضا فهنيئا لمن وفقه الله تبارك وتعالى لإحيائها.

  15. قوله: "وروى الطحاوي والنسائي أنه لم يكن بين أذانه يعني ابن عمر وأذان ابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا" .

    قلت: لقد أبعد النجعة وأخل بفن التخريج فإن هذه الرواية قد جاءت في "الصحيحين" في حديث ابن عمر المشار إليه آنفا من حديث نافع عنه. انظر "الإرواء" ١ / ٢٣٦.

    vol. 1, p. 149قوله: فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة" رواه أبو داود والنسائي والترمذي ... وزاد: قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" .

    قلت: الحديث صحيح كما قال الترمذي وأما الزيادة فضعيفة منكرة في سندها يحيى بن اليمان وزيد العمي وهما ضيفان وقد وقفت للحديث على أربعة طرق ذكرتها في "الثمر المستطاب" ثم في "إرواء الغليل" ٢٤٤ وليس في شيء منها هذه الزيادة إلا في هذه الطريق الضعيفة فلا يشرع العمل بها ولا يغتر أحد بكلام الشوكاني في هذا المقام فإنه لم يعط الموضوع حقه من التتبع والبحث.

    قوله: وعن أم سلمة قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك ... " .

    قلت: سكت عنه المصنف فأوهم ثبوته وليس كذلك فإنه حديث ضعيف وسكت عن تخريجه وليس بجيد وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي كثير مولى أم سلمة عنها وقال الترمذي:

    "حديث غريب وأبو كثير لا نعرفه" ولذلك قال النووي:

    "رواه أبو داود والترمذي وفي إسناده مجهول" .

  16. فمثل هذا الحديث لا يجوز نشره بين الأمة إلا مع بيان حاله من الضعف.

  17. قوله: "يستحب لمن يسمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول المقيم إلا عند قوله: " قد قامت الصلاة " فإنه يستحب أن يقول: أقامها الله وأدامها فعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقامها الله وأدامها ".

    قلت: بل المستحب أن يقول كما يقول المقيم: "قد قامت الصلاة" لعموم

    vol. 1, p. 150قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ... " . وتخصيصه بمثل هذا الحديث لا يجوز لأنه حديث واه وقد ضعفه النووي والعسقلاني وغيرهم ولا يغتر بقول صاحب "التاج الجامع للأصول " : "سنده صالح" لأنه اغتر بسكوت أبي داود عليه وقد بينا قيمة سكوت أبي داود على الحديث في "المقدمة" فراجعها وقد بينت ما في سنده من العلل في "ضعيف أبي داود" ٨٣ ثم في "الإرواء" ٢٤١.

  18. وبهذه المناسبة أقول: إن كتاب "التاج" هذا ملئ جدا بالأخطاء العلمية وقد كنت نقدت الجز الأول منه منذ أكثر من عشر سنين من تأليف هذا الكتاب ومسودته موجودة عندي ولو تسنى لنا نشره لفعلنا نصحا للأمة.

    قوله فيما يستحب للمؤذن: "٤ - أن يلتفت برأسه وعنقه وصدره يمينا ... " .

    قلت: أما تحويل الصدر فلا أصل له في السنة البتة ولا ذكر له في شيء من الأحاديث الواردة في تحويل العنق ولعله سبق قلم من المؤلف وإن كان استمر عليه في كل طبعات الكتاب ويؤيد هذا الاحتمال قوله عقبه: "قال النووي في هذه الكيفية: هي أصح الكيفيات. قال أبو جحيفة ... " .

  19. فإن النووي قال في "المجموع" ٣ / ١٠٤ بعد حديث الشيخين عن أبي جحيفة الذي ذكره المؤلف وفيه: "فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يمينا وشمالا" .

  20. وفي رواية أبي داود: "فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر" وإسناده صحيح.

    vol. 1, p. 151ثم قال ٣ / ١٠٦ - ١٠٧: "والسنة أن يلتفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولا يستدير كما ذكره المصنف" .

    ثم قال: "قال أصحابنا: والمراد بالالتفات: أن يلوي رأسه وعنقه ولا يحول صدره عن القبلة ولا يزيل قدمه عن مكانها وهذا معنى قول المصنف: " ولا يستدير " وهذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور" .

  21. هذا من الناحية الفقهية وأما من الناحية الحديثية فإن قوله في رواية أبي داود:

    "وإسناده صحيح" غير صحيح لأن فيه قيس بن الربيع وهو ضعيف وتد تفرد بقوله: "ولم يستدر" كما بينته في "صحيح أبي داود" ٥٣٣ وقد ثبتت الاستدارة من رواية جمع لكن المراد بها الالتفات يمينا ويسارا كما شرحته هناك فأغنى عن الإعادة.

  22. ومما يحسن التنبيه عليه أيضا أنه ليس في رواية البخاري قوله: "يمينا وشمالا" وإنما هو عند مسلم فقط كما كنت ذكرت ذلك في تخريج الحديث في "إرواء الغليل" ٢٣٣ فعزو المؤلف تبعا للنووي للشيخين فيه تساهل واضح وانظر إن شئت "فتح الباري" ٢ / ١١٤ – ١١٥.

    قوله: " ... وروى ابن المنذر عن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة" .

    قلت: ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان الإمام في المسجد وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: إن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه

    رواه مسلم وغيره وهو مخرج في "صحيح أبي داود"

  23. وأما إذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يروه قد خرج لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت" . متفق عليه واللفظ لمسلم وهو مخرج في "صحيح أبى داود" ٥٥٠ - ٥٥٢ انظر الشوكاني ٣ / ١٦٢.

    vol. 1, p. 152
  24. واعلم أنه لا علاقة لهذه المسألة بتكبيرة الإمام للإحرام فإن عليه بعد قيام الناس أن يأمرهم بسد الفرج وتسوية الصفوف كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ثبت ذلك في أحاديث كثيرة عنه وسيأتي في الكتاب بعضها حتى إذا رأى الإمام أن الصفوف استوت كبر فما جاء في "الآثار" للإمام محمد ص ١٣: "عن إبراهيم قال: إذا قال المؤذن: حي على الفلاح فإنه ينبغي للقوم أن يقوموا فيصفوا فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام. قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة" .

    قلت: وعلى هذا كثير من مقلدة الحنفية وبخاصة في البلاد الأعجمية فإن في ذلك إضاعة للسنة المحمدية كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفا وقريب منه اقتصار بعض الأئمة على قولهم: "استووا استووا" فقط!! وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.

    قوله: " ... وعن معاذ الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادى يدعو إلى الفلاح ولا يجيبه ". رواه أحمد والطبراني"

    قلت: سكت عن الحديث فأوهم صحته وليس بصحيح ولا حسن فإنه من طريق ابن لهيعة عن زبان بن فائد وكلاهما ضعيف وإعلال الهيثمي له بالثاني منهما فقط قصور.

  25. قوله: "قال ابن عمر: ليس على النساء أذان ولا إقامة رواه البيهقي بإسناد صحيح" .

    قلت: هذا خطأ فاحش قلد فيه المؤلف الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٢٧ وهذا قلد الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ١ / ٢١١ وذلك لأنه من رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وعبد الله بن عمر هو العمري المكبر وهو ضعيف كما كنت بينت في "الضعيفة" ٢ / ٢٧٠ وخرجته من طريق "مصنف عبد الرزاق" أيضا من هذا الوجه فكأنهم توهموا أن عبد الله هو عبيد الله بن عمر فإنه ثقة وليس به. ثم هو بظاهره مخالف لما رواه ابن أبى شيبة في "المصنف" ١ / ٢٢٣ بسند جيد عن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر هل على النساء أذان؟ فغضب وقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟! واحتج به الإمام أحمد كما ذكرت هناك وراجع كلام الشوكاني المتقدم قريبا.

    vol. 1, p. 153
  26. قوله: "وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقف وسطهن رواه البيهقي" .

    قلت: في "السنن الكبرى" ١ / ٤٠٨ و٣ / ١٣١ من طريق الحاكم وهو في "المستدرك" ١ / ٢٠٣ - ٢٠٤ وفيه ليث وهو ابن أبي سليم ومن طريقه عبد الرزاق ٣ / ١٢٦ وابن أبي شيبة ١ / ٢٢٣ دون إمامة النساء. لكن هذه الزيادة تابعه عليها ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة أخرجه ابن أبي شيبة ٢ / ٨٩

    فأحدهما يقوي الآخر ولها طريق أخرى من حديث رائطة الحنفية أن عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطا.

  27. أخرجه عبد الرزاق ٣ / ١٤١ والدارقطني ١ / ٤٠٤ والبيهقي ٣ / ١٣١

    وقال النووي في "المجموع" ٤ / ١٩٩:

    vol. 1, p. 154" إسناده صحيح" !

  28. كذا قال وأقره الزيلعي في "نصب الراية" ٢ / ٣١ وأما الحافظ فسكت عن إسناده في "التلخيص" ٢ / ٤٢ وهو أقرب فإن رائطة هذه لم أجد لها ترجمة وفي طبقتها ما في "التهذيب" :

    "رائطة بنت مسلم روت عن أبيها وعنها ابنها عبد الله بن الحارث بن أبزى المكي" .

    وقال الحافظ في "التقريب" :

    "لا تعرف" .

  29. فمن المحتمل أن تكون هي هذه أو غيرها فأنى لإسنادها الصحة؟!

  30. ولها شاهد من رواية حجيرة بنت حصين قالت:
  31. "أمتنا أم سلمة في صلاة العصر قامت بيننا" .

  32. رواه عبد الرزاق أيضا وابن أبي شيبة ٢ / ٨٨ والبيهقي ورجاله ثقات غير حجيرة هذه فلم أعرفها ومع ذلك صححه النووي أيضا وسكت الحافظ عنه أيضا. لكن يقويه ما عند ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن أم الحسن أنها رأت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تؤم النساء تقوم معهن في صفهن.

    قلت: وهذا إسناد صحيح رواته ثقات معروفون من رجال الشيخين غير أم الحسن هذه وهو البصري واسمها خيرة مولاة أم سلمة وقد روى عنها جمع من الثقات ورمز لها في "التهذيب" بأنها ممن روى لها مسلم وذكرها ابن حبان في "الثقات" ٤ / ٢١٦.

  33. وبالجملة فهذه الآثار صالحة للعمل بها ولا سيما وهي مؤيدة بعموم قوله

    vol. 1, p. 155صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال" كما تقدم فيما نقلناه لك من كلام الشوكاني في "السيل الجرار" فتذكره فإنه مهم.

    قوله: " ... روى الأثرم وسعيد بن منصور عن أنس أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن بهم وأقام فصلى بهم جماعة" .

    قلت: قد علقه البخاري ووصله البيهقي بسند صحيح عنه وقد يستدل به بعضهم على جواز تعدد صلاة الجماعة في المسجد الواحد ولا حجة فيه لأمرين:

    الأول: أنه موقوف.

  34. الثاني: أنه قد خالفه من الصحابة من هو أفقه منه وهو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فروى عبد الرزاق في "المصنف" ٢ / ٤٠٩ / ٣٨٨٣ وعنه الطبراني في "المعجم الكبير" ٩٣٨٠ بسند حسن عن إبراهيم أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد فاستقبلهم الناس وقد صلوا فرجع بهما إلى البيت ... ثم صلى بهما.

  35. فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقا لما جمع ابن مسعود في البيت مع أن الفريضة في المسجد أفضل كما هو معلوم.

  36. ثم وجدت ما يدل على أن هذا الأثر في حكم المرفوع فانه يشهد له ما روى الطبراني في "الأوسط" ٤٧٣٩ - بترقيمي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم. وقال:

    "لا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد" .

    قلت: وهو حسن وقال الهيثمي ٢ / ٤٥:

    vol. 1, p. 156"رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " ورجاله ثقات" .

  37. ولعل الجماعة التي أقامها أنس رضي الله عنه كانت في مسجد ليس له إمام راتب ولا مؤذن راتب فإن إعادتها في مثل هذا المسجد لا تكره لما يأتي وبذلك يتفق الأثران ولا يختلفان.

  38. وأحسن ما وقفت عليه من كلام الأئمة في هذه المسألة هو كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه ولا بأس من نقله مع شيء من الاختصار ولو طال به التعليق نظرا لأهميته وغفلة أكثر الناس عنه قال رضي الله عنه في "الأم" ١ / ١٣٦:

    "وإن كان لرجل مسجد يجمع فيه ففاتته الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي إن لم يأته وصلى في مسجده منفردا فحسن وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصلاة صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرقة الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام الجماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون بهذا اختلاف وتفرق الكلمة وفيهما المكروه وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام راتب ويصلي فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إماما غيره قال:

    وإنما منعني أن أقول: صلاة الرجل لا تجوز وحده وهو يقدر على جماعة

    vol. 1, p. 157بحال تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته وأنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا معه الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوما فجاؤوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين ".

  39. وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولا عن الحسن البصري قال:

    "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا المسجد وقد صلي فيه صلوا فرادى ".

  40. رواه ابن أبي شيبة ٢ / ٢٢٣.

    وقال أبو حنيفة:

    "لا يجوز إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب ".