المسألة الثانية: صيغة أفعل حقيقة في الوجوب

93 paragraphs · vol. 2, p. 18

Page 1 of 3

  1. ...

    vol. 2, p. 18
  2. واعلم أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب مجاز في غيرها على الصحيح كما ستعرفه إن شاء الله تعالى والعلاقة التي بين الواجب والمندوب والإرشاد حتى أطلقت عليهما صيغة افعل هي المشابهة المعنوية.

  3. الرابع: الإباحة كقوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ١

    الخامس: التهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} ٢. ومن التهديد الإنذار كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} ٣ وقد جعله جماعة قسما آخر ولا شك في ثبوت الفرق بينهما إذ التهديد هو التخويف والإنذار هو الإبلاغ لكن لا يكون إلا في التخويف فقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا} أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر وقال صفي الدين الهندي وغيره الفرق بينهما أن الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كما في الآية المذكورة والتهديد لا يجب فيه ذلك بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون وقيل في الفرق بينهما إن التهديد في العرف أبلغ من الوعيد والغضب من الإنذار وكلها فروق صحيحة والعلاقة بين التهديد والوجوب المضادة لأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه كذا قيل وعندي أن المهدد عليه لا يكون إلا حراما وكذلك الإنذار وكيف وهو مقترن بالوعيد بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر هي المتوعد عليها.

  4. السادس: الامتنان: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} ١ والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحو ذلك كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه والعلاقة بين الامتنان والوجوب المشابهة في الإذن أن الممنون لا يكون إلا مأذونا فيه.

    vol. 2, p. 19
  5. السابع: الإكرام: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} ٢ فإن قرينة قوله بسلام آمنين يدل عليه والعلاقة أيضا الإذن.

  6. الثامن: التسخير: مثل: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} ٣ والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيها انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة الذلة والامتهان في العمل والعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهي تحتم الوقوع وقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين هذا القسم بالتكوين.

  7. التاسع: التعجيز: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} ٤ والعلاقة المضادة إذ لا يكون التعجيز إلا في الممتنع

    العاشر: الإهانة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} ٥

    الحادي عشر: التسوية: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا} ٦

    الثاني عشر: الدعاء: مثل القائل: اللهم اغفر لي وقوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} ٧

    الثالث عشر: التمني: مثل قول امرىء القيس:

    ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي٨

    vol. 2, p. 20وقد يقال لم جعل المصنف هذا الشاعر متمنيا ولم يجعله مترجيا مع أن التمني مختص بالمستحيل وانجلاء الليل غير مستحيل والجواب أن المحب ينزل ليله لطوله منزلة ما يستحيل انجلاؤه ولهذا قال الشاعر:

    ليل المحب بلا آخر

    الرابع عشر: الإحتقار: كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام يخاطب السحرة: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} ١ يعني أن السحر وإن عظم ففي مقابلة ما أتى به موسى عليه السلام حقير والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة إنما تكون بالقول أو الفعل أو بتركهما دون مجرد الاعتقاد والاحتقار إما مختص بمجرد الاعتقاد أو لا بد من الاعتقاد بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال إنه احتقره ولا يقال أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبي عن ذلك.

  8. الخامس عشر: التكوين: كن فيكون. وقد سما الغزالي إلى هذا القسم بكمال القدرة وتبعه الآمدي.

  9. السادس عشر: الخبر مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ٢

    أي صنعت ما شئت.

  10. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام هو هذا تهكم إذ معناه اعرضه على نفسك فإن استحيت منه لو اطلع عليه فلا تفعله وإن لم تستح فاصنع ما شئت من هذا الجنس وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القسم إلى مثال وأمثلة كثيرة.

  11. قوله وعكسه أي قد يستعمل الخبر ويراد به الأمر مثل قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} ١ المعنى والله أعلم ليرضع الوالدات أولادهن وهذا أبلغ من عكسه لأن الناطق بالخبر مريدا به الأمر كأنه نزل المأمور به منزلة الواقع قوله: "لا تنكح المرأة المرأة" ٢ يعني أن الخبر قد يأتي مرادا به النهي كما قد يقع مرادا به الأمر وذلك أعني مجيئه مرادا به النهي كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة بإسناد جيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

    "لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها" فإن صيغته خبر لوروده مضموم الجيم ولو كان نهيا لكان مجزوما مكسورا لالتقاء الساكنين والمراد به النهي فهذا شرح الأقسام الستة عشر التي في الكتاب وهي في الحقيقة أكثر لاشتمال بعض أقسامها على نوعين كما عرفت وقد زاد إمام الحرمين في البرهان الأمر بمعنى الإنعام كقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ٣ قال هذا وإن كان فيه معنى الإباحة فان الظاهر منه تذكير النعمة وزاد أيضا الأمر بمعنى التعويض كقوله: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} ٤ وزاد صفي الدين الهندي تاسع عشر وهو التعجب ومثل له بقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} ٥ وهذا المثال جعله الآمدي وابن برهان من قسم التعجيز ورأيت في طبقات الفقهاء لأبى عاصم العبادي في ترجمة أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي زيادات أخر منها التعجب كما قال الشيخ الهندي لكن مثل له بقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} ٦ ومنها الأمر بمعنى التكذيب مثل قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ٧ وقوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا} ٨ ومنها الأمر بمعنى المشورة مثل:

    vol. 2, p. 22{فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} ١ وزاد أبو عاصم أيضا في غير هذه الترجمة الأمر بمعنى الاعتبار مثل قوله: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} ٢ والأمر بمعنى التسليم مثل:

    {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين وقد وصلت الأقسام بزيادات أبى عاصم وإمام الحرمين والقسم الذي ذكره الهندي إلى اثنين وعشرين.

    قال: الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي وقال أبو هاشم:

    إنه للندب وقيل للإباحة وقيل مشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بينهما وقيل لأحدهما ولا نعرفه وهو قول الحجة وقيل مشترك بين الثلاثة وقيل بين الخمسة.

    vol. 2, p. 21
  12. أجمعوا على أن صيغة أفعل ليست حقيقة في جميع المعاني التي أوردناها وإنما الخلاف في بعضها وقد اختلفوا فيه على مذاهب:

    أحدها: أنه حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي وهو المحكي عن الشافعي رضي الله عنه.

    وقال إمام الحرمين: في التلخيص المختصر من التقريب والإرشاد وأما الشافعي فقد أدعى كل من أهل المذاهب أنه على وفاقه وتمسكوا بعبارات متفرقة له في كتبه حتى اعتصم القاضي بألفاظ له من كتبه واستنبط منها مصيره إلى الوقف وهذا عدول عن سنن الإنصاف فان الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب انتهى ونقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز عن الفقهاء واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف.

  13. قال الشيخ أبو اسحاق وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبى إسحاق يعني المروزي ببغداد ثم اختلف القائلون بهذا المذهب في أن اقتضاها الوجوب هل هو بوضع اللغة أم بالشرع على مذهبين وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة ونقله إمام الحرمين عن الشافعي.

  14. والثاني: أنها حقيقة في الندب. قال الغزالي ومنهم من نقله عن الشافعي وقد نقله في الكتاب عن أبي هاشم والغزالي نقله عن كثير من المتكلمين دهماؤهم المعتزلة أي دهماء الكثير من المتكلمين وجماعة من الفقهاء.

    vol. 2, p. 23
  15. قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع الذي تحكي الفقهاء عن المعتزلة أنها تقتضي الندب وليس هذا مذهبهم على الاطلاق بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة والحاكم لا يريد الا الحسن والحسن ينقسم إلى واجب ومندوب فيحمل على المحقق من الاسم وهو الندب فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب الا على هذا التقدير.

    قلت: ويلزمهم أو أكثرهم على هذا التقدير القول بالإباحة لأن المباح عند أكثرهم حسن كما سبق في أوائل الكتاب.

  16. الثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب.

  17. الرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب وهو المحكي عن المرتضى من الشيعة وقال الغزالي صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الوجوب الندب.

  18. الخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب فيكون متواطئا وهو رأي الإمام أبى منصور الماتريدي.

  19. السادس: حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي لكنا لا ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة:

    ويعرفون ان لا رابع وهذا محكي عن طائفة من الواقعية كالشيخ والقاضي واختاره الغزالي والآمدي هذا هو تحرير هذا المذهب وقول المصنف في حكايته وقيل لأحدهما ولا نعرفه غير مرضي بوجهين:

    أحدهما: تصريحه يتردد هذا المذهب بين شيئين وليس كذلك بل بين ثلاثة كما سقناه.

  20. وثانيهما: أنه على تقدير صحة هذا بأن يكون بعض الناس ذهب إلى تردد بين

    vol. 2, p. 24شيئين فليس قول الغزالي إنما اختار الغزالي ما أوردناه وهذه عبارة المستصفي وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم بل للندب وقال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا والمختار أنه يتوقف فيه انتهى.

  21. وقد حكى الشيخ الهندي عن الشيخ والقاضي وإمام الحرمين والغزالي التوقف في أنه حقيقة في الوجوب فقط أو الندب فقط أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي وهذا مغاير لهذا الذي سقناه عن الغزالي لتردده بين أربعة لا ثلاثة والذي في المستصفي ما رأيته وأما الشيخ والقاضي فقد ذكرنا النقل عنهما في أول هذا الفصل من كلام إمام الحرمين وأما إمام الحرمين فالذي صرح باختياره ما نصه من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق في شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل فعل وبين قوله ما فعل ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا القول إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك فعلت أو تركت وبين قول افعل فان الصيغة الأخيرة مقتضاها طلب لا محالة وليس في الإباحة من الطلب شيء فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق الا الندب والندب من ضرورة معناه التخيير في الترك وليس في قول القائل افعل تخيير في الترك أصلا وقد تعين الآن أن نبوح بالغرض الحق ونقول افعل طلب محض لا مساغ له لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن فان قيل هذا مذهب الشافعي واتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فان الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيص الطلب فإذا الصيغة لتمحيص الطلب والوجوب مدرك من الوعيد هذا لفظه ثم قال وأنا أبني على منتهى الكلام شيئا يقرب ما اخترته من مذهب الشافعي فأقول ثبت في موضوع الشرع أن التمحص في الطلب موعد على تركه وكلما يكون كذلك فلا يكون إلا واجبا انتهى.

  22. وحاصل هذا الذي اختاره حمل الصيغة على الاقتضاء والطلب وقصار المستفاد منها من جهة اللسان الطلب الجازم وكون هذا الطلب موعدا عليه شيء آخر ثابت في أوامر الشرع بالدليل الخارجي فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من اللغة والشرع فقد وافق القائلين بالوجوب وإن كان قد خالفهم في هذا التركيب ونقل المازري في شرح البرهان هذا الذي اختاره إمام الحرمين عن الشيخ أبى حامد الإسفرايني وقال إنه صرح به وسبقه إلى اختياره فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل فاقتضاه منه اقتضاء جزما ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد وهذا هو الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا فان الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر خارجي عنه ولكننا نقول المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب ومراده الصيغة الواردة فى الشرع إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاها للوجوب مستفاد منها فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب إليه إمامهما.

    vol. 2, p. 25
  23. واعلم أن هذا المذهب المختار مغاير للمذهبين اللذين حكياهما عند حكاية القول بالوجوب في ان ذلك هل هو بالشرع أو اللغة فتصير المذاهب أربعة:

    الوجوب بالشرع والوجوب باللغة والوجوب بضم الشرع إلى اللغة وعدم الوجوب.

  24. فان قلت: كيف يقال بأن الوجوب مستفاد من وضع اللغة؟

    قلت: هو بعيد كما أشرنا إليه ولكنه هو مذهب مصرح به كما عرفت وممن ذكره الشيخ أبو اسحاق والقاضي أبو بكر في مختصر التقريب لإمام الحرمين وقال إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه وأنه كذلك بأصل الوضع لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيا وتقريعه وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر ولا يستوجب التوبيخ لا بترك واجب فاقتضى ذلك دلالة الأمر المطلق على الوجوب وقال المازري:

    vol. 2, p. 26صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم فقد ثبت هذا المذهب إلا أنه عندنا ساقط.

    قال القاضي في مختصر التقريب: ولسنا نسلم أن في إطلاق اللغة ما يقتضي ان مخالف الصيغة المطلقة المعراة عن القرائن يسمى عاصيا ويستوجب التوبيخ ويقول لهم بم تنكرون على من يزعم أنهم وإن وبخوا تارك الامتثال بسمة العصيان فإنما وبخوه عند تركه امتثال أمر شاهد قرائن أحوال الأمر به دالة على اقتضاء الوجوب فليس يمكنكم أن تزعموا أنهم يوبخون بالعصيان في الأمر المجرد عن القرائن.

  25. قال واسم الأمر يصدق على المجرد والمقترن فمن أين لكم أن ما أطلقوه ينصرف إلى الصيغة المطلقة.

  26. قال ثم نقول على وجه التنزل لسنا نسلم أن يثبت سمة العصيان وصف ذم على الاطلاق إذ قد يرد ذلك في غير موضع استحقاق الذم فإنك تقول أشرت على فلان بكذا فعصاني وعصى مشورتي وإن لم يكن لمشورتك موجبا على من أشرت عليه المذهب.

  27. السابع: أنها بين الثلاثة أعني الوجوب والندب والإباحة واختلف القائلون به فقالت طائفة بالاشتراك اللفظي وقال آخرون بالمعنوي وكلام المصنف محتمل للأمرين.

  28. الثامن أنها مشتركة من الخمسة أعني الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم وهو المشار إليه بقول المصنف وقيل بين الخمسة ومراده الأحكام الخمسة فإن الإمام في المحصول هكذا حكى هذه المذاهب المذكوره في الكتاب.

  29. التاسع: أنه أمر مشترك بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد حكاه الغزالي.

  30. العاشر: أن أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم للندب إلا ما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن شيخه

    vol. 2, p. 27أبى بكر الأبهري وكذلك حكاه عنه المازري في شرح البرهان وقال إن النقل اختلف عنه فروي عنه هذا وروي عنه موافقة من قال إنه للندب على الإطلاق هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة.

  31. وقد ادعى الإمام إذ حكى الاتفاق على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة أن الخلاف إنما وقع في أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم وأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمت أن حصر الخلاف في ذلك ليس بجيد.

  32. أدلة القائلين بأن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب

    قال: لنا وجوه: الأول قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ذم على ترك المأمور فيكون واجبا.

    vol. 2, p. 28
  33. استدل على ما ذهب إليه من أن صيغة أفعل حقيقة في الوجوب لوجوه خمسة:

    الأول: قوله تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ١ ووجه الحجة منه أن الصيغة وإن كانت صيغة استفهام لكن الاستفهام غير مراد منها لاستحالته على من يستحيل عليه الجهل بل المراد منها الذم والتوبيخ وأنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ ورد الآمدي هذا الدليل بأنه لا يلزم من كون هذا الأمر اقتضى الوجوب أن يكون كل أمر كذلك والجواب: أنه لا قائل بالفصل.

  34. واعلم أن الشيخ أبا إسحاق في شرح اللمع أورد من جهة المعتزلة أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب ونحن لا ننازع في ذلك إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغة وأجاب بأنهم متى سلموا ذلك حصل المقصود إذ المطلوب معرفة مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وغرضنا من ايراد هذا السؤال أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة أو ان الشيخ أبا إسحاق اعتقد انهم لا يخالفون في أن أوامر الله وأوامر رسوله عليه السلام يقتضي الوجوب وذلك عجيب فإن النقل عنه بخلاف ذلك.

    قال: الثاني: {ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} قيل: ذم على التكذيب

    vol. 2, p. 29قلنا: الظاهر أنه للترك والويل للتكذيب. قيل: لعل قرينة أوجبت.

  35. قلنا: رتب الذم على ترك مجرد افعل.

  36. الدليل الثاني قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} ١ ووجه التمسك انه تعالى ذم أقواما على ترك ما قيل لهم فيه افعلوا إذ الآية بسياقها تدل على الذم فلو لم تكن الصيغة للوجوب لما حسن ذلك وانما قلنا إن سياق الآية يدل على الذم لأنه ليس المراد من قوله لا يركعون الإعلام والإخبار لأن ترك الركوع من المكذبين معلوم لكل أحد فيكون ذما لهم واعترض عليه بوجهين.

  37. أحدهما: أنا لا نسلم أن الذم على ترك مقتضى الأمر بل على تكذيب الرسل ويؤيده قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أجاب عنه بأن الظاهر أن الذم على ترك مقتضى الأمر ان رتب الذم على الترك والترتيب يشعر بالغلبة والويل على التكذيب فحينئذ إما ان يكون المكذبون هم التاركين فلهم الويل بسبب التكذيب ولهم العقاب بترك المأمور به إذ الكفار مأمورون بالفروع وإما ان يكونوا غيرهم فيجوز ان يستحق قوم الويل بسبب التكذيب وآخرون العقاب بسبب ترك المأمور به.

  38. هذا تقرير الجواب واعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر فقال لا نسلم انه ذمهم على ترك الركوع فقط بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم اركعوا لا يركعون والمراد به انهم غير قابلين للإنذار ونصح الأنبياء وغير ملتفتين إلى دعوتهم قد انطوت جبلتهم على ما يمنعهم من ذلك والرجل قد يتصف بهذه السجية قبل ان يقال له اركع فلا يركع ونحن معترفون بأن هذه الملكة مما يوجب العذاب.

  39. هذا اعتراضه وهو ضعيف وجوابه ما ذكرناه من ان الظاهر ان الذم على ترك مدلول قوله: {ارْكَعُوا} وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ من غير دليل.

  40. والوجه الثاني: وهو يتجه على الدليلين المذكورين هذا الذي نحن فيه والذي تقدم وتوجيهه سلمنا ان الذم على الترك لكن فعل الأمر اقترنت به

    vol. 2, p. 30قرينة تقتضي إيجابه فان الصيغة إذا اقترنت بها قرينة صرفتها إلى ما دلت عليه اجماعا أجاب عنه بأنه رتب الذم على مجرد ترك المأمور به وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالغلبة فيكون نفس الترك علة وما ادعيتم من القرينة الأصل عدمه.