الفصل الخامس: الاشتراك
97 paragraphs · vol. 1, p. 248
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 258
وقال الأصفهاني في شرح المحصول أنه رأى في تصنيف آخر لصاحب التحصيل أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي فإن أكثرهم صرحوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال لنا الوقوع في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} وهي من الله مغفرة ومن غيره استغفار قيل الضمير متعدد فيتعدد الفعل قلنا معنى لا لفظا وهو المدعي.
-
استدل على جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه في وقوعه في آيتين إحداهما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} ٢ فإن الصلاة من الله تعالى المغفرة بالاتفاق ومن الملائكة الاستغفار وهما مفهومان متغايران فيكون لفظ الصلاة مشتركا بينهما وقد أطلق عليهما دفعة واحدة فإنه أسندها إلى الله تعالى وإلى الملائكة.
-
فإن قلت لو كان معنى الصلاة المغفرة والاستغفار لم يعد بعلي لأنهما لا
vol. 1, p. 259يعديان إلا باللام تقول غفرت لزيد واستغفرت له ولا تقول غفرت عليه واستغفرت عليه قلت لما وقعت موقع التعطف والتحنن حسن تعديتها بعلي.
-
وأعلم أن وقع في بعض نسخ المنهاج والصلاة من الله مغفرة كما أوردناه وهو الذي أورده الغزالي وفي بعضها رحمة وكذلك ذكر الإمام والتعبير بمغفرة أحسن لأن الصلاة في اللغة الدعاء بخير وهو محال من الله تعالى فحمل على المغفرة وأما حمله على الرحمة فغير ممكن لأن حقيقة الرحمة رقة القلب وهي مستحيلة في حق الله تعالى ولا يطلب عليه إلا مجازا ومن فسر الصلاة بالرحمة فرارا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا الخطأ العظيم وصار كمن فسر قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ١ بمعنى جلس فإنه فسر شيئا ظاهره محال بالمحال ولقائل أن يقول إذا كانت حقيقة الصلاة الدعاء فاستعمالها في المغفرة والرحمة مجاز فيكون الموجود في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لا في حقيقته والمحتجون بالآية إنما ساقوها لاستعمال المشترك في معنييه نعم يلزم من جوازه في حقيقته ومجازه جوازه في حقيقته.
-
واعترض المانعون على هذا الاحتجاج بأن قوله يصلون فيه ضميران:
أحدهما: عائد على الله تعالى.
-
والثاني: عائد إلى الملائكة وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال فكأنه قال إن الله يصلي والملائكة يصلون فلا يكون حينئذ استعمل اللفظ الواحد في معنييه بل استعمل لفظين في معنيين وليس النزاع فيه وأجاب في الكتاب بأن الفعل لم يتعدد في اللفظ قطعا وإنما تعدد في المعنى فاللفظ واحد والمعنى متعدد وذلك عين الدعوى واعترض الغزالي على هذا الاحتجاج بجواز أن يكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار وهو الاعتناء وإظهار الشرف فقال الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين وهو العناية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لشرفه وحرمته والعناية من الله تعالى مغفرة ومن الملائكة استغفار ودعاء قال وكذلك العذر عن
vol. 1, p. 260السجود يعني في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء مجاز لعدم تبادر الذهن إليه والأصل عدم المجاز.
-
فإن قلت لو لم تحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز وإذا دار اللفظ بين التواطئ وبين الاشتراك والمجاز فحمله على التواطئ أولى.
-
قلت إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة من غير دليل مقتض لأحدهما بخصوصه أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق.
-
فإن قلت سلمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز ولكن المجاز أولى من الاشتراك فليحمل عليه.
-
قلت هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه سواء حملناه على الاعتناء أم لم نحمله نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي واعترض على الاحتجاج بالآية أبضا بأنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر للقرينة كقوله نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف ويكون أصله أن الله يصلي وملائكته يصلون وأجيب بأن الإضمار خلاف الأصل وهذا الجواب لا يحسن ممن يقول الحمل على الجميع بطريق المجاز فإنه يعترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز وهذا مجاز فلم رجح أحد المجازين على الآخر.
قال وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} الآية قيل حرف العطف بمثابة العامل قلنا إن سلم فبمثابته في العمل بعينه.
-
الآية الثانية قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} ١ وجه الاحتجاج أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين والسجود
vol. 1, p. 261مشترك بين وضع الجبهة والخضوع فإما أن يراد به معنى غيرهما أو وضع الجبهة وحده أو الخضوع وحده أو يرادا معا والكل باطل سوى القسم الرابع.
-
فالأول: لكونه خلاف الأصل إذ الأصل عدمه.
-
والثاني: كذلك لامتناع إسناده إلى كل واحد.
-
والثالث: كذلك لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثير من الناس بالذكر.
-
فائدة إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية فتعين الرابع وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملا في مدلوليه المختلفين دفعة واحدة وهو المدعي واعترض الاحتجاج بهذا بأنا لا نسلم أن هذا استعمال للفظ الواحد في معانيه إنما هو استعمال ألفاظ متعددة لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل فيكون التقدير أن الله يسجد له من في السموات ويسجد له من في الأرض إلى آخره ولا نزاع في جواز ذلك وأجاب عنه المصنف بأنا أولا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأزل بعينه وهو هنا باطل لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة لأنه مدلول الأول وفي بعض النسخ بمثابته في العمل أي يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى.
-
قيل يحتمل وضعه للمجموع أيضا فالأعمال في البعض قلنا فيكون المجموع مستندا إلى كل واحد وهو باطل.
-
هذا اعتراض على الاحتجاج بالآيتين المذكورتين ووجهه أنه لا حجة فيما استدللتم به لأنه يحتمل أن يكون استعمال الصلاة والسجود في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وضع له أيضا كما وضع للآخر أو بل نقول لا بد من هذا وإلا فيكون اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له وحينئذ فيكون السجود موضوعا لثلاثة معان للخضوع منفردا ولوضع الجهة منفردا ولمجموعها وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالا له في بعض ما وضع له وهو
vol. 1, p. 262خلاف المدعى وأجاب بأنه لو كان كذلك للزم أن يكون المغفرة والاستغفار مستندا إلى كل واحد من الله تعالى والملائكة وهو واضح البطلان ويلزم أيضا أن يكون معنى السجود الذي هو وضع الجهة على الأرض والخضوع مستندا إلى الداوب وهو باطب وفيه نظر فإن هذا الذي ذكره إنما يلزم أن لو أسند المجموع إلى واحد فقط أما إذا استعمل في بعض المعاني مع اتحاد المستند إليه مثل الطير يسجد بمعنى يخشع أو في المجموع مع تعدد المستند إليه ليرجع كل واحد إلى واحد فلا يلزم هذا المحذور والدليلان المذكوران من هذا القبيل.
-
فالأولى: الجواب أن يمنع وضعه للمجموع وسند المنع أنه خلاف الأصل إذ يلزم منه الاشتراك لأنه يكون موضوعا لكل فرد وللمجموع والاشتراك على خلاف الأصل.
-
قال احتج المانع بأن الواضع إن لم يضع للمجموع لم يجز استعماله فيه قلنا لم لا يكفي الوضع لكل واحد للاستعمال في الجميع.
-
احتج من منع استعمال اللفظ في حقيقتيه معا بأن اللفظ الموضوع لهما إما أن يكون موضوعا لمجموع المعنيين معا أيضا أولا.
-
إن كان الأول فاستعمال اللفظ في المجموع يكون استعمالا له في جميع ما وضع له بل في البعض لأن مدلول اللفظ حينئذ هذا وهذا وحده ومجموعها من حيث هو مجموع بعض ما وضع له وإن كان الثاني لم يجز استعماله لأنه حينئذ يكون استعمالا للفظ في غير ما وضع له وأجاب في الكتاب بأنا لا نسلم أنه لو لم يكن موضوعا للمجموع لم يجز استعماله فيه بل يكون الوضع لكل واحد كافيا في الاستعمال في المجموع مجازا ولكن في هذا الجواب التزام أن استعمال المشترك في معنييه من باب المجاز فلا يحسن ممن يجعله حقيقة ويمكن تقدير الجواب على وجه آخر فيقال الوضع لكل واحد كاف لاستعماله في الجميع ويكون ذلك على الاستعمال استعمالا له فيما وضع له لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع وإنما يشترط ذلك أن لو كان المراد أنه يكون مستعملا في
vol. 1, p. 263المجموع بحيث يكون المجموع مدلولا مطابقيا واحدا كدلالة الخمسة على آحادها ولكن ليس ذلك المدعى وهذا التقرير بناء على ما قاله صاحب التحصيل من حصر الخلاف في الكلي العددي.
-
قال ومن المانعين من جوز في الجميع والسلب والفرق ضعيف.
-
ليس كل من منع استعمال المشترك في معنييه منع مطلقا بل منهم من أطلق منعه وقد تقدم البحث معه ومنهم من فرق وافترق هؤلاء إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: فرقت بين النفي والإثبات فقالت يجوز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات واحتجوا بأن النكرة في سياق النفي تعم فيجوز أن يراد به مدلولاته المختلفة وأجيب بأن هذا الفرق ضعيف لأن السلب لا يرفع إلا ما هو مقتضى الإثبات ومقتضى الإثبات عند هذا القائل أحد المدلولات المختلفة فقط فحينئذ لا يعم السلب والجمع فإن أردتم بعمومه أنه يعم مدلولات اللفظ ففاسد لما ذكرناه وإن أردتم أنه يعم في إفراد مدلول واحد لا في إفراده المدلولات المختلفة فمسلم ولا يجديكم شيئا.
-
الفرقة الثانية: قالت بجوازه في الجمع دون المفرد واحتجوا بأن الجمع في حكم تعديد الأفراد فقولك ثلاثة عيون في قوة قولك عين وعين وعين فكلما يجوز أن تريد بالأول الجارية مثلا وبالثانية الباصرة وبالثالثة عين الشمس فكذا في الجمع وأجاب بأن هذا الفرق ضعيف لأنا لا نسلم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد ولو سلمناه لكنه في حكم تعديد الأفراد نوع واحد كما علم من استقراء اللغة فكما لا يجوز استعمال تلك المفردات في المعاني المختلفة فكذلك استعمال الجمع.
-
واعلم أن التثنية عند هذا المفصل ملحقة بالجمع والله أعلم.
-
قال ونقل عن الشافعي والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطا.
-
الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل بين وذلك أن الوضع يقال بالاشتراك على جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الولد زيدا وهذا هو
vol. 1, p. 264الوضع اللغوي وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير فيه أشهر من غيره وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة الشرعية والعرفيين الخاص والعام والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم وهو الحقيقة أو غير مسماة لعلاقة وهو المجاز والحمل اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه أو ما اشتمل على مراده فالمراد كاعتقاد الشافعي أن الله تعالى أراد بالقرء الطهر واعتقاد أبي حنيفة أنه تعالى أراد الحيض المشتمل نحو حمل من يحمل المشترك على معانيه إذا تجرد عن القرائن لاشتماله على مراد المتكلم احتياطا.
-
إذا عرفت ذلك فالوضع أمر راجح إلى الواضع وقد سلفه الكلام في وضع المشترك والاستعمال من صفات المتكلم وهو الذي انتهينا من كلامه والحمل من صفات السامع وها نحن نتكلم فيه فنقول:
اختلف مستعملو المشترك في معنييه أنه هل يجب حمله على ذلك إذا تجرد عن قرينة صارفة فنقل عن الشافعي والقاضي وجوب ذلك ونقله الإمام في مناقب الشافعي عن القاضي عبد الجبار أيضا والمصنف في باب العموم في الكلام على الجمع عن الجبائي فافهم ذلك وحجتهم أن لو لم يجب فإما ألا يحتمل على واحد منها ويلزم تعطيل النص أو يحمل على واحد وهو ترجيح بدون مرجح.
وقال بعضهم: لا يجب الحمل ويكون مجملا وبه قال الإمام تفريعا على القول بجواز الاستعمال واحتج عليه بأنه إن لم يكن موضوعا للمجموع لم يجز استعماله فيه وإن كان موضوعا له فهو أيضا موضوعا لكل من الأفراد فاللفظ دائن بين كل واحد من الفردين وبين المجموع فيكون الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحا من غير مرجح.
-
فإن قلت حمله على المجموع أحوط فيجب الأخذ به.
-
قلت الأخذ بالاحتياط سنتكلم عليه هذا كلام الإمام واعترض عليه صاحب التحصيل بأن هذا ينفي جواز الاستعمال فالتمسك به على نفي الوجوب تفريعا على الجواز لا يستقيم بقي في المسألة أن وجوب الحمل عند القائل به هل
vol. 1, p. 265هو للاحتياط أو لأنه عنده من باب العموم اضطرب النقل فيه فمن ناقل أنه من باب الاحتياط وعليه جرى في الكتاب ومن ناقل أنه عندهم من باب العموم وبه يشعر إيراد إمام الحرمين فإنه صدر كلامه بقوله ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه وعليه جرى الغزالي فقال الإسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا خلافا للشافعي والقاضي وتبعه الآمدي وقد قدمنا أن القاضي فصل بين الحقيقة والمجاز فلم يقل بالجملة فيها وبين المشترك فقال بالحمل فيه ويحصل بهذا التفصيل في الحمل مذاهب.
-
أحدها: حمل اللفظ على معنييه سواء كان أحدهما مجازا أم كانا حقيقتين وهو رأي الشافعي.
-
والثاني: عكسه.
-
والثالث: التفصيل وهو رأي القاضي وهل هو للاحتياطي أو للعموم فيه هذا الخلاف والمختار عندنا أنه للاحتياط وكيف يكون من باب العموم ومسمى العموم واحد والمشترك مسمياته متعددة وأيضا فالمشترك يجب أن يكون أفراده متناهية ولا كذلك العام وأما ما يقال كيف يحسن من القاضي جعل الحمل من باب العموم وهو من منكري صيغ العموم فجوابه أنه إنما ينكر وضعها للعموم ولا ينكر استعمالها والله أعلم ونختم المسألة بفوائد:
أحداها: قد علمت نقل الناقلين عن الشافعي في استعمال اللفظ معنييه وحمله عند الإطلاق عليهما.
-
وقد قال الرافعي في باب التدبير الأشبه أن اللفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها ذكره في مسألة إن رأيت عينا فأنت حر.
-
وقال في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة من كتاب الوصايا في مسألة الوصايا بالعود في المسألة يعني هذه نظر للأصوليين فسياق
vol. 1, p. 266كلامه لا يقتضي أن الشافعي رأى ذلك وكيف وقد جعل الأشبه خلاف ذلك.
-
وأعلم أن الخلاف في المسألة بين أصحابنا وقد حكى الماوردي في الحاوي في أوائل كتاب الأشربة في المسألة أوجها ثالثها: التفرقة بين الجمع والسلب وقد قدمنا أن الفقيه في المطلب أخرج نص الشافعي على الحقيقة والمجاز فليكن المشترك كذلك بطريق أولى.
-
الثانية: استدل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فاهريق عليه وذلك بالرواية التي جاء فيها: "صبوا عليه بذنوب من ماء" ١ ووجه بأن صيغة الأمر توجهت إلى صب الذنوب والقدر الذي يغمر النجاسة واجب في إزالتها فتناول الصيغة له استعمال اللفظ في حقيقته الوجوب والزائد على ذلك مستحب فتناول الصيغة له استعمال لها في الندب وهو مجاز فيه على الصحيح فقد استعملت صيغة الأمر في حقيقتها ومجازها وهذا بناء على زيادة الذنوب على القدر الواجب.
-
الثالثة: أطلق الأصوليون الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز من غير تبين لمحله.
-
واعلم أن المتكلم إذا ذكر لفظا له حقيقة ومجاز فتارة يقصد الحقيقة فقط فيحمل على الحقيقة وحدها بلا نزاع وتارة يقصد بها المجاز فقط فيحمل عليه وحده بلا خلاف أيضا وكل هذا يظهر بدلائل تقوم عليه من قرائن وألفاظ وتارة يقصد المجاز ويسكت عن الحقيقة أو يقصدهما معا فهذا هو محل النزاع وقد أفهم كلام بعضهم أن الخلاف جار وإن لم يقصد المجاز ولم ينفه وهو في غاية البعد فإن اللفظ لا يحمل على المجاز إلا بقرينة
vol. 1, p. 267الرابعة: يضاهي الخلاف الأصولي في حمل المشترك على معنييه في الفقه صور:
منها لو وقف على مواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل فأوجه أرجحها عند الغزالي بطلانه وهو منقدح على رأي من يمنع استعمال المشترك في معنييه.
-
والثاني: يصح ويصرف إلى الموالي من أعلى.