مسألة: خبر الواحد يوجب العمل وغلبة الظن دون القطع في قول الجمهور

17 paragraphs · vol. 1, p. 240

  1. مسألة: خبر الواحد يوجب العمل وغلبة الظن دون القطع في قول الجمهور وارتضى الجويني من العبارة أن يقال لا يفيد [العلم] ولكن يجب العمل عنده لا به بل بالأدلة القطعية على وجوب العمل بمقتضاه ثم قال هذه مناقشة في اللفظ ونقل عن أحمد ما يدل على أنه يفيد القطع إذا صح واختاره جماعة من أصحابنا.

    vol. 1, p. 240
  2. قال والد شيخنا ونصره القاضي في الكفاية وقال شيخنا وهو الذي ذكره ابن أبي موسى في الإرشاد وتأول القاضي كلامه على أن القطع قد يحصل استدلالا بأمور انضمت إليه من تلقى الأمة له بالقبول أو دعوى المخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه منه في حضرته فيسكت ولا ينكر عليه أو دعواه على جماعة حاضرين السماع معه فلا ينكرونه ونحو ذلك وحصر ذلك بأقسام أربعة هو وأبو الطيب جميعا ومن أطلق القول بأنه يفيد العلم فسره بعضهم بأنه العلم الظاهر دون المقطوع به وسلم القاضي العلم الظاهر وقال النظام إبراهيم خبر الواحد يجوز أن يفيد العلم الضروري إذا قارنته أمارة وكذلك قال بعض أهل الحديث منه ما يوجب العلم كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه وأثبت أبو إسحاق الاسفرائيني فيما ذكره الجويني قسما بين المتواتر والآحاد سماه المستفيض وزعم أنه يفيد العلم نظرا والمتواتر يفيد العلم ضرورة وأنكر عليه الجويني ذلك وحكي عن الأستاذ أبي بكر أن الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول محكوم بصدقه وأنه في بعض مصنفاته.

  3. وقال إن اتفقوا على العمل به لم يحكم بصدقه لجواز العمل بالظاهر وإن قبلوه [١قولا وقطعا حكم به وقال ابن الباقلانى لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول

    vol. 1, p. 241قولا وقطعا] ١ لأن تصحيح الأئمة للخبر يجرى على حكم الظاهر فقيل له لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق ماذا تقول؟ فقال مجيبا لا يتصور ذلك.

  4. [والد شيخنا والقطع بصحة الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول أو عملت بموجبه لأجله قول عامة الفقهاء من المالكية ذكره عبد الوهاب والحنفية فيما أظن والشافعية والحنبلية] واختلف هؤلاء في إجماعهم على العمل به هل يدل على علمهم بصحته قبل العمل به على قولين أحدهما يشترط والثاني لا يشترط وعلى الأول لا يجوز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد وإن عمل به الجمهور وقال عيسى بن أبان ذلك يدل على قيام الحجة به وصحته وخالفه الأكثرون بناء على الاعتداد بخلاف الواحد والإثنين [وذكره أبو الحسن البستى من الحنفية في كتاب اللباب فقال وتقدم رواية الفقيه على القياس ولا يجوز ذلك لغير الفقيه بل يقدم القياس على روايته] وفى كتاب اللامع لابن حاتم صاحب ابن الباقلاني قال عيسى ابن أبان ان كان راوي الخبر متيقظا ترك القياس لأجله وإن لم يكن كذلك وجب الاجتهاد في الترجيح ومن الناس من قال القياس أولى بالمصير إليه واليه صار جماعة من أصحاب مالك وأما الشافعي وأكثر أصحابه فيترك عندهم الخبر للقياس الجلي ويترك الخفي للخبر قال وكل هذه الأقوال عندنا باطلة.

  5. قال الأثرم في كتاب معاني الحديث الذي يذهب إليه أحمد بن حنبل أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بريء منها وبرئت منه وقال إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت بالحكم والفرض ودنت الله تعالى به ولا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قال شيخنا نقلته من خط القاضي على ظهر المجلد الثاني من العدة وذكر أنه نقله من كتاب بخط أبي حفص العكبري رواية أبي حفص عمر بن زيد٢ وقال أيضا قال أحمد

    vol. 1, p. 242ابن حنبل إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة ولم يصب منه فليأكل وإن كان قد تناول وأقيمت الصلاة فليقوموا فليصلوا وفيه أيضا في حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال أبو عبد الله أدفع هذا الحديث بأنه قد روى عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا.

    قال شيخنا قلت: أبو عبد الله يشهد للعشرة بالجنة والخبر خبر واحد وبنى ذلك على أن الشهادة والخبر واحد ولفظ القاضي في العدة خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري وقد رأيت في كتاب معاني الحديث للأثرم بخط أبي حفص العكبري وساق الرواية كما تقدم قال فقد صرح القول بأنه لا يقطع به ورأيت في كتاب الرسالة لابى العباس أحمد بن جعفر الفارسي فقال ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ننص الشهادة ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء [بصدقه] ١ على ما روى ولا ننص قال القاضي قوله ولا ننص الشهادة معناه عندى والله أعلم لا نقطع على ذلك.

    قال شيخنا قلت: لفظ ننص هو المشهور ومعناه لا نشهد على المعين وإلا فقد قال نعلم أنه كما جاء وهذا يقتضى أنه يفيد العلم وأيضا فإن من أصله أن يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد وهو خبر واحد وقال أشهد وأعلم واحد وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر الواحد وقد خالفه ابن المدينى وغيره.

    قال القاضي وقد نقل أبوبكر المروذى قال قلت: لأبي عبد الله هاهنا إنسان يقول ان الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما فعابه وقال ما أدري

    vol. 1, p. 243ما١ هذا قال وظاهر هذا أنه سوى فيه بين العمل والعلم.

    قال شيخنا قلت: قد يكون من هذا قوله ذو اليدين أخبر بخلاف نفسه ونحن ليس عندنا علم برده وإنما هو علم يأتينا به.

  6. قال القاضي وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية نؤمن بها ونعلم أنها حق نقطع على العلم بها قال وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا وقالوا خبر الواحد ان كان شرعيا أوجب العلم قال وهذا عندى محمول على وجه صحيح من كلام أحمد وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال لا من جهة الضرورة والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه أحدها أن تتلقاه الأمة بالقبول فيدل ذلك على أنه حق لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ ولان قبول الأمة له يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به لا تجتمع الأمة على قبوله وإنما يقبله قوم ويرده قوم والثاني خبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد فنقطع بصدقه لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته الثالث أن يخبر الواحد ويدعى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه منه فلا ينكره فيدل على أنه حق لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الكذب الرابع أن يخبر الواحد ويدعى على عدد كثير أنهم سمعوه معه فلا ينكر منهم أحد فيدل على أنه صدق لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب لأنه واقع عن نظر واستدلال وقال إبراهيم النظام خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضرورى إذا قارنته أمارة.

    قال شيخنا قلت: حصره لاخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام ليس بجامع لأن مما يوجب العلم أيضا ما تلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم بالقبول كإخباره عن

    vol. 1, p. 244تميم الداري ما أخبر به ومنه اخبار شخصين عن قضية يعلم أنهما لم يتواطآ عليها ويتعذر في العادة الاتفاق على الكذب فيها أو الخطأ ومنه غير ذلك.

  7. ثم أفرد ابن برهان فصلين في آخر كتاب الأخبار أحدهما فيما إذا أجمع الناس على العمل بخبر الواحد هل يصير كالمتواتر واختار أنه لا يصير والثاني إذا ادعى الواحد على جماعة بحضرتهم صدقه فسكتوا فقال قوم يصير كالمتواتر واختار هو أن ذلك لا يتصور لأن الدواعى في مثل ذلك لا تنفك عن تصديق أو تكذيب ولو من البعض.

  8. [شيخنا] فصل:

    يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع.

  9. هل يفيد العلم فإن أحدا من العقلاء لم يقل ان خبر كل واحد يفيد العلم وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول.

  10. قال ابن عبد البر اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل هل يوجب العلم والعمل جميعا أم يوجب العمل دون العلم قال والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه يوجب العمل دون العلم وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به الله وقطع [العذر لمجيئه مجيئا] ١ لا اختلاف فيه قال وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر انه يوجب العلم والعمل جميعا منهم الحسين الكرابيسي [وغيره وذكر ابن خواز منداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك] .

  11. قلت وحكاه الباجي عن داود بن خواز منداد٢ وهو اختيار ابن حزم قال ابن عبد البر الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة

    vol. 1, p. 245سواء قال وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والنظر [والأثر] ١ قال وكلهم يروى خبر الواحد [العدل] في الإعتقادات ويعادى ويوالى عليها ويجعلها شرعا وحكما ودينا في معتقده على ذلك جماعة أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا.

  12. قلت هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الإعتقادات يؤيد قول من يقول انه يوجب العلم وإلا فما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعا ودينا يوالى عليه ويعادى.

  13. وقد اختلف العلماء في تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل وذكر ابن حامد في أصوله عن أصحابنا في ذلك وجهين والتكفير منقول عن إسحاق بن راهويه.

  14. قلت الفرق بين الشاهد الذي يشهد بقضية معينة وبين المخبر عن الرسول بشرع يجب على جميع الأمة العمل بين هذا لو قدر أنه كذب على الرسول ولم يظهر ما يدل على كذبه للزم من ذلك اضلال الخلق والكلام إنما هو في الخبر الذي يجب قبوله شرعا وما يجب قبوله شرعا لا يكون باطلا في نفس الأمر يبقى الكلام في كون المخبر المعين هل يجب قبول قوله وذاك بحث آخر وهكذا يجب أن يقال في القياس والعموم أن كل دليل يجب اتباعه شرعا لا يكون إلا حقا ويكون مدلوله ثابتا في نفس الأمر والله تعالى لم يأمرنا باتباع ما ليس بحق والمجتهد عليه أن يعمل بأقوى الدليلين وهذا عمل بالعلم فإن رجحان الدليل مما يمكن العمل به ولا يجوز أن يتكافأ دليل الحق والباطل فأما إذا اعتقد ماليس براجح راجحا فهذا خطأ منه وبهذا يتبين أن الفقه الذي أمر الله به من باب العلم لا من باب الظن وإن الدليل ينقسم إلى ما يستلزم مدلوله والى ما يجوز تخلف مدلوله عنه لمعارض راجح كما أن العلة تنقسم إلى موجبة ومقتضية فأما تقسيم الادلة إلى قطعي وظني فليس هو تقسيما باعتبار صفتها في أنفسسها بل باعتبار

    vol. 1, p. 246اعتقاد المعتقدين فيها وهذا١ مما يختلف باختلاف المستدلين فقد يكون قطعيا عند هذا ما ليس قطعيا عند هذا وبالعكس وأما كون الدليل مستلزما لمدلوله أو مرجحا لمدلوله فهو صفة له في نفسه مثل كون العلة قد تكون تامة موجبة للمعلول وقد تكون مقتضية يتخلف٢ عنها المعلول لفوات شرط أو وجود مانع فخبر العدل مرجح لمخبره ليس هو مستلزما لمخبره وكذلك الغيم الرطب في الشتاء وأمثال ذلك فالحاكم عليه أن يحكم بما ظهر من الحجج وقد يكون أحد الخصمين ألحن بحجته من خصمه فاذا قضى له بشىء فلا يأخذه فانما يقطع له قطعة من النار ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم و {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} ٣ وكذلك العالم عليه أن يتبع ما ظهر من أدلة الشرع ويتبع أقوى الادلة وهذا كله يمكن أن يعلمه فيكون عاملا بعلمه ويمكن أن يعجز عن العلم فيتبع ما يظنه وحينئذ فعمله بما يمكن أن يعلمه عمل بعلم وخطأ المجتهد تارة يكون لعدوله عن أرجح الأدلة كعدوله في غير ذلك عن الدليل المستلزم لمدلوله إلى ماليس كذلك وقد يكون عملا بأرجحها لكن اختلف عليه فهذا يقع في الحكم والحاكم معذور بأن لا ينصب له دليل على صدق الصادق فى نفس الأمر وأما الاحكام العامة الكلية فهل يجوز أن لا ينصب الله عليها دليلا بل يكون الذي جعله راجحا من الادلة ليس مدلوله ثابتا في نفس الأمر ولم يقم دليل على أنه مرجوح هذا موضع تنازع الناس فيه فيدخل في هذا الواحد العدل الذي أوجب الله على المسلمين العمل به هل يجوز أن يكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا ولا ينصب الله دليلا يوجب العدول عن العمل به فهذا ومن قال أنه يوجب العلم يقول لا يجوز ذلك بل متى ثبتت الشروط الموجبة للعمل به وجب ثبوت مخبره في نفس الأمر وعلى هذا تنازعوا في كفر

    vol. 1, p. 247تاركه لكونه عندهم من الحجج العلمية كما تكلموا في كفر جاحد الإجماع لكن الإجماع لما اعتقدوا أنه لا يكون خطأ فى نفس الأمر كان تكفير مخالفه أقوى من تكفير مخالف الخبر الصحيح فهم يقولون امكان كذبه أو خطئه ليس مثل امكان خطأ أهل الإجماع ولهذا كان الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما كانت ترده الصحابة اعتقادا لغلط الناقل أو كذبه لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا فإن هذا لا يكفر ولا يفسق وإن لم يكن اعتقاده مطابقا فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هى صحيحة عند أهل الحديث.

  15. ومما يحقق أن خبر الواحد الواجب قبوله يوجب العلم قيام الحجة القوية على جواز نسخ المقطوع به كما في رجوع أهل قباء عن القبلة التي كانوا يعلمونها ضرورة من دين الرسول بخبر واحد١ وكذلك في اراقة الخمر وغير كذلك وإذا قيل الخبر هناك أفادهم العلم بقرائن اختفت به قيل فقد سلمتم المسألة فإن النزاع ليس في مجرد خبر الواحد بل في أنه [قد] ٢ يفيد العلم والباجي مع تغليظه على من أعدى حصول العلم به جوز النسخ به في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  16. قال القاضي في مقدمة المجرد خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية به وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه٣ بالقبول والمذهب على ما حكيت لا غير.

  17. وقال القاضي في ضمن مسألة انعقاد الإجماع على القياس إنما لم يفسق مخالفه إذا لم يتأيد بالاجماع عليه فأما إذا تأيد بالاجماع عليه قوى بالمصير إليه فيفسق جاحده

    vol. 1, p. 248وهذا كما قلنا في خبر الواحد من جحده لا يفسق ومع هذا إذا انعقد الإجماع عليه فسق جاحد وهكذا من منع صيغة العموم لا يفسق فإذا انعقد الإجماع عليه فسق مانعه ومخالفه.