مسألة: القياس الشرعى يجوز التعبد به وإثبات الاحكام به عقلا وشرعا

25 paragraphs · vol. 2, p. 367

  1. نص عليه صريحا في مواضع عدة وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وقال قوم لا يجوز ذلك منهم داود الأصفهاني والنهراوني والمعرى والقاشاني والامامية والزيدية من الشيعة ثم اختلفوا فمنهم من قال لم يقم دليل من الشرع بجواز ذلك ومنهم من قال بل قام دليل المنع منه وقد قال أحمد في رواية الميموني يجتنب المتكم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس وهذا محمول: "وقد حمله القاضي وابن عقيل" على القياس في معارضة السنة وقد صرح بذلك في رواية أبي الحارث فقال ما تصنع بالرأى والقياس وفي الحديث ما يغنيك عنه وقال في رواية الميموني سألت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورة وأعجبه ذلك وذهب قوم من المعتزلة البغداديين إلى جواز التعبد به شرعا لا عقلا هكذا في كتب أصحابنا وكان صوابه أنه لا يمتنع شرعا والذي حكاه ابن عقيل عن منكري القياس من المعتزلة البغداديين مثل النظام والجعفرين٢

    vol. 2, p. 368والإسكافي والشيعة قالوا أنه محال من جهة العقل وردوا التعبد بالقياس في الأحكام وقد ورد الشرع بحظره ومنعه وذهب داود وابنه ومن صار إلى قولهما أنه قد كان جائزا من جهة العقل ورود التعبد به لكن لم يرد بذلك شرع وإنما ورد بحظره ومنعه ١ [مثل أبي يحيى الاسكافي وجعفر ابن مبشر وجعفر بن حرب والنظام وحكاه القاضي والحلواني وكذلك حكى أبو الخطاب عن هؤلاء إلا النظام على ماسيأتي وذهبت الزيدية إلى المنع منه عقلا وشرعا وكذلك صرح به أبو الخطاب عن النظام وداود وأهل الظاهر كالقاشاني والمعري والنهرواني وغيرهما قال وقد أومأ إليه أحمد فقال يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس وقد تأوله شيخنا على استعمال القياس مع وجود السنة والظاهر خلافه] وحكى ابن عقيل عن المحيلين له عقلا وشرعا في وجه الاحالة العقلية تعذر معرفة الاحكام من جهته لانها مبنية على المصالح التي لا يعلمها إلا الله والعلل الشرعية فاسدة يستحيل أن تكون علما وقيل لأنه يؤدى إلى تضاد الاحكام وهو ممتنع وقيل لأنه اقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما وهو النص.

    vol. 2, p. 367
  2. وترتيب هذه الاقوال أنه اما أن لا يكون دليلا ولا أمارة على حكم الله وهو وإن دل [فيدل٢ دلالة متعارضة لمشابهة الحادث لأصلين على السواء أو أنه وإن دل] ٢ فلا معارض٣ مقاوم فهو بيان ضعيف مع القدرة على البيان القوى.

  3. قلت المانعون سمعا اما أن يقولوا نصوص الكتاب والسنة قد نفت وأثبتت فلا أثر للقياس كما يقوله ابن حزم وغيره أو يقولوا بل حرمت القول بالقياس أو يقولوا بقول المعصوم وادعى ابن عقيل التواتر المعنوي عن الصحابة في مسألة القياس فهى قطعية قال على أن أصول الفقه لا تطلب لها القطعيات٤

    vol. 2, p. 369لأنها إلى الأحكام اقرب وعن أصول الدين أبعد ولهذا لا نفسق المخالف فيها ولا نبدعه.

  4. [شيخنا] فصل١:
  5. اتباع القياس وجب بالشرع عند القائلين به وهل يجب بالعقل قال أبو الخطاب ثبت بالعقل أيضا وبالنقل.

  6. قال ابن عقيل واختلف المحيلون لورود التعبد به من جهة العقل في وجه احالة ذلك وعلته فقال بعضهم إنما استحال ذلك لأنه لا يمكن معرفة الاحكام من جهته لأنها مبنية على المصالح التي لا تدرك به ولا بأمارة مؤدية٢ إلى غلبة الظن وقال بعضهم لأن في القول به ما يقتضى وجوب الحكم بالمضاد٣ الممتنع وقال بعضهم لأنه اقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما وهو النص وذلك محال في صفته وحكمته.

  7. قلت الأولون تارة يقولون لا يفيد غلبة الظن وتارة يقولون غلبة الظن لا تعرف الحكم.

  8. فصل: في حد القياس الشرعى

    زيف الفخر إسماعيل حد ابن الباقلاني الذي يقول فيه حمل معلوم على معلوم.

  9. فصل:
  10. هل يجوز الحكم بالقياس قبل الطلب التام للنصوص [١هذه المسألة لها ثلاث صور أحداها الحكم به قبل طلبه من النصوص المعروفة١] وهذا لا يجوز بلا تردد الثانية الحكم به قبل طلب نصوص لا يعرفها مع رجاء الوجود لو طلبها فهذه طريقة الحنفية يقتضي جوازه ومذهب الشافعي وأحمد وفقهاء الحديث أمه لا يجوز ولهذا جعلوا القياس بمنزلة التيمم وهم لا يجيزون التيمم إلا إذا غلب على الظن عدم الماء [فكذا النص] وهو معنى قول أحمد ما تصنع بالقياس وفى الحديث ما يغنيك عنه وهذه المسألة هى الام في الفرق بين أهل الحديث وأهل الرأى لكن يتفاوت أهل الحديث في طلب النصوص وطلب الحكم منها وهذه المسألة تشبه جواز الاجتهاد بحضور النبي صلى الله عليه وسلم وفيها لاصحابنا وجهان مع أن قول الحنفية هناك انه لا يجوز لكن قد يقولون وجود النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة وجود النص الثالثة إذا أيس٢ من الظفر بنص بحيث يغلب على ظنه عدمه فهنا يجوز بلا تردد.

  11. [شيخنا] فصل:
  12. قال أبو الخطاب القياس مأمور به بمعنى أن الله بعثنا عليه بالادلة وبمعنى أنه مأمور به بصيغة أفعل وهو دين أيضا وقال أبو الهذيل العلاف لا يطلق عليه اسم الدين.

  13. [شيخنا] فصل:
  14. ذكر ابن عقيل هل الأصل في القياس الشرعى النص أو حكم النص وأيهما يقع الإستناد٣ إليه اختلف أهل الأصول في ذلك فقال قوم الأصل النص

    vol. 2, p. 371والنطق وقال قوم الحكم قال ابن عقيل والذي أختاره أن الاقرب هو المستند والاصل هو حكم النص وعلته.

  15. قلت الأصل في القياس يقع على النص وعلى الحكم وعلى العلة وعلى المحل والمحل قد يكون العقل وقد يكون العين.

  16. [شيخنا] فصل:
  17. قال أبو الخطاب من نزلت به حادثة وكان فيها قاضيا أو مفتيا أو مجتهدا لنفسه وضاق عليه الوقت وجب عليه أن يقيس وينظر وإذا لم يضق عليه الوقت استحب له ذلك والواجب والمستحب من الدين.

  18. قلت هذه مسألة كبيرة وقد نص أحمد على وجوبه على الإمام والحاكم وهى متعلقة بالإجتهاد في المسائل قبل١ حدوثها وفيه عن الصحابة آثار معروفة.

  19. [شيخنا] فصل:
  20. الكلام في القياس في صحته ودلالته ثم في وجوب أتباعه واعتقاد مدلوله فإن الكلام في كون الشىء يفيد الإعتقاد علما أو ظنا غير الكلام في الاستدلال به واعتقاد موجبه ثم اما أن يقال كلاهما ثبت بالشرع فقط أو بالعقل أيضا أو أحدهما بأحدهما فالاول قول ابن عقيل إن صحته ووجوب العمل به إنما ثبت بالشرع فقط وهذا قول المعممة في التصويب٢ إذ ليس للادلة عندهم صفة تدل بها في الظنيات والثاني وهو أن يقال كلاهما ثبت بالعقل فهذا قد يقوله من يقول بالإجاب العقلي وأما الثالث وهو أن صحته ودلالته قد تعلم بالعقل ثم تعلم بالسمع أو ما ظهر به وجب اتباعه فهذا أشبه بقول أكثر أصحابنا الذين يجعلون

    vol. 2, p. 372المصيب واحدا ولا ايجاب إلا بالشرع فانا نعلم بعقولنا أن النظر في علة الأصل وما دل عليها يغلب على الظن أن الفرع عند الشارع بمنزلتها بعل بعض الأحيان يكون الظني اضطراريا [كما يكون العلم اضطراريا] ثم نعلم بالسمع أن مثل هذا يعتقد به الحكم كما أن ظهور صدق العدل المخبر والشاهدين يعلم بالعقل ثم كون هذا التصديق موجبا للعمل يعلم بالسمع فإن العقل قد يعرف الادلة ويعلم بالنظر فيها حصول اعتقاده كما قيل في معرفة الله تعالى ثم وجوب النظر والاعتقاد سمعي ثم قد يقال هنا قد دلت الادلة الشرعية العامة أن ما ظهر من أحكام الله ورسوله وجب اتباعه عموما فانه إذا استفدنا بالنظر فيها اعتقادا قويا أن هذا حكم الله من غير معارض مقاوم فقد علم بالادلة السمعية وجوب اتباع مثل ذلك وعلى هذا فالقول في القياس الشرعى كالقول في القياس العقلى وحصول الإعتقاد به لا يتوقف على ما يدل من جهة الشرع على صحة القياس وأما وجوب النظر فيه أو الإعتقاد به فبالشرع وعلى قول ابن عقيل فالعلل الشرعية أمارات مجعولة١ لمن يقيس الحكم لصفة هو عليها وقد صرح بذلك في غير موضع وأما على القول الأول٢ فانها لصفات هى عليها.

  21. قال القاضي في كتاب القولين القياس الشرعي قد نص أحمد في مواضع على أنه حجة تعلق الاحكام عليه فقال في رواية محمد بن الحكم لا يستغنى أحد عن القياس وعلى الإمام والحاكم يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس ويقيس [وكذلك٣ نقل الحسين بن حسان القياس هو أن يقيس٣] على أصل إذا كان مثله في كل أحواله وكذلك نقل أحمد بن القاسم لا يجوز بيع الحديد والرصاص متفاضلا قياسا على الذهب والفضة قال وحكى شيخنا أبو عبد الله أن

    vol. 2, p. 373من أصحابنا من قال ليس بحجة قال لأن أحمد قال في رواية الميموني يجتنب المتكلم في الفقه هاتين الخصلتين المجمل والقياس وكذلك نقل أبو الحارث عنه وقد ذكر أهل الرأى وردهم للحديث فقال ما تصنع بالرأى والقياس وفى الأثر ما يغنيك عنه وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة وإنما يدل على أنه لا يجوز استعماله مع النص ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة وليس هذا بمذهب فيشتغل بتوجيهه١.

  22. قلت بل هو مذهب من يقدم خبر الواحد على القياس فهذا القاضي جعل في اتباع الظواهر من غير اتباع دلالته روايتين ولم يجعل في القياس خلافا وابن حامد وأبو الخطاب وغيرهما بالعكس فيصير في الظواهر والمعاني أربعة أقوال.

  23. فصل:

    في معنى الفرع والاصل والعلة.

  24. فصل:
  25. الحكم الثابت في الفرع تارة يكون مثل حكم الأصل مطلقا فهذا ظاهر وتارة يثبت جنس حكم الأصل لا نوعه الخاص وتارة نوع الحكم لكن ثبوتا مطلقا لا عاما كالصلاة الثابت وجوب ذكر ما والمقصود إنما يتم بوجوب عين التسمية وأما الثاني والثالث فهو التعليل لجنس الحكم أو لجوازه الذي يقال فيه لا ينتقض بأعيان المسائل فهذه الاقيسة يستعملها القاضي وغيره ومن الناس من يمنعها ومن الناس من أثبت القياس لاثبات مطلق الحكم أو جوازه ومنع القياس الأول الذي اشتركا فيه في جنس الحكم وهو قول ابن الباقلاني وفى

    vol. 2, p. 374الروضة أن هذا القول أو الذي قبله وكذلك ذكر القاضي في الأصول المبطلة للقياس أن لا يتعدى حكم الأصل إلى الفرع ومثله بقول الحنفية: "يضم الذهب إلى الورق لانهما قيم المتلفات فوجب ضم أحدهما إلى الآخر كالصحاح والمكسرة والضم في الأصل بالاجزاء وفى الفرع بالقيمة عندهم ولا يجوز أن تثبت في الفرع غير حكم الأصل لأن علة الأصل تتعدى إلى الفرع فيتعدى بها الحكم المتعلق بها ثم لما نصر [جواز] قلب التسوية لقوله فوجب أن يستوى حكم الابتياع والاقرار كالمختار قال فعلى هذا يجوز قياس أصحاب أبي حنيف لانهما مالان من جنس الاثمان فوجب ضم أحدهما إلى الآخر كالصحاح والمكسرة ومن قال لا يصح هذا القلب لا يجيز هذا القياس لانهما ختلفان فصار له قولان والجواز قول الحنفية فيهما والمنع ذكره عن بعض أصحاب الشافعى.