مسألة: في المحكم والمتشابه
4 paragraphs · vol. 1, p. 161
- vol. 1, p. 161
ظاهر كلام حمد أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان لأنه قد قال في كتاب السنة: بيان ما ضلت فيه الزنادقة من المتشابه من القرآن ثم ذكر آيات١ تحتاج إلى بيان وقال في رواية ابن إبراهيم المحكم الذي ليس فيه اختلاف [وهو المستقل بنفسه] ٢ والمتشابه الذي يكون في [موضع كذا] وفي موضع كذا قال: ومعناه ٣ [ما ذكرنا لان قوله المحكم الذي ليس فيه اختلاف هو المستقل بنفسه وقوله المتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا معناه] ٣ الذي يحتاج إلى بيان فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا لحصور الاختلاف في تأويله قال: وذلك نحو قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ٤ لأن القرء من الأسماء المشتركة تارة يعبر به عن الحيض وتارة عن الطهر ونحو قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ٥ وهذا قول عامة الفقهاء وكان قد كتب في
vol. 1, p. 162العتق ولهم عن هذا عبارات منهم من يقول المحكم ما خلص لفظه عن الإشكال وعرى [معناه] عن الاشتباه١ والمتشابه ما لم يخلص لفظه عن الإشكال ولا عرى معناه عن الاشتباه ومنهم من قال: المحكم ما تأويله تنزيله ولفظه دليله والمعنى متقارب٢ وقال قوم المحكم هو الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد والمتشابه ما كان من ذكر القصص والأمثال لأن المحكم ما استفيد الحكم منه والمتشابه مالا يفيد حكما.
-
قلت لكن يفيد الدليل.
-
ومنهم من قال: المحكم ما وصلت حروفه والمتشابه ما فصلت حروفه وتفصيلها أن ينطق بكل حرف كالكلمة كما في أوائل السور لأن المحكم ما عرف معناه والمشابه مالا يعقل معناه ومنهم من قال: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ فإن المنسوخ لا يستفاد منه حكم.
قال شيخنا٣ قلت: لفظ النسخ فيه إجمال كأنهم أرادوا قوله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} ٤ ولكن القرآن كله محكم بهذا المعنى لقوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} ٥ وقال أبو الحسين عن أصحابه أن المحكم يستعمل على وجهين أحدهما أنه محكم الصيغة والفصاحة والآخر أنه لا يحتمل تأويلين متشابهين والمتشابه [أيضا] يستعمل على وجهين أحدهما أنه متشابه في الحكم والآخر يحتمل تأويلين مختلفين متشابهين احتمالا شديدا.
قال شيخنا أبو العباس٣ قلت: التشابه الذي هو الاختلاف يعود إلى اللفظ تارة كالمشترك مثلا وإلى المعنى أخرى بأن يكون قد أثبت تارة ونفي أخرى كما في قوله: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} ٦ مع قوله: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} ٧
vol. 1, p. 163ونحو ذلك من المتشابه الذي تكلم عليه [ابن عباس] في مسائل نافع بن الأزرق وتكلم عليه أحمد وغيره فالأول كالوقف لعدم الدليل بمنزلة من ليس له ذكر ولا قيل والثاني كالوقف لتعارض الدليلين بمنزلة الخنثى الذي له فرجان وما كان لعدم الدليل فتارة لأن اللفظ يراد به هذا تارة وهذا تارة كالمشترك وتارة لأن اللفظ لا دلالة له على القدر المميز بحال كالمتواطئ في مثل قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ١ وقوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} ٢ ونحو ذلك من المجملات ففي الأول دل اللفظ على أحدهما لا بعينه وفي الثاني دل على المشترك بينهما من غير دلالة على أحدهما بحال وفي كلام أحمد ومن قبله على التشابه ببيان معناه أو إزالة التعارض والاختلاف عنه ما يدل على أن التأويل الذي اختص الله به غير بيان المعنى الذي أفهمه خلقه فما كان مشتبها لتنافي الخطابين أو الدليلين في الظاهر فلا بد من التوفيق بينهما كما فعل أحمد وغيره وما كان مشتبها لعدم الدلالة على التعيين فقد نعلم التعيين أيضا لأنه مراد بالخطاب وما أريد بالخطاب يجوز فهمه وما كان مشتبها لعدم الدلالة٣ على القدر المميز كما في صفات الله تعالى فهنا دال القدر المميز ما دل الخطاب عليه وهو تأويل الخطاب لأن تأويل الخطاب لا يجب أن يكون مدلولا عليه به ولا مفهوما منه إذ هو الحقيقة الخارجة ومتى دل عليها ببعض أحوالها لا يجب أن يكون قد بين جميع أحوالها فذاك هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ومنه أيضا مواقيت الوعيد فإن الخطاب لم يبينها ولا يفهم منه وهو من التأويل الذي انفرد الله بعلمه فتدبر هذا فإنه نافع جدا في هذه المجازات فكل ما دل عليه الخطاب يفهم في الجملة ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويله وما لم يدل عليه قد لا يفهم ولا يعلم وإن كان تأويلا له وفرق بين أن يدل على معين
vol. 1, p. 164ثم يبينه وبين أن لا يدل على خصوصه بحال مع أن المشترك والمتواطئ متقاربان في هذا الموضع وعلى هذا سبب نزول الآية في تأويل النصارى صيغ الجمع على أن الآلهة ثلاثة فهو تأويل في أسماء الله المضمرات وهو نظير مذهب المشبهة كما أن رد المشركين لاسم الرحمن الحاد في أسمائه الظاهرة نظير مذهب الجهمية المعطلة وتأويل اليهود في حروف المعجم أنها دلالة على مقادير أزمنة الحوادث من حيث أن اللفظ فيه اشتراك ولم يبين أحد معانيه والتأويل المذموم لا يعدو ما فعله هؤلاء في الإيمان بالله واليوم الآخر بخلاف التأويل العملي وبخلاف البيان الذي يفسر المراد بالخطاب من غير تعيين تأويله.
-
وتحرير هذا ببيان أن لفظ التأويل في الكتاب والسنة غير التأويل في ألفاظ المتأخرين وأن بينهما عموما وخصوصا إذ ذاك التأويل هو مالا يدل عليه اللفظ وهذا التأويل هو ما يدل اللفظ على خلافة والتأويل عند الأولين غير مدلول اللفظ والعين لا تعلم بنفس الخطاب وقد كتبت هذا في غير هذا الموضع١.