مسألة: الزيادة على النص ليست نسخا
6 paragraphs · vol. 1, p. 207
- vol. 1, p. 207
عند أصحابنا والمالكية والشافعية١ والجبائي وابنه أبي هاشم وقالت الحنفية منهم الكرخي وأبو عبد الله البصري
vol. 1, p. 208وغيرهما هي نسخ وقالت الأشعرية وابن نصر المالكي والباجي متابعة منهم لابن الباقلاني إن غيرت حكم المزيد عليه كجعل الصلاة ذات الركعتين أربعا فهو نسخ وإن لم تغيره كزيادة عدد الجلد وإضافة الرجم إلى الجلد فليس بنسخ ولم يحك أبو الطيب هذا القول إلا عن أبي بكر الأشعري يعنى ابن الباقلاني وحكى ابن برهان هذا عن عبد الجبار بن أحمد وحكى مذهبا آخر.
قال شيخنا١ قلت: التحقيق في مسألة الزيادة على النص زيادة إيجاب أو تحريم أو إباحة أن الزيادة ليست نسخا إذا رفعت موجب الاستصحاب أو المفهوم الذي لم يثبت حكمه إلا بمعنى النسخ العام الذي يدخل فيه التخصيص ومخالفة الاستصحاب ونحوهما وذلك يجوز بخبر الواحد والقياس وأما إن رفعت موجب الخطاب فهو نسخ [بمعنى] النسخ المشهور في عرف المتأخرين إن كان ذلك الموجب قد ثبت أنه مراد [بالخطاب وأما إذا لم يثبت أنه مراد إما مع] ٢ تأخر المفسر عند من يجوز تأخره أو مع جواز تأخره عند من يوجب الاقتران فإنه كتخصيص العموم مثال الأول ضم النفي إلى الجلد ونحو ذلك فإنه إنما رفع الاستصحاب والمفهوم ولم يرفع موجب الخطاب المنطوق فالزيادة على النص بمنزلة تخصيص العموم وتقييد المطلق ومثال الثاني لو أوجب النفي في حد القاذف وكذا التفسيق ورد الشهادة متعلقا بالجلد كما يقوله الحنفية فإن بعد هذا لو أوجب النفي وجعل التفسيق ورد الشهادة متعلقا بهما فقد قال الغزالي وأبو محمد: انه لا يكون نسخا لأن ذلك تابع للجلد لا مقصود فأشبه نسخ عدة الحول إلى أربعة أشهر وعشر فإن ذلك نسخ لوجوب العدة لا لتحريم نكاح الأزواج وهكذا قال: والصواب أن نسخ العدة لكلا الحكمين نسخ لا يجاب الزيادة٣ ولتحريم نكاح الأزواج
vol. 1, p. 209فهو نسخ لبعض موجب الخطاب الذي أريد وإبقاء لبعضه وهو كتخصيص العموم الذي استقر وأبد١ كآية اللعان ونحوها وكذلك على هذا إذا كانت الزيادة شرطا في صحة المزيد بحيث يكون وجود المزيد كعدمه بدون الزيادة كزيادة ركعتين في صلاة الحضر وزيادة الأركان والشروط في العبادات فإن من قال: هذا نسخ قال: لأن الخطاب الأول اقتضى الصحة والأجزاء مع الوجوب وقد ارتفع بالزيادة الصحة والأجزاء وقد أجاب أبو محمد عن هذا بأن النسخ رفع جميع موجب الخطاب لا رفع بعضه إذ رفع بعضه كتخصيص العموم وترك المفهوم وبأنه لو كان نسخا فإنما يكون [٢إذا استقر وثبت ومن المحتمل أن دليل الزيادة كان] مقارنا والتحقيق أن الكلام في مقامين أحدهما أن الصحة والأجزاء من مدلول الخطاب فقط أم من مدلول العقل والثاني أنه إذا كان من مدلول الخطاب فرفع بعضه هو كتخصيص العموم٣ يفرق فيه بين ما ثبت أنه مراد وما لم يثبت أنه مراد فإن مسألة الزيادة على النص إذا رفعت بعض موجب الخطاب [هي] بمنزلة تخصيص العموم فالزيادة على الخطاب بالتقييد كالنقص منه بالتخصيص وهذه المسألة هي بعينها مسألة تقييد المطلق فإن ذلك زيادة في اللفظ ونقص في المعنى كالزيادة في الحد فإنها نقص في المحدود والتخصيص زيادة خطاب تنقص الخطاب الأول فنقول أما المقام الأول فإن الصحة حصول المقصود والأجزاء حصول الامتثال وهذا يستفاد من معرفة المقصود والأمر وهو إنما يعلم بالعقل مع الاستصحاب فإنه لا بد أن يقال لم يؤمر إلا بهذا وقد امتثل وليس المقصود إلا هذا وقد حصل فالعلم بالمثبت من جهة الخطاب وبالمنفي من جهة الاستصحاب والمفهوم فإذا أوجب زيادة رفعت موجب الاستصحاب والمفهوم وإذا جعلها
vol. 1, p. 210شرطا رفعت الحكم المركب من السمع والعقل فلم ترفع حكما سمعيا بل إنما رفعت ما ثبت بالاستصحاب والمفهوم فإنه بهما تثبت الصحة والأجزاء لا بنفس الخطاب فلا يكون رفعه نسخا هذا هو الجواب المحقق دون ما ذكره أبو محمد.
-
المقام الثاني أنه لو رفع بعض موجب الخطاب فإن ثبت أنه مراد كما لو ثبت أن الأمر للوجوب ثم نسخ إلى الندب أو للعموم ثم خصص أو لمطلق المعنى ثم قيد فهذا نسخ وإن لم يثبت أنه مراد لم يكن نسخا وتراخى المخصص والمقيد لا يوجب أن يكون مرادا في ظاهر المذهب وفي الرواية الأخرى يوجب أن يكون مرادا فإذا قيل استقرار العموم والمفهوم إن عنى به انفصال الصارف١ ففيه الروايتان وإن عنى به استقرار حكمه فهذا لا ينبغي أن يكون فيه خلاف مع أن كلام أبي محمد يقتضي خلاف ذلك.
-
فقد تحرر أن الزيادة تارة ترفع موجب الاستصحاب وتارة ترفع موجب المفهوم وتارة ترفع موجب الإطلاق والعموم وفي هذين الموضعين تارة يكون قد ثبت أن المتكلم أراد مقتضى المفهوم أو الإطلاق والعموم وتارة لم يثبت أنه أراده فمتى لم يثبت أنه أراده فهو كتخصيص العموم وأما إن ثبت أنه أراده فهو بمنزلة الاستصحاب الذي قرره السمع رفعه يكون نسخا لكن ذلك لا لأنه مجرد زيادة على النص لكن لمعنى آخر فالصواب ما أطلقه الأصحاب من أن الزيادة على النص ليست نسخا بحال والقول فيها كالقول في تخصيص العموم وتقييد المطلق سواء وأيضا فالزيادة تارة تكون في الحكم فقط وتارة في الفعل فالأول مثل أنه أباح الجهاد أولا ثم أوجبه أو يندب إلى الشيء ثم يوجبه فهنا زاد الحكم من غير أن يرفع الحكم الأول وإنما رفع موجب الاستصحاب والمفهوم إلا أن يكون الخطاب الأول قد نفي الوجوب.
- vol. 1, p. 211
ثم الخطاب إذا دل على عدم الإيجاب وعدم التحريم فهو مثل النصوص الواردة في الخمر قبل التحريم هل هو نسخ فيه خلاف قال أبو محمد: هو نسخ والأشبه أنه ليس بنسخ لأنه لم ينف الحرج ولم يؤذن في الفعل وإذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل إلى حين النسخ والإقرار المستقر حجة وأما غير المستقر فبمنزلة الاستصحاب المرفوع فلو فعل المسلمون شيئا مدة١ فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخا وإن كان الإقرار [على الشيء] حجة شرعية لأن الإقرار إنما يكون حجة إذا لم ينهوا عنه بحال فمتى نهو عنه [فيما بعد زال] شرط كونه حجة وقد يقال هو نسخ٢.
-
[شيخنا] فصل:٣
قال القاضي واحتج بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخا لدليل الخطاب يجب أن يكون نسخا للمزيد عليه وبيانه أنه إذا أمر الله أن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة كان ذلك نسخا لدليل الخطاب لأن قوله: اجلدوا مائة دليله لا تجلدوا أكثر منها وهذا كما قالت الصحابة والتابعون إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء" منسوخ وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه دون حكم النطق فقال القاضي والجواب أن الفرق بينهما ظاهر وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه وهو بعد الزيادة كهو قبلها وليس كذلك دليل الخطاب فإنه قد زال لأن تقديره لا تزيدوا على المائة وقد أوجب الزيادة عليها فصار المنع من الزيادة منسوخا قال: وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم قال
vol. 1, p. 212لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد قال القاضي: والصحيح أنه نسخ لأن العموم إذا استقر [بتأخير بيان التخصيص] ١ كان ما يرد بعده مما يوجب تركه٢ نسخا وكذلك [دليل الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا] ٣ وكذلك ذكر أبو محمد أنه لو ثبت حكم المفهوم واستقر بتراخي البيان يكون نسخا.
قال شيخنا٤ قلت: هذا ينبني على جواز تأخير البيان إن لم نجوزه فالتراخي يقتضي الاستقرار وإن جوزناه فالتراخي لا يقتضي الاستقرار.
-
فصل: في تمام مسألة الزيادة
حكى أبو الخطاب عن عبد الجبار بن أحمد كما ذكرنا وحكى مذهبا رابعا عن أبي الحسين البصري أن الزيادة إن أزالت حكما ثبت بالعقل كإيجاب التغريب لم يكن نسخا وإن أزالت حكما ثبت بالشرع فهو نسخ وذكر أبو حاتم في اللامع أن بعض أصحاب الشافعي قال: إن أسقطت دليل الخطاب كانت نسخا وإن بقى موجب النص كما في قوله: "الماء من الماء" مع قوله: "إذا قعد بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل" وإلا فلا وذكر عن بعض الحنفية أنه قال: إن منعت إجزاء المزيد عليه وحده كانت نسخا وإلا فلا.