فصل: في كيفية الرواية
39 paragraphs · vol. 1, p. 349
- وهي على أربع مراتب:
-
أعلاها: قراءة الشيخ عليه في معرض الإخبار ليروي عنه.
-
وذلك يسلّط الراوي أن يقول: حدثني، وأخبرني، وقال فلان، وسمعته يقول.
-
الثانية: أن يقرأ على الشيخ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوز الرواية به، خلافًا لبعض أهل الظاهر.
-
ولنا: أنه لو لم يكن صحيحًا لم يسكت.
-
نعم لو كان ثَمَّ مخيلة٢ إكراه، أو غفلة لا يكتفى بسكوته.
-
وهذا يسلط الراوي على أن يقول: أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه.
- وهل يجوز أن يقول: أخبرنا، أوحدثنا؟ على روايتين٣:
-
إحداهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يقول: سمعت من فلان.
-
والأخرى: يجوز. وهو قول أكثر الفقهاء٤.
-
لأنه إذا أقر به كقوله: نعم. والجواب بنعم كالخبر، بدليل ثبوت أحكام الإقرار به.
-
ولذلك يقول: أشهدني على نفسه٥.
- vol. 1, p. 350
وكذلك إذا قال الشيخ: أخبرنا، أو حدثنا، هل يجوز للراوي عنه إبدال إحدى اللفظتين بالأخرى؟
-
على روايتين:
وهل يجوز أن يقول سمعت فلانًا؟
-
فقد قيل: لا يجوز؛ لأنه يشعر بالنطق، وذلك كذب، إلا إذا علم بصريح قوله أو بقرينة أنه يريد القراءة على الشيخ.
- الثالثة: الإجازة:
-
وهي أن يقول: أجزت لك ان تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي١.
- الرابعة: المناولة:
-
وهي أن يقول: خذ هذا الكتاب فاروه عني.
-
فهو كالإجازة؛ لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يغني، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوزالرواية به، فيقول حدثني، أو أخبرني إجازة.
-
فإن لم يقل: "إجازة" لم يجز.
-
وجوَّزه قوم. وهو فاسد؛ لأنه يشعر بسماعه منه، وهو كذب.
-
وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف١: أنه لا يجوز الرواية بالمناولة والإجازة، وليس بصحيح؛ لأن المقصود: معرفة صحة الخبر، لا عين الطريق٢.
-
وقوله: "هذا الكتاب مسموعي، فاروه عني" -في التعريف- كقراءته والقراءة عليه.
-
وأما إن قال: "سماعي" ولم يقل: "اروه عني" فلا تجوز الرواية
vol. 1, p. 352عنه؛ لأنه لم يأذن، فلعله لا يجوّز الرواية، لخلل يعرفه.
-
وكذا لو قال: "عندي شهادة" لا يشهد بها ما لم يقل "أذنت لك أن تشهد على شهادتي" .
-
فالرواية شهادة، والإنسان قد يتساهل في الكلام، لكن عند الجزم بها١ يتوقف٢.
-
وكذلك لو وجد شيئًا مكتوبًا بخطه: لا يرويه عنه.
-
لكن يجوز أن يقول: "وجدت بخط فلان" .
-
أما إذا قال العدل: "هذه نسخة من صحيح البخاري" ٣ فليس له أن يروي عنه.
- vol. 1, p. 353
وهل يلزم العمل به؟
-
فقيل: إن كان مقلدًا: فليس له العمل به؛ لأن فرضه تقليد المجتهد١.
-
وإن كان مجتهدًا: لزمه٢؛ لأن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حاملها بصحتها، دون أن يسمعها كل واحد منه، فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن.
-
وقيل: لا يجوز العمل بما لم يسمعه٣. والله أعلم.
-
فصل: إذا وجد سماعه بخط يوثق به، جاز له أن يرويه وإن لم يذكر سماعه، إذا غلب على ظنه أنه سمعه. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، قياسًا على الشهادة.
-
ولنا: ما ذكرنا من اعتماد الصحابة على كتب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
- vol. 1, p. 354
ولأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته، بناء على دليل، وقد وجد ذلك.
-
والشهادة لا نسلمها على إحدى الروايتين.
-
وعلى الأخرى: الشهادة آكد؛ لما علم بينهما من الفروق. والله أعلم١.