فصل: في تعارض الأدلة

36 paragraphs · vol. 2, p. 366

  1. إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح أحدهما: وجب عليه التوقف، ولم يكن له الحكم بأحدهما، ولا التخيير فيهما.

    vol. 2, p. 366
  2. وبه قال أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية.

    وقال بعضهم وبعض الحنفية: يكون المجتهد مخيرًا في الأخذ بأيهما شاء؛ لأنه لا يخلو:

    إما أن يعمل بالدليلين

    أو يسقطهما.

  3. أو يتحكم بتعيين أحدهما.

    vol. 2, p. 367
  4. أو يتخير فيهما.

  5. لا سبيل إلى الجمع بينهما، عملًا وإسقاطًا؛ لأنه متناقض، ولا إلى التوقف إلى غير غاية، فإن فيه تعطيلًا، وربما لم يقبل الحكم التأخير.

  6. ولا سبيل إلى التحكم.

  7. لم يبق إلا التخيير، والتخيير بين الحكمين مما ورد به الشرع في العامّي، إذا أفتاه مجتهدان، وفي خصال الكفارة١، والتوجه إلى أي جدران الكعبة شاء لمن دخلها.

  8. والتخيير في زكاة مائتين من الإبل بين الحقاق وبنات اللبون ٢. وأمثال ذلك.

  9. فإن قلتم: التخيير بين التحريم ونقيضه، والإيجاب وعكسه، يرفع التحريم والإيجاب.

  10. قلنا:
  11. إنما يناقض الإيجاب: جواز الترك مطلقًا، أما جوازه بشرط فلا،

    vol. 2, p. 368بدليل الواجب الموسع، يجوز تركه بشرط١.

  12. والركعتان الأخيرتان في الرباعية من المسافر، يجوز تركهما بشرط قصد القصر. كذا هاهنا: يجوز ترك الواجب بشرط قصد الدليل المسقط له.

    وإذا سمع قوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ٢: حرم عليه الجمع "بين المملوكتين" ٣، وإنما يجوز له الجمع إذا قصد الدليل الثاني، وهو قوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... } ٤ كما قال عثمان: "أحلتهما آية وحرمتهما آية" .

  13. ولنا:
  14. أن التخيير: جمع بين النقيضين، واطّراح لكلا الدليلين، وكلاهما باطل.

  15. أما بيان اطّراح الدليلين: فإذا تعارض الموجَب والمحرَّم فيصير على التخيير المطلق، وهو حكم ثالث غير الدليلين معًا، فيكون اطّراحًا لهما، وتركًا لموجبهما.

  16. وأما الجمع بين النقيضين: فإن المباح نقيض المحرَّم، فإذا تعارض المبيح والمحرِّم، فخيرناه بين كونه محرَّمًا يأثم بفعله، وبين كونه مباحًا لا إثم على فاعله: كان جمعًا بينهما، وذلك محال.

  17. ولأن في التخيير بين الموجِب والمبيح رفعًا للإيجاب، فيصير عملًا بالدليل المبيح عينًا، وهو تحكم، قد سلموا بطلانه١.

  18. قولهم٢: "إنما جاز بشرط القصد" .

  19. قلنا:

    فقبل أن يقصد العمل بأحدهما: ما حكمه؟

  20. إن قلتم: حكمه الوجوب والإباحة معًا، والتحريم والحل معًا، فقد جمعتم بين النقيضين.

  21. وإن قلتم: حكمه التخيير، فقد نفيتم الوجوب قبل القصد، واطّرحتم دليله، وأثبتم حكم الإباحة من غير شرط.

  22. وإن قلتم: لا حكم له قبل القصد، وإنما يصير له بالقصد حكم.

  23. فهذا إثبات حكم بمجرد الشهوة، والاختيار من غير دليل؛ فإن

    vol. 2, p. 370الدليلين وجدا، فلم يثبت لهما حكم، وثبت بمجرد شهوته وقصده بلا دليل، وهذا باطل.

  24. قولهم: "إن التوقف لا سبيل إليه" .

  25. قلنا:
  26. نلزمك ما إذا لم يجد المجتهد دليلًا في المسألة، والعامّي إذا لم يجد مفتيًا، فماذا يصنع؟

  27. وهل ثَمَّ طريق إلا التوقف في المسألة؟

  28. ثم لا نسلم تصور خلوِّ المسألة عن دليل؛ فإن الله تعالى – كلّفنا حكمه، ولا سبيل إليه إلا بدليل.

  29. فلو لم يجعل له دليلًا كان تكليفًا لِمَا لا يطاق.

  30. فعند ذلك إذا تعارض دليلان، وتعذر الترجيح أسقطهما، وعدل إلى غيرهما، كالحاكم إذا تعارضت عنده بينتان.

  31. أما العامّي:

    فقد قيل: يجتهد في أعيان المفتين، فيقلد أعلمهما وأدينهما. وهو ظاهر قول الخرقي١؛ لأنه قال في الأعمى إذا كان مع مجتهدَيْن في القبلة، قلّد أوثقهما في نفسه٢.

  32. وقيل٣: يخير فيهما.

  33. والفرق بينهما١: أن العامّي ليس عليه دليل، ولا هو متعبد باتباع موجب ظنه.

    vol. 2, p. 371
  34. بخلاف المجتهد؛ فإنه متعبد بذلك، ومع التعارض لا ظنّ له، فيجب عليه التوقف.

  35. ولهذا لا يحتاج العامّي إلى الترجيح بين المفتين على هذا الوجه، ولا يلزمه العمل بالراجح، بخلاف المجتهد.

  36. ولا ينكر التخيير في الشرع٢، لكن التخيير بين النقيضين ليس له في الشرع مجال، وهو في نفسه محال. والله أعلم.