فصل: في تقسيم الواجب باعتبار ذاته

12 paragraphs · vol. 1, p. 105

  1. والواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة.

    vol. 1, p. 105
  2. وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير.

  3. ولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا:
  4. أما العقل٢: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه

    vol. 1, p. 106صرح بنقيضه ولا دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الكل، ولا أنه أوجب واحدًا معينًا، لأنه صرح بالتخيير، فلم يبق إلا أنه أوجب واحدا لا بعينه.

  5. ولأنه لا يمتنع في العقل أن يتعلق الغرض بواحد غير معين، لكون كل واحد منهما وافيًا بالغرض حسب وفاء صاحبه، فيطلب منه قدر ما يفي بغرضه، والتعيين فضلة لا يتعلق بها الغرض، فلا يطلبه منه.

  6. وأما الشرع: فخصال الكفارة١، بل إعتاق الرقبة بالإضافة إلى إعتاق العبيد٢، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها، ولا سيبل إلى إيجاب الجميع، وأجمعت الأمة٣ على أن جميع خصال الكفارة غير واجب.

  7. فإن قيل١: إن كانت الخصال متساوية عند الله -تعالى- بالنسبة إلى صلاح العبد، ينبغي أن يوجب الجميع، تسوية بين المتساويات.

    vol. 1, p. 107
  8. وإن تميز بعضها بوصف ينبغي أن يكون هو الواجب عينًا.

  9. قلنا: ولمَ قلتم: إن للإفعال صفات في ذاتها لأجلها يوجبها الله -سبحانه- بل الإيجاب إليه، له أن يخصص من المتساويات واحدًا بالإيجاب، وله أن يوجب واحدًا غير معين. ويجعل مناط التكليف اختيار المكلف، ليسهل عليه الامتثال.

  10. جواب ثان٢: أن التساوي يمنع التعيين؛ لكونه عبثًا، وحصول المصلحة بواحد يمنع من إيجاب الزائد، لكونه إضرارًا مجردًا حصلت المصلحة بدونه، فيكون الواجب واحدًا غير معين.

  11. فإن قيل٣: فالله -سبحانه- يعلم ما يتعلق به الإيجاب، ويعلم ما يتأدى به الواجب، فيكون معينًا في علم الله -سبحانه-.

  12. قلنا: الله -سبحانه- إذا أوجب واحدًا لا بعينه علمه على ما هو عليه من نعته، ونعتُه أنه غير معين، فيعلمه كذلك، ويعلم أنه يتعين بفعل المكلف ما لم يكن متعينًا قبل فعله، والله أعلم.