فصل: شروط الفعل المكلف به
19 paragraphs · vol. 1, p. 166
- vol. 1, p. 166
فأما الشروط المعتبرة للفعل المكلف به فثلاثة:
أحدهما: أن يكون معلومًا للمأمور به، حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة الله -تعالى- حتى يتصور منه قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب١.
- vol. 1, p. 167
الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود: فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به١.
-
الثالث: أن يكون ممكنًا، فإن كان محالًا، كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به٢.
- vol. 1, p. 168
.....................................................
vol. 1, p. 169وقال قوم: يجوز ذلك ١:
وبدليل قوله تعالى: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه} ٢. والمحال لا يسأل دفعه.
-
ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل ٣ لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه.
- vol. 1, p. 170
ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته، إذ ليس يستحيل أن يقول: {كُونُوا قِرَدَة} ١. {كُونُوا حِجَارَة} ٢.
-
وإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة، ومناقضة الحكمة: فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله -تعالى- محال؛ إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح.
-
ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد فالسفه من المخلوق ممكن.
-
ووجه استحالته٣.
-
قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ٤ و {لا نُكَلِّف
vol. 1, p. 171نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..} ١.
-
ولأن الأمر: استدعاء وطلب، والطلب يستدعي مطلوبًا، وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، ولو قال "أبجد هوّز" لم يكن ذلك تكليفا؛ لعدم عقل معناه.
-
ولو علم الأمر دون المأمور: به لم يكن تكليفا، إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشترط فهمه ليتصور منه الطاعة، إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاءً لم يكن أمرا، والمحال لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤه، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجر.
-
ولأن٢ الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه.
-
ولأننا٣ اشترطنا: أن يكون معدوما في الأعيان ليتصور الطاعة فيه، فلذلك يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، ليتصور إيجاده على وفقه.
-
ولأننا٤ اشترطنا كونه معلومًا ومعدومًا، وكون المكلف عاقلا فاهما؛ لاستحالة الامتثال بدونهما، فكون الشيء ممكنا في نفسه أولى أن يكون شرطا.
- vol. 1, p. 172
وقوله تعالى ١: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه} فقد قيل: المراد به: ما يثقل ويشق، بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه، كقوله تعالى: {اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم} ٢. وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المماليك: "لا تكلفوهم ما لا يطيقون" ٣.
-
وقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَة} تكون إظهارًا للقدرة٤.
- vol. 1, p. 173
وقوله تعالى: {كُونُوا حِجَارَة} تعجيز، وليس شيء من ذلك أمرا١.
-
وتكليف أبي جهل الإيمان غير محال؛ فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، وآلته تامة٢. ولكن علم الله -تعالى- منه أنه يترك ما يقدر عليه، حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه٣.