فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال
33 paragraphs · vol. 1, p. 236
- vol. 1, p. 236
...
-
وقد اعتاص١ هذا على٢ القدرية٢ حتى تعَسَّفوا٣ في تأويله من ستة أوجه:
أحدها: أنه كان منامًا.
-
الثاني: أنه لم يؤمر بالذبح، وإنما كُلِّف العزم على الفعل؛ لامتحان سرِّه في صبره.
-
الثالث: أنه لم ينسخ، لكن قلب الله عنقه نحاسا، فانقطع التكليف عنه لتعذره.
-
الرابع: أن المأمور به: الاضطجاع، ومقدمات الذبح، بدليل {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} .
-
الخامس: أنه ذبح امتثالًا، فالتأم الجرح واندمل، بدليل الآية٤.
-
السادس: أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال لا لفظ الماضي.
- vol. 1, p. 237
والجواب من وجهين:
أحدهما: يعم جميع ما ذكروه١.
- والثاني: أنا نفرد لكل وجه مما ذكروه بجواب:
-
أما الأول٢: فلو صح شيء من ذلك: لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاءً مبينًا في حقه.
- والجواب الثاني٢:
-
أما قولهم: "كان منامًا لا أصل له" .
-
قلنا: منامات الأنبياء -عليهم السلام- وحي٤، وكانوا يعرفون الله -تعالى- به.
-
ولو كان منامًا لا أصل له: لم يجز له قصد الذبح، والتل للجبين. ويدل على فساده: قول ولده -عليه السلام-: {افْعَلْ مَا تُؤْمَر} ولو لم يؤمر: كان ذلك كذبًا.
- والثاني: فاسد لوجهين:
- vol. 1, p. 238
أحدهما: أنه سماه ذبحًا بقوله {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} والعزم لا يسمى ذبحًا.
-
والآخر١: أن العزم لا يجب ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه، ولو لم يكن المعزوم عليه واجبًا، كان إبراهيم -عليه السلام- أحق بمعرفته من القدَرية.
-
والثالث: لا يصح عندهم؛ لأنه إذا علم الله أنه يقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه٢.
-
والرابع: فاسد؛ لكونه لا يسمى ذبحًا.
-
والخامس: فاسد؛ إذ لو صح كان من آياته الظاهرة، فلا يترك نقله، ولم ينقل، وإنما هو اختراع من القدرية٣.
-
ومعنى قوله: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا} أي: عملت عمل "مصدق بالرؤيا" ٤. والتصديق غير التحقيق والعمل٥.
-
وقولهم: "إنه أخبر أنه يؤمر به في المستقبل" ٦ فاسد؛ إذ لو أراد
vol. 1, p. 239ذلك: لوجد الأمر به في المستقبل؛ كيلا يكون خلفًا في الكلام.
-
وإنما عبر بالمستقبل عن الماضي، كما قال: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَان} ١، و {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ٢. أي: قد رأيت.
vol. 1, p. 240وقال الشاعر١:
وإذا تكونُ كريهةً أُدْعَى لَها ... وَإذَا يُحاس الحيسُ يُدعى جُندب
وقولهم: "إنه يفضي إلى أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا" فلا يمتنع أن يكون مأمورا من وجه، منهيا عنه من وجه آخر، كما يؤمر بالصلاة مع الطهارة وينهى عنها مع الحدث.
-
كذا ههنا: يجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر، فيقال: "افعل ما آمرك به، إن لم يزل حكم أمرنا عنك بالنهي" .
- فإن قيل:
-
فإذا علم الله -سبحانه- أنه سيُنهى عنه: فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعًا؟
-
قلنا: يصح إذا كان عاقبة الأمر ملتبسة على المأمور، لامتحانه
vol. 1, p. 241بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد، وربما يكون فيه لطيفة واستصلاح لخلقه.
-
ولهذا جوّزوا الوعد والوعيد بالشرط من العالم بعاقبة الأمور فقالوا: يجوز أن يَعِدَ الله -سبحانه- على الطاعة ثوابًا بشرط عدم ما يحبطها، وعلى المعصية عقابا بشرط عدم ما يكفرها من التوبة، والله -سبحانه- عالم بعاقبة أمره.
- جواب ثان:
-
أنه يجوز أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا في حالين؛ إذ ليس المأمور حسنًا في عينه لوصف هو عليه قبل الأمر به، ولا المأمور مرادًا ليتناقض ذلك.
-
وقولهم: "إن الكلام قديم، فيكون أمرًا بالشيء ونهيًا عنه في حال واحد" .
- vol. 1, p. 242
قلنا: يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، ولذلك اشترطنا التراخي في النسخ، ولو سمعهما في وقت واحد لم يجز.
-
فأما جبريل: فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين١؛ فيأمرهم بمسالمة الكفار مطلقًا، وباستقبال بيت المقدس، ثم ينهاهم عنه بعد ذلك. والله سبحانه أعلم.