فصل الواجب
60 paragraphs · vol. 1, p. 345
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 356
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ-الآيَةَ} ٥، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَجَبَ. وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا وَنُسِخَتْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ٦ بِالْوَصِيَّةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. فَلا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ٧.
-
"وَإِنْ كَنَّى الشَّارِعُ عَنْ عِبَادَةٍ بِبَعْضِ ٨ مَا فِيهَا" ٨" نَحْوِ٩ تَسْمِيَةِ الصَّلاةِ قُرْآنًا
vol. 1, p. 357فِي قَوْله١ تَعَالَى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} ٢، وَنَحْوِ ٣ التَّعْبِيرِ عَنْ الإِحْرَامِ بِالنُّسُكِ "٣ بِأَخْذِ الشَّعْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} ٤، " دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ " أَيْ فَرْضِ الْمُكَنَّى بِهِ عَنْ ٥ تِلْكَ الْعِبَادَةِ" ٥. فَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} عَلَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ٦ فِي الصَّلاةِ وَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} عَلَى فَرْضِيَّةِ الْحَلْقِ فِي الْحَجِّ، لأَنَّ الْعَرَبَ لا تُكَنِّي عَنْ الشَّيْءِ إلاَّ بِالأَخَصِّ بِهِ.
-
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: {وَسَبِّحْ٧ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} ٨ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاةِ. ذَكَرَهُ٩ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
-
"وَمَا لا يَتِمُّ الْوُجُوبُ١٠ إلاَّ بِهِ" سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ. كَاكْتِسَابِ الْمَالِ لِلْحَجِّ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ، كَحُضُورِ الإِمَامِ
vol. 1, p. 358الْجُمُعَةَ وَحُضُورِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرِطِ فِيهَا، لأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ "لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُطْلَقًا" ١ وَحُكِيَ إجْمَاعًا.
-
"وَمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ" إيجَابُهُ٢ "إلاَّ بِهِ وَهُوَ٣" أَيْ وَاَلَّذِي لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلاَّ بِهِ "مَقْدُورٌ لِمُكَلَّفٍ فَوَاجِبٌ، يُعَاقَبُ" الْمُكَلَّفُ "بِتَرْكِهِ، وَيُثَابُ٤ بِفِعْلِهِ" كَالْوَاجِبِ الأَصْلِيِّ٥.
- vol. 1, p. 359
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَلا يَخْلُو.
-
إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ جُزْءًا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ، كَالسُّجُودِ فِي الصَّلاةِ. فَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ، لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَمْرٌ١ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا.
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ. كَالسَّبَبِ٢ الشَّرْعِيِّ، وَالسَّبَبِ الْعَقْلِيِّ، وَالسَّبَبِ الْعَادِيِّ. وَكَالشَّرْطِ٣ الشَّرْعِيِّ، وَالشَّرْطِ٤ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْطِ٥ الْعَادِيِّ. فَهَذِهِ السِّتَّةُ مَحَلُّ الْخِلافِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ وُجُوبُهَا٦.
-
فَمِثَالُ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ: صِيغَةُ الْعِتْقِ في٧ الْوَاجِبِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا.
-
وَمِثَالُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ: الطَّهَارَةُ لِلصَّلاةِ وَنَحْوِهَا.
-
وَمِثَالُ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ: الصُّعُودُ إلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. فِيمَا إذَا وَجَبَ إلْقَاءُ الشَّيْءِ مِنْهُ.
- vol. 1, p. 360
وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ: تَرْكُ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
-
وَمِثَالُ السَّبَبِ الْعَادِيِّ١: وُجُودُ النَّارِ فِيمَا إذَا وَجَبَ إحْرَاقُ شَخْصٍ.
-
وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْعَادِيِّ: غَسْلُ الزَّائِدِ عَلَى حَدِّ الْوَجْهِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ لِيَتَحَقَّقَ غَسْلُ جَمِيعِهِ.
-
فَالشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ: مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ شَرْطًا، وَإِنْ أَمْكَنَ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ ٢ وَالشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ: مَا لا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ "٢ عَقْلاً، وَالشَّرْطُ الْعَادِيُّ: مَا لا يُمْكِنُ ٣ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ" ٣ عَادَةً٤.
-
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ٥، وَتَارَةً بِمَا لا يَتِمُّ الأَمْرُ٦ إلاَّ بِهِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ٧، لَكِنَّ الْعِبَارَةَ الأُولَى أَشْهَرُ. وَالثَّانِيَةُ أَشْمَلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الأَمْرَ قَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ. فَتَكُونُ مُقَدِّمَتُهُ مَنْدُوبَةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةً. كَالشَّرْطِ٨ فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ، إلاَّ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْكَفُّ عَنْ فَاسِدِ الصَّلاةِ عِنْدَ إرَادَةِ التَّلَبُّسِ بِالصَّلاةِ مَثَلاً وَجَبَ مَا لا يَتِمُّ الْكَفُّ مَعَ التَّلَبُّسِ إلاَّ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَمَّا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ
vol. 1, p. 361وَاجِبٌ١.
-
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الْمَتْنِ: أَنَّهُ لا يَجِبُ إلاَّ إذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ٢، لِحَدِيثِ: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ٣، لَكِنْ لَوْ سَقَطَ وُجُوبُ الْبَعْضِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، هَلْ يَبْقَى٤ وُجُوبُ الْبَاقِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. أَمْ لا٥؟
-
قَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْوُجُوبِ لِلْحَدِيثِ الْمُوَافِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ٦، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ النُّطْقُ فِي الصَّلاةِ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ. خِلافًا لِلْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٧، لِوُجُوبِهِ ضَرُورَةً كَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ، وَشُرُوطِ الصَّلاةِ٨.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ الْخِلافُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ فِي قَوْلِ مَنْ اسْتَحَبَّ غَسْلَ مَوْضِعِ الْقَطْعِ فِي الطَّهَارَةِ٩. وَكَذَا إمْرَارُ الْمُوسَى فِيمَنْ
vol. 1, p. 362لا شَعْرَ لَهُ١، وَرُدَّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "عُمْدَةِ الأَدِلَّةِ" : يُمِرُّ الْمُوسَى. وَلا يَجِبُ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَشَيْخُنَا٢. وَأَمَّا كَلامُ أَحْمَدَ: فَخَارِجٌ مَخْرَجَ الأَمْرِ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ شَيْخُنَا عَلَى النَّدْبِ. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ مُفْلِحٍ٣.
-
وَلَنَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ شَبِيهَةٌ بِذَلِكَ. كَوُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِعِلَّةٍ فِي ظَهْرِهِ وَوَاجِدٍ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ مِنْ الْمَاءِ٤، وَبَعْضِ صَاعٍ فِي٥ الْفِطْرَةِ٦.
-
وَرُبَّمَا خَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ، الرَّاجِحُ فِيهَا خِلافُ ذَلِكَ، لِمَدَارِكَ فِقْهِيَّةٍ، مَحَلُّهَا الْفِقْهُ٧.