فصل: الجرح والتعديل

96 paragraphs · vol. 3, p. 420

Page 2 of 3

  1. وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ: إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيُعْرَفُ كَوْنُهُ لا يَرْوِي إلاَّ عَنْ عَدْلٍ، إمَّا بِتَصْرِيحِهِ وَهُوَ الْغَايَةُ، أَوْ بِاعْتِبَارِنَا لِحَالِهِ، أَوْ اسْتِقْرَائِنَا لِمَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَهُوَ دُونَ الأَوَّلِ. قَالَهُ٢ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ٣

    وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ عَنْ شَخْصٍ لا تَكُونُ٤ تَعْدِيلاً لَهُ مُطْلَقًا٥.

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ" : وَرِوَايَةُ الْعَدْلِ لَيْسَتْ تَعْدِيلاً عِنْدَ أَكْثَرِ

    vol. 3, p. 437الْعُلَمَاءِ١ مِنْ الطَّوَائِفِ، وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ٢.اهـ.

    vol. 3, p. 436
  2. وَقِيلَ: إنَّهَا تَعْدِيلٌ لَهُ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، عَمَلاً بِظَاهِرِ الْحَالِ٣.

  3. "وَلا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مُبْهَمٍ كَحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أَوْ عَدْلٌ أَوْ مَنْ لا أَتَّهِمُهُ" عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، لاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنْ صُوَرِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْخِلافِ فِيهِ٤.

    قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ كَالْمُرْسَلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَكَذَا أَبُو الْمَعَالِي، وَاخْتَارَ٥ قَبُولَهُ؛ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَيْهِ٦.

  4. وَقَبِلَهُ الْمَجْدُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ وَالْمَجْهُولَ. فَقَالَ: "إذَا قَالَ الْعَدْلُ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، أَوْ مَنْ لا أَتَّهِمُهُ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ، وَ٧نَحْوَ ذَلِكَ.

  5. فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَإِنْ رَدَدْنَا الْمُرْسَلَ وَالْمَجْهُولَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ صَرِيحٌ عِنْدَنَا١". اهـ.

    vol. 3, p. 438
  6. وَكَذَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ٢.

  7. وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلاحِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُقْبَلُ٣.

  8. وَقِيلَ: -وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّلاحِ عَنْ اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ-؛ إنَّهُ٤ إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ٥ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ الْعَارِفِينَ بِمَا٦ يَشْتَرِطُهُ هُوَ وَخُصُومُهُ فِي الْعَدْلِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ فَيُقْبَلُ؛ لأَنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ لا يُطْلَقُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ إلاَّ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ أَنْ يُخَالِفَ ٧فِيهِ مَنْ١٠ أَطْلَقَ أَنَّهُ ثِقَةٌ٨.

  9. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا قَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، فَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ أَحْمَدَ٩، وَتَارَةً ١٠يُرِيدُ بِهِ٢ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ١١، وَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ ابْنَ

    vol. 3, p. 439أَبِي فُدَيْكٍ١، وَتَارَةً سَعِيدَ بْنَ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ٢، وَتَارَةً إسْمَاعِيلَ بْنَ إبْرَاهِيمَ٣.

  10. وَاشْتُهِرَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيهِ، وَتَارَةً يُرِيدُ مَالِكًا١.

    vol. 3, p. 440
  11. "وَالْجَرْحُ" هُوَ أَنْ يُنْسَبَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "إلَى قَائِلٍ مَا" أَيْ شَيْءٌ "يُرَدُّ لأَجْلِهِ" أَيْ لأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ "قَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ مِنْ خَبَرٍ، أَوْشَهَادَةٍ مِنْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ ارْتِكَابِ ذَنْبٍ، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ٢.

  12. "وَالتَّعْدِيلُ ضِدُّهُ" وَهُوَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى قَائِلٍ مَا يُقْبَلُ لأَجْلِهِ قَوْلُهُ: مِنْ فِعْلِ

    vol. 3, p. 441الْخَيْرِ وَالْعِفَّةِ وَالْمُرُوءَةِ، وَالتَّدَيُّنِ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ١.

  13. "وَتَدْلِيسُ الْمَتْنِ" وَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ "عَمْدًا: مُحَرَّمٌ وَجَرْحٌ" لِمُتَعَمِّدِهِ٢.

  14. وَ٣لِلتَّدْلِيسِ مَعْنَيَانِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالاصْطِلاحُ.

  15. فَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: كِتْمَانُ الْعَيْبِ فِي مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَيُقَالُ: دَالَسَهُ: خَادَعَهُ، كَأَنَّهُ مِنْ الدَّلَسِ وَهُوَ الظُّلْمَةُ؛ لأَنَّهُ إذَا غَطَّى عَلَيْهِ الأَمْرُ أَظْلَمَهُ عَلَيْهِ٤.

  16. وَأَمَّا فِي الاصْطِلاحِ فَقِسْمَانِ: قِسْمٌ مُضِرٌّ يَمْنَعُ الْقَبُولَ. وَقِسْمٌ لا يَضُرُّ.

  17. فَالْمُضِرُّ: هُوَ تَدْلِيسُ الْمَتْنِ. وَسَمَّاهُ الْمُحَدِّثُونَ: الْمُدْرِجِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ – اسْمُ فَاعِلٍ. فَالرَّاوِي لِلْحَدِيثِ إذَا أَدْخَلَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ كَلامِهِ أَوَّلاً أَوْ٥ آخِرًا أَوْ وَسَطًا عَلَى وَجْهٍ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ.

  18. وَفَاعِلُهُ عَمْدًا مُرْتَكِبٌ مُحَرَّمًا مَجْرُوحٌ٦ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ. أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُحَرَّمًا٧.

  19. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي التَّشَهُّدِ١. قَالَ فِي آخِرِهِ "فَإِذَا٢ قُلْت هَذَا، فَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ" وَهُوَ مِنْ كَلامِهِ، لا مِنْ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ.

    قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ: وَهَذَا مِنْ الْمُدْرَجِ أَخِيرًا٣.

    vol. 3, p. 442
  20. وَمِثَالُ٤ الْمُدْرَجِ أَوَّلاً: مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ" ٥، فَإِنَّ "أَسْبِغُوا

    vol. 3, p. 443الْوُضُوءَ" مِنْ كَلامِ أَبِي هُرَيْرَةَ١.

  21. وَمِثَالُ الْوَسَطِ: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ٢ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ٣ رَضِيَ

    vol. 3, p. 444اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رُفْغَهُ١، فَلْيَتَوَضَّأْ٢" قَالَ: فَذِكْرُ الأُنْثَيَيْنِ، وَالرُّفْغِ مُدْرَجٌ، إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ الرَّاوِي عَنْ بُسْرَةَ٣.

  22. وَ٤مَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْمُحَدِّثِينَ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَنْ يَرِدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ الرَّاوِي، وَهُوَ طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ، قَدْ يَقْوَى وَقَدْ يَضْعُفُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحَدِّثُ عَمْدًا، بِأَنْ قَصَدَ إدْرَاجَ كَلامِهِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ، بَلْ دَلَّسَ ذَلِكَ: كَانَ فِعْلُهُ حَرَامًا، وَيَصِيرُ مَجْرُوحًا مَرْدُودَ الْحَدِيثِ٥.

  23. "و" َ الْقِسْمُ الثَّانِي "غَيْرُهُ" أَيْ غَيْرُ الْمُضِرِّ الَّذِي هُوَ تَدْلِيسُ الْمَتْنِ "مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا٦" وَلَهُ صُوَرٌ:

    إحْدَاهَا ٧: أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ فِي رِوَايَتِهِ٨ بِاسْمٍ لَهُ غَيْرِ مَشْهُورٍ مِنْ كُنْيَةٍ

    vol. 3, p. 445أَوْ لَقَبٍ أَوْ اسْمٍ١ وَنَحْوِهِ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ الإِمَامِ٢: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى. يُرِيدُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيَّ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَد٣،٤وَيُرِيدُ بِهِ٥ النَّقَّاشَ٥ الْمُفَسِّرَ٦ - نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ - وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا، وَيُسَمَّى هَذَا "تَدْلِيسَ الشُّيُوخِ٧" .

  24. وَأَمَّا تَدْلِيسُ الإِسْنَادِ: فَهُوَ١ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ أَوْ عَاصَرَهُ حَدِيثًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، مُوهِمًا سَمَاعَهُ مِنْهُ، قَائِلاً: قَالَ: فُلانٌ أَوْ عَنْ فُلانٍ وَنَحْوَهُ. وَرُبَّمَا لَمْ٢ يُسْقِطْ شَيْخَهُ وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ. قَالَهُ٣ ابْنُ الصَّلاحِ٤.

    vol. 3, p. 446
  25. وَمِثْلَهُ غَيْرُهُ: كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرْفُوعًا: "لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" ٥. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ٦

    vol. 3, p. 447عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ١، وَأَنَّ هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ٢.

    قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هَذَا الْقِسْمُ مَكْرُوهٌ جِدًّا ذَمَّهُ الْعُلَمَاءُ. وَكَانَ شُعْبَةُ مِنْ أَشَدِّهِمْ ذَمًّا لَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ، وَلأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ. وَهَذَا مِنْهُ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ٣" .

  26. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ بِاسْمِ شَيْخٍ آخَرَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ عَنْهُ١، كَمَا يَقُولُهُ تَلامِذَةُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ٢:

    حَدَّثَنَا أَبُو٣ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، تَشْبِيهًا بِقَوْلِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ:

    حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَهَذَا لا يَقْدَحُ لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ٤.

    vol. 3, p. 448
  27. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْتِيَ فِي التَّحْدِيثِ بِلَفْظٍ يُوهِمُ أَمْرًا لا قَدْحَ فِي إيهَامِهِ٥، وَ٦ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: حَدَّثَنَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُوهِمًا أَنَّهُ٧ نَهْرُ جَيْحُونَ،

    vol. 3, p. 449وَهُوَ نَهْرُ عِيسَى بِبَغْدَادَ أَوْ١ الْحِيرَةِ وَنَحْوِهَا بِمِصْرَ، فَلا قَدْحَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الإِغْرَابِ٢، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إيهَامُ الرِّحْلَةِ إلاَّ أَنَّهُ صَدَقَ فِي نَفْسِهِ٣.

  28. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ٤.

    قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ٥ وَالْمَرُّوذِيِّ٦: لا يُعْجِبُنِي، هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيبَةِ. وَلا يُغَيِّرُ اسْمَ رَجُلٍ؛ ٧لأَنَّهُ لا يُعْرَفَ٢. وَسَأَلَهُ مُهَنَّا٨ عَنْ

    vol. 3, p. 450هُشَيْمٍ١؟ قَالَ: ثِقَةٌ إذَا لَمْ يُدَلِّسْ. قُلْت: فِي٢ التَّدْلِيسِ عَيْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.

    قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالأَشْبَهُ تَحْرِيمُهُ، لأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ تَدْلِيسِ الْمَبِيعِ٣.

  29. "وَمَنْ عُرِفَ بِهِ عَنْ الضُّعَفَاءِ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ السَّمَاعَ" يَعْنِي أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الضُّعَفَاءِ مُوهِمًا أَنَّ سَمَاعَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ: لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ، بِأَنْ يُفْصِحَ بِتَعْيِينِ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ، عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى٤.

  30. "وَمَنْ كَثُرَ مِنْهُ" التَّدْلِيسُ "لَمْ تُقْبَلْ عَنْعَنَتُهُ" قَالَهُ الْمَجْدُ٥، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُحْمَلَ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِمَا سَبَقَ فِي الضَّبْطِ مِنْ

    vol. 3, p. 451كَثْرَةِ السَّهْوِ وَغَلَبَتِهِ، وَمَا١ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ.

  31. وَمَنْ دَلَّسَ مُتَأَوِّلاً قُبِلَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ لأَنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنْ الأَعْيَانِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهُ٢.

  32. وَقَدْ رَدَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَ شُعْبَةَ: التَّدْلِيسُ كَذِبٌ. قِيلَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: إنَّ التَّدْلِيسَ كَذِبٌ. فَقَالَ: لا، قَدْ دَلَّسَ قَوْمٌ. وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْهُمْ٣.

  33. "وَالْمُعَنْعَنُ بِلا تَدْلِيسٍ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ: مُتَّصِلٌ" يَعْنِي: أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ الَّذِي لا يُعْلَمُ فِيهِ تَدْلِيسٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ:٤ مُتَّصِلٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالأَكْثَرِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، عَمَلاً بِالظَّاهِرِ. وَالأَصْلُ عَدَمُ التَّدْلِيسِ٥، لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثَلاثَةَ شُرُوطٍ: الْعَدَالَةَ، وَاللِّقَاءَ،

    vol. 3, p. 452وَعَدَمَ التَّدْلِيسِ١.

    قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا رَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ٢ عَنْ عَلْقَمَةَ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. *أَوْ٤ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ٥ عَنْ أَبِيهِ، وَدَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ

    vol. 3, p. 453النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ ": كُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ٢.

  34. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ٣.

    قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "عَدَّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ٤ ". فَيُجْعَلَ مُرْسَلاً، إنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ٥ الصَّحَابِيِّ، وَمُنْقَطِعًا إنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ٦ غَيْرِهِ٧.

  35. "*وَقَوْلُنَا: "بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ" يَشْمَلُ٨: "عَنْ وَإِنْ وَقَالَ" وَنَحْوَهُ عَلَى الصَّحِيحِ٩.

  36. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ "إنَّ فُلانًا" لَيْسَتْ لِلاتِّصَالِ.١٠

    vol. 3, p. 454وَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ١، عُلِمَ٢ إمْكَانُ اللِّقَاءِ أَوْ لا.

    قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ.

  37. "وَيَكْفِي إمْكَانُ لُقِيٍّ" دُونَ الْعِلْمِ بِهِ٣ "فِي قَوْلٍ" اخْتَارَهُ مُسْلِمٌ. وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ٤.

  38. قَالَ٥ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُرَدُّ بِهِ الْخَبَرُ وَمَا لا يُرَدُّ.

  39. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي آخِرِ "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ" . وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ.

  40. وَاشْتَرَطَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْعِلْمَ بِاللُّقِيِّ٦.

    قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ" : هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الإِمَامِ٧ أَحْمَدَ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمْ٨ مِنْ أَعْيَانِ الْحُفَّاظِ، بَلْ كَلامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ السَّمَاعِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَعْيَانِ ثَبَتَتْ٩ لَهُمْ الرُّؤْيَةُ١٠ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتْ

    vol. 3, p. 455لَهُمْ السَّمَاعُ مِنْهُمْ. فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُمْ مُرْسَلَةٌ. مِنْهُمْ الأَعْمَشُ١، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَأَيُّوبُ٢ وَابْنُ عَوْنٍ٣، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ٤: رَأَوْا أَنَسًا وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ٥. كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَهُ٦ أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا فِي٧ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

    vol. 3, p. 456وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: قَدْ رَأَى أَنَسًا فَلا أَدْرِي أَسَمِعَ١ مِنْهُ أَمْ لا؟