باب العام

162 paragraphs · vol. 4, p. 101

Page 3 of 5

  1. سوَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلاًّ ١تَعُمُّ عَلَى جِهَةِ الانْفِرَادِ، وَجَمِيعَ عَلَى جِهَةِ الاجْتِمَاعِ٢.

    vol. 4, p. 128
  2. "وَنَحْوَهُمَا" أَيْ وَمِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا: كُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ كُلٍّ وَجَمِيعٍ، مِثْلَ أَجْمَعَ وَأَجْمَعِينَ٣.

  3. "وَ" كَذَلِكَ "مَعْشَرَ وَمَعَاشِرَ وَعَامَّةً وَكَافَّةً وَقَاطِبَةً" قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ٤ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} ٥ وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} ٦ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّا مَعَاشِرَ ٧ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا ٨ تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" ٩ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْتَدَّتْ

    vol. 4, p. 129الْعَرَبُ قَاطِبَةً "١ قَالَ ابْنُ الأَثِير٢ِ: أَيْ جَمِيعُهُمْ٣، لَكِنَّ مَعْشَرَ وَمَعَاشِرَ: لا يَكُونَانِ إلاَّ مُضَافَيْنِ، بِخِلافِ قَاطِبَةً وَعَامَّةً وَكَافَّةً فَإِنَّهَا٤ لا تُضَافُ٥ " وَ "مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا " جَمْعٌ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِمُذَكَّرٍ أَوْ لِمُؤَنَّثٍ٦، وَسَوَاءٌ كَانَ سَالِمًا أَوْ مُكَسَّرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ

    vol. 4, p. 130"مُعَرَّفٌ" ١ ذَلِكَ الْجَمْعُ "بِلامٍ أَوْ إضَافَةٍ" ٢.

  4. مِثَالُ السَّالِمِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الْمُعَرَّفِ بِاللاَّمِ: قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} ٣ وَمِثَالُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الرِّجَالُ وَالصَّوَاحِبُ. وَ٤جَمْعُ الْقِلَّةِ: الأَفْلَسُ وَالأَكْبَادُ، وَمِثَالُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالإِضَافَةِ قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} ٥ وقَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ٦ وَقِيلَ: إنَّ الْجَمْعَ الْمُذَكَّرَ لا يَعُمُّ، فَلا يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ٧.

  5. وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحِيحُ عَنْهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فِي التَّشَهُّدِ. "فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ: فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ١.

    vol. 4, p. 131
  6. وَعَلَى هَذَا الأَصَحُّ: أَنَّ أَفْرَادَهُ آحَادٌ فِي الإِثْبَاتِ وَغَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ٢ أَيْ كُلَّ مُحْسِنٍ وقَوْله تَعَالَى: {فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ} ٣ أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدِ مِنْهُ، نَحْوَ جَاءَ الرِّجَالُ إلاَّ زَيْدًا٤.

  7. وَقِيلَ: إنَّ أَفْرَادَهُ جُمُوعٌ، وَكَوْنُهُ فِي الآيَاتِ آحَادٌ بِدَلالَةِ الْقَرِينَةِ٥.

  8. "وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "اسْمُ جِنْسٍ مُعَرَّفٍ تَعْرِيفَ جِنْسٍ" وَهُوَ مَا لا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ٦كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهَا٧، حَمْلاً لِلتَّعْرِيفِ عَلَى فَائِدَةٍ لَمْ تَكُنْ، وَهُوَ تَعْرِيفُ جَمِيعِ الْجِنْسِ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ كَالْجَمْعِ، وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ٨

    vol. 4, p. 132وَ "لا" يَعُمُّ "مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ" اتِّفَاقًا١. وَذَلِكَ كَسَبْقِ تَنْكِيرٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} ٢ لأَنَّهُ يَصْرِفُهُ إلَى ذَلِكَ فَلا يَعُمُّ إذَا عُرِفَ وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْت مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} ٣ وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} ٤.

  9. "وَيَعُمُّ مَعَ جَهْلِهَا" أَيْ جَهْلِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ تَقْيِيدَ الْعُمُومِ بِانْتِفَاءِ الْعَهْدِ يَقْتَضِي أَنَّ الأَصْلَ فِيهِ الاسْتِغْرَاقُ. وَلِهَذَا احْتَاجَ الْعَهْدُ إلَى قَرِينَةٍ فِيمَا٥ احْتَمَلَ الْعَهْدَ وَالاسْتِغْرَاقَ، لانْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَمَحْمُولٌ٦ عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ الاسْتِغْرَاقُ لِعُمُومِ فَائِدَتِهِ٧.

  10. وَقِيلَ: إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعَهْدِ٨.

  11. وَقِيلَ: إنَّهُ مُجْمَلٌ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلاً احْتِمَالاً عَلَى السَّوَاءِ٩.

  12. "وَإِنْ عَارَضَ الاسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ أَوْ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ لَمْ يَعُمَّ" وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الطَّلاقُ١٠ يَلْزَمُنِي لا أَفْعَلُ كَذَا، وَ١١حَنِثَ، فَإِنَّهُ لا يَقَعُ

    vol. 4, p. 133عَلَيْهِ إلاَّ وَاحِدَةٌ: لأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لا يَعْتَقِدُونَهُ١ ثَلاثًا٢، وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ٣ فِي الأَجْنَاسِ. لِلاسْتِغْرَاقِ. وَلِهَذَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثَلاثًا، وَلا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ طَلَّقَ إلاَّ وَاحِدَةً. فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي ظَنِّهِمْ وَاحِدَةٌ، فَلا يُرِيدُونَ إلاَّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِمْ. فَيَصِيرُ كَأَنَّهُمْ نَوَوْا وَاحِدَةً، وَلأَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ فِي أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ٤ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الاسْتِغْرَاقِ كَثِيرًا. كَقَوْلِهِمْ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلاقِ، وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلاقَ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَلا يُفْهَمُ مِنْهُ الاسْتِغْرَاقُ.

  13. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَلا يُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ إلاَّ بِنِيَّةٍ صَارِفَةٍ إلَيْهِ. قَالَهُ٥ فِي الْمُغْنِي٦.

  14. وَهَذَا٧ الأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَعُمُّ فَتَطْلُقُ ثَلاثًا.

  15. وَنَحْوَ: وَاَللَّهِ لا أَشْتَرِي٨ الْعَبِيدَ يَحْنَثُ بِوَاحِدٍ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ٩.

  16. "وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ١٠ أَيْضًا "مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِلامٍ غَيْرِ عَهْدِيَّةٍ لَفْظًا" كَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَالْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْحُرِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاء١١ِ

    vol. 4, p. 134قَالَ الشَّافِعِيُّ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فِي الرِّسَالَةِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي١ وَنَحْوَهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ.

  17. وَأَيْضًا لَمْ يَزَلْ٣ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ٤ بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الزِّنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلِوُقُوعِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ، وَهُوَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} ٥ - الآيَةَ٦.

  18. وَأَيْضًا فَيُوصَفُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} ٧ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.

  19. وَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ الْجِنْسَ لا الاسْتِغْرَاقَ فَلا يَعُمُّ٨.

  20. وَقِيلَ: هُوَ مُجْمَلٌ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلأَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ١.

    vol. 4, p. 135
  21. وَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ إنْ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ وَاحِدُهُ بِالتَّاءِ، وَلَكِنْ لا يَتَشَخَّصُ لَهُ وَاحِدٌ، وَلا يَتَعَدَّدُ. كَالذَّهَبِ وَالْعَسَلِ، بِخِلافِ مَا يَتَشَخَّصُ مَدْلُولُهُ. كَالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالرَّجُلِ٢.

  22. وَقِيلَ بِالْفَرْقِ فِيمَا إذَا٣ دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أَلْ" بَيْنَ مَا فِيهِ تَاءُ التَّأْنِيثِ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَحْدَةِ٤ كَضَرْبَةٍ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْعُمُومِ وَالْجِنْسِ، بِخِلافِ مَا لا هَاءَ فِيهِ كَرَجُلٍ؛ أَوْ فِيهِ وَ٥بُنِيَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ: كَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ. فَالْمُقْتَرِنُ بِـ "أَلْ" مِنْ ذَلِكَ عَامٌّ٦.

  23. وَعَلَى الأَوَّلِ -الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ عُمُومَهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.

  24. وَقِيلَ: مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.

    وَقَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: عُمُومُ الْمُفْرَدِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلْ غَيْرُ عُمُومِ الْجَمْعِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أَلْ" فَالأَوَّلُ: يَعُمُّ الْمُفْرَدَاتِ. وَالثَّانِي: يَعُمُّ الْجُمُوعَ؛ لأَنَّ أَلْ تَعُمُّ أَفْرَادَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ. وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ٧.

  25. وَفَائِدَةُ هَذَا: تَعَذُّرُ الاسْتِدْلالِ بِالْجَمْعِ عَلَى مُفْرَدٍ فِي حَالَةِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ؛ لأَنَّ الْعُمُومَ وَارِدٌ عَلَى أَفْرَادِ الْجُمُوعِ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِجَمْعٍ.

    vol. 4, p. 136
  26. "وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ" كَعَبْدِك وَامْرَأَتِك عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ، تَبَعًا لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَ١حَكَاهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الأَكْثَرِ٢. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} ٣.

  27. "وَ" مِنْ صِيَغِهِ أَيْضًا "نَكِرَةٌ فِي نَفْيٍ ٤، وَ" كَذَا فِي "نَهْيٍ" لأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ٥.صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ الْعَامِلُ النَّكِرَةَ، نَحْوَ: مَا أَحَدٌ قَائِمًا، أَوْ يُبَاشِرَ الْعَامِلُ فِيهَا. نَحْوَ: مَا قَامَ أَحَدٌ. أَوْ كَانَتْ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَلَمْ يُبَاشِرْهَا، نَحْوَ لَيْسَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ٦.

  28. وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي أَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ١.وَهُوَ. مَخْصُومٌ٢ بِقَوْله تَعَالَى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} ٣ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ٤ {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} ٥ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَمَا حَصَلَ بِهِ الرَّدُّ٦.

    vol. 4, p. 137
  29. وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ نَحْوُ٧: قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ٨ وقَوْله تَعَالَى: {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ} ٩ {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ١٠ {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ١١ {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ١٢.

  30. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَإِنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ يَكُونُ "وَضْعًا" بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ بِالْمُطَابِقَةِ١٣.

  31. وَقِيلَ: إنَّ عُمُومَهَا١ لُزُومًا، بِمَعْنَى أَنَّ نَفْيَ فَرْدٍ مِنْهُمْ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ الأَفْرَادِ ضَرُورَةً٢.

    vol. 4, p. 138
  32. وَالأَوَّلُ: اخْتِيَارُ الْقَرَافِيُّ ٣َ مَنْ وَافَقَهُ.

  33. وَالثَّانِي: اخْتِيَارُ السُّبْكِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ٤.

  34. وَيُؤَيِّدُ الأَوَّلَ: صِحَّةُ الاسْتِثْنَاءِ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ بِالاتِّفَاقِ. فَدَلَّ عَلَى تَنَاوُلِهَا٥ لِكُلِّ فَرْدٍ٦.

  35. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دَلالَةَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عَلَى الْعُمُومِ قِسْمَانِ:

    قِسْمٌ يَكُونُ "نَصًّا" وَصُورَتُهُ: مَا إذَا بُنِيَتْ فِيهِ النَّكِرَةُ عَلَى الْفَتْحِ لِتَرَكُّبِهَا مَعَ لا٧. نَحْوَ: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ٨.

  36. "وَ" قِسْمٌ يَكُونُ "ظَاهِرًا" وَصُورَتُهُ: مَا إذَا لَمْ تُبْنَ النَّكِرَةُ مَعَ لا. نَحْوَ: لا فِي الدَّارِ رَجُلٌ بِالرَّفْعِ؛ لأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: بَعْدَهُ، بَلْ٩ رَجُلانِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ نَصًّا. فَإِنْ زِيدَ فِيهَا "مَنْ" كَانَتْ نَصًّا أَيْضًا١٠

    vol. 4, p. 139"وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا النَّكِرَةُ "فِي" سِيَاقِ "إثْبَاتٍ لامْتِنَانٍ" مَأْخُوذُ ذَلِكَ١ مِنْ اسْتِدْلالِ أَصْحَابِنَا إذَا حَلَفَ لا يَأْكُلُ فَاكِهَةً يَحْنَثُ بِأَكْلِ٢ التَّمْرِ وَالرُّمَّانِ لِقَوْله تَعَالَى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} ٣ قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ٤، وَذَكَرَ٥ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ فِي أَوَائِلِ تَعْلِيقِهِ٦ فِي الْكَلامِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} ٧ وَجَرَى عَلَيْهِ٨ الزَّمْلَكَانِيُّ٩ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ. وَقَطَعَ

    vol. 4, p. 140بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ وَشَرْحِهَا١.

  37. قِيلَ: وَالْقَوْلُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلامِ٢ الْبَيَانِيِّينَ فِي تَنْكِيرِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ. أَنَّهُ يَكُونُ لِلتَّكْثِير٣ِ. نَحْوَ إنَّ لَهُ لإٍبِلاً، وَإِنَّ لَهُ لَغَنَمًا. وَعَلَيْهِ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ لَنَا لأَجْرًا} ٤ وَكَذَا قَرَّرَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} ٥.

  38. "وَ" كَذَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ "اسْتِفْهَامٍ إنْكَارِيٍّ" قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. لأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِ مُسَوِّغَاتِ الابْتِدَاءِ وَصَاحِبِ الْحَالِ. وَ٦فِي بَابِ الاسْتِثْنَاءِ، وَفِي الْوَصْفِ الْمُبْتَدَإِ الْمُسْتَغْنَى بِمَرْفُوعِهِ عَنْ خَبَرِهِ٧ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ النَّفْيَ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ. نَحْوَ هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} ٨ {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ٩ فَإِنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ كُلِّهِ، لأَنَّ الإِنْكَارَ هُوَ حَقِيقَةُ النَّفْيِ

    vol. 4, p. 141"وَ" كَذَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ "شَرْطٍ" فَإِنَّهَا تَعُمُّ١ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} ٢ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ} ٣ وَمَنْ يَأْتِينِي بِأَسِيرٍ فَلَهُ دِينَارٌ٤. يَعُمُّ كُلَّ أَسِيرٍ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ٥. وَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ بِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ٦، وَوَافَقَهُ. الإِبْيَارِيُّ٧ فِي شَرْحِهِ٨، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ: لا أَكَلْت وَإِنْ أَكَلْت٩.

  39. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ١٠ الْمُرَادَ الْعُمُومُ الْبَدَلِيُّ لا الْعُمُومُ١١ الشُّمُولِيُّ١٢

    vol. 4, p. 142"وَلا يَعُمُّ جَمْعٌ مُنْكَرٌ غَيْرُ مُضَافٍ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالأَكْثَرِ١؛ لأَنَّهُ لَوْ قَالَ: اضْرِبْ رِجَالاً، امْتَثَلَ بِضَرْبِ أَقَلِّ الْجَمْعِ، أَوْ٢ لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ، قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ، لأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَهُ نَكِرَةً، وَلَوْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَكُنْ نَكِرَةً لِمُغَايَرَةِ مَعْنَى النَّكِرَةِ لِمَعْنَى الْعُمُومِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْعَامِّ، وَلأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى أَقَلِّ٣ الْجَمْعِ، وَعَلَى مَا زَادَ مَرْتَبَةٌ بَعْدَ أُخْرَى إلَى مَا لا يَتَنَاهَى، وَإِذَا كَانَ مَدْلُولُ النَّكِرَةِ أَعَمَّ مِنْ هَذَا وَمِنْ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، فَالأَعَمُّ لا يَدُلُّ عَلَى الأَخَصِّ. وَعُمُومُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عُمُومِ بَدَلٍ لا شُمُولٍ٤.

  40. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَجْهًا بِالْعُمُومِ٥. وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ٦ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ٧

    vol. 4, p. 143"وَ" عَلَى الأَوَّلِ "يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ جَمْعٍ١" .