فصل تقديم الخاص على العام مطلقا
27 paragraphs · vol. 4, p. 382
- vol. 4, p. 382
"إذَا وَرَدَ" عَنْ الشَّارِعِ لَفْظٌ "عَامٌّ وَ" لَفْظٌ "خَاصٌّ، قُدِّمَ الْخَاصُّ مُطْلَقًا١" أَيْ سَوَاءٌ كَانَا مُقْتَرِنَيْنِ، مِثْلَ: مَا لَوْ قَالَ فِي كَلامٍ مُتَوَاصِلٍ: اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ وَلا تَقْتُلُوا الْيَهُودَ، أَوْ يَقُولُ: زَكُّوا الْبَقَرَ، وَلا تُزَكُّوا الْعَوَامِلَ، أَوْ كَانَا غَيْرَ مُقْتَرِنَيْنِ، سَوَاءٌ٢ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. لأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلاً بِكِلَيْهِمَا، بِخِلافِ الْعَكْسِ, فَكَانَ أَوْلَى٣.
-
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي صُورَةِ الاقْتِرَانِ تَعَارُضُ الْخَاصِّ لِمَا قَابَلَهُ مِنْ الْعَامِّ، وَلا يُخَصَّصُ بِهِ٤.
-
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ فِي غَيْرِ الْمُقْتَرِنَيْنِ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ نُسِخَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ نُسِخَ مِنْ
vol. 4, p. 383الْعَامِّ بِقَدْرِهِ, فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: إنْ جُهِلَ التَّارِيخُ وُقِفَ الأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ١.
-
وَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ’ ٢سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ٣ خَصَّ٤ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} ٥.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. مِنْهُمْ: عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ٦ وَحُذَيْفَةُ وَجَابِرٌ
vol. 4, p. 384وَابْنُ عَبَّاسٍ١.
-
وَأَيْضًا: الْخَاصُّ قَاطِعٌ أَوْ أَشَدُّ تَصْرِيحًا، وَأَقَلُّ احْتِمَالاً، وَلأَنَّهُ لا فَرْقَ لُغَةً بَيْنَ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ وَتَأْخِيرِهِ٢.
-
"وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْوَارِدَيْنِ "عَامًّا مِنْ وَجْهٍ. خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ" آخَرَ٣.
-
مِثَالُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا" ٤ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" ٥
vol. 4, p. 385فَالأَوَّلُ: خَاصٌّ فِي الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الْفَائِتَةِ، عَامٌّ فِي الْوَقْتِ، وَالثَّانِي: عَامٌّ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ، خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ١.
-
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ" مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" ٢.
-
فَالأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، خَاصٌّ فِي الْمُرْتَدِّينَ. وَالثَّانِي: خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ٣.
-
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا إذَا وَرَدَا "تَعَارَضَا" لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَلِ بِهِ دُونَ الآخَرِ "وَطُلِبَ الْمُرَجِّحُ" مِنْ خَارِجٍ٤.
-
وَقَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: "مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ" عَلَى اخْتِصَاصِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" بِسَبَبِهِ النَّاشِئِ عَنْ قَتْلِ الْحَرْبِيَّاتِ٥.
-
وَقِيلَ: الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخٌ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ٦.
- vol. 4, p. 386
"وَإِذَا وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا ١" بِأَنْ. يَرِدْ٢ لَفْظٌ عَامٌّ، وَيَأْتِي لَفْظٌ خَاصٌّ، هُوَ٣ بَعْضٌ لِذَلِكَ٤ الْعَامِّ وَدَاخِلٌ فِيهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا" ٥ فَهَذَا خَاصٌّ وَهُوَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْعَامِّ٦ "لَمْ يُخَصِّصْهُ" أَيْ لَمْ يُخَصِّصْ الْخَاصُّ الْعَامَّ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ٧.
-
وَقِيلَ: بَلَى٨،
vol. 4, p. 387اسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّهُ لا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُعْمَلَ بِهِمَا١.
-
وَمِنْ أَمْثِلَةِ٢ ذَلِكَ أَيْضًا٣: قَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} ٤ فَذِكْرُهُ٥ بَعْدَهُ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلأَوَّلِ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، بَلْ اهْتِمَامًا بِهَذَا النَّوْعِ، فَإِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ ٦إذَا اهْتَمَّتْ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَامِّ خَصَّصَتْهُ بِالذِّكْرِ، إبْعَادًا لَهُ عَنْ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِذَلِكَ النَّوْعِ٧.
-
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: {وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ ٨ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} ٩.
-
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا ١٠ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} ١١ لأَنَّ فَاكِهَةً مُطْلَقٌ١٢
" وَلا تَخُصُّ١٣ عَادَةٌ عُمُومًا، وَلا تُقَيِّدُ" الْعَادَةُ "مُطْلَقًا" نَحْوُ:
vol. 4, p. 388حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ١ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ وَعَادَتُهُمْ الْبُرُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ٢، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ٣, وَلِهَذَا لا نَقْضَ بِنَادِرٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ, قَصْرًا لِلْغَائِطِ عَلَى الْمُعْتَادِ, وَذَكَرَهُ٤ الْقَاضِيَ فِي مَوَاضِعَ.
-
وَجْهُ الأَوَّلِ: الْعُمُومُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَالأَصْلُ عَدَمُ مُخَصَّصٍ٥.
-
وَفِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ لابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْعَادَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْفِعْلِ، وَالرَّاجِعَةِ إلَى الْقَوْلِ، فَيُخَصَّصُ بِالثَّانِيَةِ الْعُمُومُ لِسَبْقِ الذِّهْنِ عِنْدَ الإِطْلاقِ إلَيْهِ دُونَ الأُولَى، أَيْ٦ إذَا تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ، وَ٧لَكِنْ لَمْ
vol. 4, p. 389يُقَرِّرْهَا١ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
-
"وَلا يُخَصُّ عَامٌّ بِمَقْصُودِهِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، خِلافًا لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ٣
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ٤ لَمْسِ النِّسَاءِ مَا يُقْصَدُ مِنْهُنَّ غَالِبًا مِنْ الشَّهْوَةِ، ثُمَّ لَوْ عَمَّتْ خُصَّتْ٥ بِهِ, وَخَصَّهُ حَفِيدُهُ أَيْضًا بِالْمَقْصُودِ٦.
-
"وَلا" يُخَصُّ عَامٌّ "بِرُجُوعِ ضَمِيرٍ إلَى بَعْضِهِ" أَيْ بَعْضِ الْعَامِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَالشَّافِعِيَّةِ٧.
-
وَعَنْهُ ٨: بَلْ٩ كَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ١٠.
- vol. 4, p. 390
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ١.
-
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ٢ ثُمَّ قَالَ {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ٣} ٤ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَاتِ يَعُمُّ الْبَوَائِنَ وَالرَّجْعِيَّاتِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ} عَائِدٌ إلَى الرَّجْعِيَّاتِ؛ لأَنَّ الْبَائِنَ لا يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَدَّهَا٥.
-
وَلَوْ وَرَدَ بَعْدَ٦ الْعَامِّ حُكْمٌ لا يَأْتِي إلاَّ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الضَّمِيرِ, صَرَّحَ بِهِ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ٧
vol. 4, p. 391وَمِثْلُهُ الرَّازِيّ بِقَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ١ ثُمَّ قَالَ: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ} ٢ يَعْنِي الرَّغْبَةَ فِي مُرَاجَعَتِهِنَّ، وَالْمُرَاجَعَةُ لا تَأْتِي فِي الْبَائِنِ٣.
-
وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الْمَظْهَرَ عَامٌّ، وَالأَصْلَ بَقَاؤُهُ, فَلا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الْمُضْمَرِ تَخْصِيصُهُ٤.
قَالُوا: يَلْزَمُ وَإِلاَّ لَمْ يُطَابِقْهُ٥.
-
رُدَّ، لا يَلْزَمُ كَرُجُوعِهِ مَظْهَرًا٦, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.