فصل العلة
36 paragraphs · vol. 5, p. 39
- vol. 5, p. 39
"فَصْلٌ"
-
"الْعِلَّةُ" الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ "مُجَرَّدُ أَمَارَةٍ وَعَلامَةٍ نَصَبَهَا١ الشَّارِعُ دَلِيلاً" يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُجْتَهِدُ "عَلَى" وِجْدَانِ "الْحُكْمِ" إذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ٢، كَالْغَيْمِ هُوَ أَمَارَةٌ عَلَى الْمَطَرِ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ٣ وَهَذَا لا يُخْرِجُ الأَمَارَةَ عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً.
-
وَقِيلَ - وَهُوَ لِلْمُعْتَزِلَةِ - إنَّ الْعِلَّةَ مُؤْثَرَةٌ فِي الْحُكْمِ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا أَثَّرَتْ بِذَاتِهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِصِفَةٍ٤ ذَاتِيَّةٍ فِيهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِوُجُوهٍ٥ وَاعْتِبَارَاتٍ٦.
- vol. 5, p. 40
وَلَيْسَ١ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ شَيْءٌ مِنْ الْعَالَمِ مُؤَثِّرًا فِي شَيْءٍ، بَلْ كُلٌّ مَوْجُودٌ فِيهِ، فَهُوَ بِخَلْقِ٢ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِرَادَتِهِ.
-
وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ٣.
-
"زِيدَ" أَيْ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِّ "مَعَ أَنَّهَا" أَيْ الْعِلَّةَ "مُوجِبَةٌ لِمَصَالِحَ دَافِعَةٌ لِمَفَاسِدَ" لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الأَمَارَةِ السَّاذَجَةِ، لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَبْعَثُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الامْتِثَالِ، لا أَنَّهَا٤ بَاعِثَةٌ لِلشَّرْعِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى وَفْقِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَصْلَحَةً لِلْعَبْدِ تَفَضُّلاً عَلَيْهِ، وَإِحْسَانًا لَهُ، لا وُجُوبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
-
فَفِي ذَلِكَ٥ بَيَانُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْبَاعِثُ عَلَى الْحُكْمِ بِكَذَا هُوَ
vol. 5, p. 41كَذَا، وَأَنَّهُمْ لا يُرِيدُونَ بَعْثَ الشَّارِعِ، بَلْ بَعْثَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الامْتِثَالِ١، مِثْلُ: حِفْظُ النَّفْسِ بَاعِثٌ عَلَى تَعَاطِي فِعْلِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَمَّا حُكْمُ الشَّرْعِ: فَلا عِلَّةَ لَهُ٢ وَلا بَاعِثَ عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَادَ الْمُكَلَّفُ لامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَخْذِ الْقِصَاصِ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ وَسِيلَةً لِحِفْظِ النُّفُوسِ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، أَجْرٌ عَلَى الانْقِيَادِ، وَأَجْرٌ عَلَى قَصْدِ حِفْظِ النَّفْسِ، وَكِلاهُمَا أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى٣ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ} ٤ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ٥
وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِ الْعِلَّةِ لا بُدَّ مِنْ اشْتِمَالِهَا عَلَى حِكْمَةٍ تَدْعُو إلَى الامْتِثَالِ، كَانَ مَانِعُهَا وَصْفًا وُجُودِيًّا يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا، وَيُسَمَّى مَانِعَ السَّبَبِ٦، فَإِنْ٧ لَمْ يُخِلَّ بِحِكْمَتِهَا، بَلْ بِالْحُكْمِ فَقَطْ، وَالْحِكْمَةُ بَاقِيَةٌ، سُمِّيَ مَانِعَ الْحُكْمِ. مِثَالُ الْمَقْصُودِ هُنَا وَهُوَ مَانِعُ السَّبَبِ: الدَّيْنُ، إذَا قُلْنَا: إنَّهُ
vol. 5, p. 42مَانِعٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ لأَنَّ حِكْمَةَ السَّبَبِ - وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ - غِنَى مَالِكِهِ، فَإِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ فَلا غِنَى، فَاخْتَلَّتْ١ حِكْمَةُ السَّبَبِ بِهَذَا الْمَانِعِ
وَبَنَى الأَصْحَابُ عَلَى كَوْنِ الْعِلَّةِ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ وَعَلامَةٍ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ بِاللَّقَبِ نَصَّ ٢ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَهُ الأَكْثَرُ٣.
-
فَلِهَذَا٤ قُلْنَا "فَيَصِحُّ تَعْلِيلٌ بِلَقَبٍ، كَ" مَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ "بِمُشْتَقٍّ" .
-
مِثَالُ التَّعْلِيلِ بِاللَّقَبِ: تَعْلِيلُ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِكَوْنِهِمَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَتَعْلِيلُ مَا يُتَيَمَّمُ بِهِ بِكَوْنِهِ تُرَابًا، وَمَا يُتَوَضَّأُ بِهِ بِكَوْنِهِ مَاءً.
-
وَقِيلَ: لا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِاللَّقَبِ٥.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَوَقَعَ فِي الْمَحْصُولِ حِكَايَةُ الاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالاسْمِ، كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًاً٦.
vol. 5, p. 43قَالَ: فَإِنَّا١ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ [مُجَرَّدَ] ٢ هَذَا اللَّفْظِ لا أَثَرَ لَهُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ تَعْلِيلُ الْمُسَمَّى بِهَذَا٣ الاسْمِ مِنْ كَوْنِهِ مُخَامِرًا لِلْعَقْلِ، فَذَلِكَ تَعْلِيلٌ بِالْوَصْفِ لا بِالاسْمِ٤.
-
وَقَوْلُنَا "كَبِمُشْتَقٍّ ٥، اتِّفَاقًا" حَكَاهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٦.
-
وَذَلِكَ كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْمُشْتَقَّ ذَلِكَ مِنْهُ هُوَ٧ عِلَّةُ الْحُكْمِ، نَحْوَ " {فَاقْتُلُوا٨ الْمُشْرِكِينَ} ٩ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ١٠، " مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " ١١ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَنْحَصِرُ ١٢.
-
"وَلا يُشْتَرَطُ اشْتِمَالُهَا عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ" فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لا يَبْعَثُهُ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ.
- vol. 5, p. 44
وَقِيلَ: بَلَى وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ١، بِمَعْنَى اشْتِمَالِ الْوَصْفِ عَلَى مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ الْمَقْصُودَ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ أَفْعَالِ الْبَارِي تَعَالَى بِالْغَرَضِ٢.
-
"ثُمَّ قَدْ تَكُونُ" الْعِلَّةُ "رَافِعَةً أَوْ دَافِعَةً أَوْ فَاعِلَتُهُمَا، وَصْفًا حَقِيقِيًّا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا، أَوْ عُرْفِيًّا مُطَّرِدًا، أَوْ لُغَوِيًّا" فِي الأَصَحِّ، فَيَكُونُ الْوَصْفُ الْمَجْعُولُ عِلَّةً ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ؛ فَإِنَّهُ تَارَةً يَكُونُ دَافِعًا لا رَافِعًا، ٣وَيَكُونُ رَافِعًا لا دَافِعًا وَيَكُونُ دَافِعًا رَافِعًا، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ٤.
-
فَمِنْ الأَوَّلِ: الْعِدَّةُ، فَإِنَّهَا دَافِعَةٌ٥ لِلنِّكَاحِ إذَا وُجِدَتْ فِي ابْتِدَائِهِ، لا رَافِعَةٌ٦ لَهُ إذَا طَرَأَتْ فِي أَثْنَاءِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ.
- vol. 5, p. 45
وَمِنْ١ الثَّانِي: الطَّلاقُ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حِلَّ الاسْتِمْتَاعِ وَلا يَدْفَعُهُ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ إلَى اسْتِمْرَارِهِ لا يَمْنَعُ وُقُوعَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ بِشَرْطٍ.
-
وَمِنْ الثَّالِثِ: الرَّضَاعُ، فَإِنَّهُ٢ يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَإِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ الْعِصْمَةِ رَفَعَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ يَمْنَعُ مِنْ الابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ لِتَأَبُّدِهِ وَاعْتِضَادِهِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ فِي الارْتِضَاعِ الْحُرْمَةُ٣.
-
وَتَكُونُ الْعِلَّةُ أَيْضًا وَصْفًا حَقِيقِيًّا، وَهُوَ مَا يُعْقَلُ٤ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ، وَلا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَضْعٍ، كَقَوْلِنَا: مَطْعُومٌ، فَيَكُونُ رِبَوِيًّا فَالطَّعْمُ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ، وَهُوَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، أَيْ لا تَتَوَقَّفُ٥ مَعْقُولِيَّتُهُ عَلَى مَعْقُولِيَّةِ غَيْرِهِ.
-
وَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لا خَفِيًّا.
-
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْضَبِطًا، أَيْ مُتَمَيِّزًا٦ عَنْ غَيْرِهِ.
- vol. 5, p. 46
وَلا خِلافَ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ١
وَتَكُونُ الْعِلَّةُ أَيْضًا وَصْفًا عُرْفِيًّا وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا لا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَوْقَاتِ، وَإِلاَّ لَجَازَ٢ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعُرْفُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ فَلا يُعَلَّلُ بِهِ.
-
مِثَالُهُ: الشَّرَفُ وَالْخِسَّةُ فِي الْكَفَاءَةِ وَعَدَمِهَا فَإِنَّ الشَّرَفَ يُنَاسِبُ التَّعْظِيمَ وَالإِكْرَامَ، وَالْخِسَّةَ تُنَاسِبُ ضِدَّ ذَلِكَ فَيُعَلَّلُ بِهِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ٣.
-
وَتَكُونُ الْعِلَّةُ أَيْضًا وَصْفًا لُغَوِيًّا.
-
مِثَالُهُ: تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ لأَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا. فَحُرِّمَ كَعَصِيرِ الْعِنَبِ.
-
وَفِي التَّعْلِيلِ بِهِ خِلافٌ وَالصَّحِيحُ: صِحَّةُ التَّعْلِيلِ بِهِ٤.
- vol. 5, p. 47
قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّاءِ فِي الْعُقُودِ وَالْخَصَائِلِ١ قَالَ: كَقَوْلِنَا فِي النَّبَّاشِ: هُوَ سَارِقٌ فَيُقْطَعُ، وَفِي النَّبِيذُ خَمْرٌ فَيَحْرُمُ وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْمَحَلِّيُّ: بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ اللُّغَةِ٢ بِالْقِيَاسِ وَمُقَابِلُ الأَصَحِّ قَوْلٌ٣: بِأَنَّهُ لا يُعَلَّلُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالأَمْرِ اللُّغَوِيِّ٤.
-
"فَلا٥ يُعَلَّلُ" الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ "بِحِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ وَصْفٍ ضَابِطٍ لَهَا" عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٦.
-
وَقِيلَ: يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً، مُنْضَبِطَةً أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ٧
وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ الْمُجَرَّدَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً صَحَّ التَّعْلِيلُ
vol. 5, p. 48بِهَا١، وَإِلاَّ ٢فَلا.
-
وَجْهُ الأَوَّلِ - وَهُوَ كَوْنُ التَّعْلِيلِ لا يَصِحُّ بِالْحِكْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ مُطْلَقًا - لِخَفَائِهَا، كَالرِّضَا فِي الْبَيْعِ وَلِذَلِكَ أُنِيطَتْ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِالصِّيَغِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ٣ أَوْ٤ لِعَدَمِ٥ انْضِبَاطِهَا كَالْمَشَقَّةِ فَلِذَلِكَ أُنِيطَتْ بِالسَّفَرِ٦.
قَالَ الآمِدِيُّ: مَنَعَهُ الأَكْثَرُ٧.
-
"وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ بِعَدَمٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ٨ الثُّبُوتِيُّ بِالْعَدَمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا٩ وَالرَّازِيِّ١٠ وَأَتْبَاعِهِ١١، وَذَكَرَهُ
vol. 5, p. 49ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ ١.
-
وَحُكِيَ الْمَنْعُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ٢ وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ٣ وَابْنُ الْحَاجِبِ٤ وَغَيْرُهُمَا٥
وَاسْتَثْنَى٦ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِثْلَ قَوْلِ٧ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي وَلَدِ الْمَغْصُوبِ٨: لَمْ يُغْصَبْ.
-
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِأَنَّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهِ٩، وَكَالأَحْكَامِ تَكُونُ نَفْيًا، وَكَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، مَعَ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ،
vol. 5, p. 50وَكَتَعْلِيلِ الْعَدَمِ بِهِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا، نَحْوَ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا لِعَدَمِ١ الدَّاعِي إلَيْهِ، وَلَمْ أُسَلِّمْ عَلَى فُلانٍ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ؛ لأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ لِنَفْيِ مُقْتَضِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْيِهِ لِوُجُودِ مُنَافِيهِ؛ وَلأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيلُ ضَرْبِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِعَدَمِ امْتِثَالِهِ؛ وَلأَنَّ الْعِلَّةَ أَمَارَةٌ تُعَرِّفُ الْحُكْمَ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَدَمِيَّةً، كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وُجُودِيَّةً.
-
وَيَدْخُلُ فِي الْخِلافِ مَا إذَا كَانَ الْعَدَمُ لَيْسَ تَمَامَ الْعِلَّةِ، بَلْ جُزْءًا٢ مِنْهَا، فَإِنَّ الْعَدَمِيَّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلاًّ أَوْ بَعْضًا٣.
-
وَمِنْ جُمْلَةِ الْعَدَمِيِّ أَيْضًا: إذَا كَانَ الْوَصْفُ إضَافِيًّا، وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ٤ بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ، كَالْبُنُوَّةِ وَالأُبُوَّةِ، وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَالْمَعِيَّةِ٥ وَالْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ عَدَمِيٌّ؛ لأَنَّ وُجُودَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الأَذْهَانِ، لا فِي الْخَارِجِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَدَمِيٌّ٦.