فصل: الإستحسان
15 paragraphs · vol. 5, p. 427
- vol. 5, p. 427
"قِيلَ" بِالْعَمَلِ "بِهِ فِي مَوَاضِعَ" .
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ. انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: قُلْت قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَتَيَمَّمَ١ لِكُلِّ صَلاةٍ. وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ٢ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ حَتَّى يُحْدِثَ أَوْ يَجِدَ الْمَاءَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ٣، فِيمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، الزَّرْعُ لِرَبِّ الأَرْضِ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ يُوَافِقُ الْقِيَاسَ٤، وَلَكِنْ أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ
vol. 5, p. 428إلَيْهِ النَّفَقَةَ. انْتَهَى١.
-
وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ٢.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ: لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَكُتُبُ أَصْحَابِنَا مَمْلُوءَةٌ مِنْهُ كَابْنِ الْقَاسِمِ٣، وَأَشْهَبَ٤
vol. 5, p. 429وَغَيْرِهِمَا١.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَسْتَحْسِنُ الْمُتْعَةَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا٢، وَثُبُوتَ الشُّفْعَةِ إلَى ثَلاثَةٍ٣، وَتَرْكَ شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَةِ٤، وَأَنْ لا تُقْطَعَ يُمْنَى٥ سَارِقٍ أَخْرَجَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقُطِعَتْ٦، وَالتَّحْلِيفَ عَلَى الْمُصْحَفِ٧.
-
وَالأَشْهَرُ عَنْهُ: إنْكَارُ اسْتِحْسَانٍ وَقَالَهُ٨ أَصْحَابُهُ.
وَقَالَ: مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ٩ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ - أَيْ١٠
vol. 5, p. 430نَصَبَ شَرْعًا عَلَى خِلافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَأَنْكَرَهُ١ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ٢.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: إنْكَارُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ٣: نَسْتَحْسِنُ هَذَا وَنَدَعُ الْقِيَاسَ، فَنَدَعُ مَا نَزْعُمُهُ٤ الْحَقَّ بِالاسْتِحْسَانِ، وَأَنَا أَذْهَبُ إلَى كُلِّ حَدِيثٍ جَاءَ، وَلا٥ أَقِيسُ عَلَيْهِ٦.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِهِ٧، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنْكَرَ مَا لا دَلِيلَ لَهُ، قَالَ: وَمَعْنَى " أَذْهَبُ إلَى مَا جَاءَ وَلا أَقِيسُ " أَيْ أَتْرُكُ الْقِيَاسَ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ الاسْتِحْسَانُ بِالدَّلِيلِ٨.
-
وَأَوَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَلامَ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ
vol. 5, p. 431بِدَلِيلٍ، لَكِنَّهُ سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا؛ لأَنَّهُ عَدَّهُ حَسَنًا١.
-
"وَهُوَ لُغَةً" أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ "اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا" ٢.
-
"وَ" الاسْتِحْسَانُ "عُرْفًا" أَيْ فِي عُرْفِ الأُصُولِيِّينَ "الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ" خَاصٍّ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ٣.
vol. 5, p. 432قَالَ الطُّوفِيُّ: مِثَالُهُ قَوْلُ أَبِي١ الْخَطَّابِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ: وَإِذَا اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ: لَمْ يَجُزْ اسْتِحْسَانًا وَجَازَ٢ قِيَاسًا، فَالْحُكْمُ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ: الْجَوَازُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنْ عَدَلَ بِهَا عَنْ نَظَائِرِهَا بِطَرِيقِ الاسْتِحْسَانِ، فَمُنِعَتْ. وَحَاصِلُ٣ هَذَا يَرْجِعُ إلَى تَخْصِيصِ الدَّلِيلِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ٤.
-
وَحَّدَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ يَعْجِزُ عَنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مَا لا يُعَبَّرُ عَنْهُ لا يُدْرَى: أَوَهْمٌ٥ أَوْ تَحْقِيقٌ٦؟.
-
"وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ: إثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ٧ وَسَبَقَ" ذَلِكَ
vol. 5, p. 433فِي الْمَسْلَكِ الرَّابِعِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ١
وَذَلِكَ إنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا، كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَقِيَاسٌ، أَوْ بُطْلانِهَا٢ كَتَعْيِينِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ وَطْءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ كَالْمِلْكِ وَنَحْوِهِ فَلَغْوٌ٣.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنْكَرَهَا مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الأُصُولِ وَالْجَدَلِ، وَابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ٤.
-
وَقَالَ بِهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي
vol. 5, p. 434حَنِيفَةَ١.
-
"وَتُسَدُّ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "الذَّرَائِعُ" جَمْعُ ذَرِيعَةٍ "وَهِيَ" أَيْ الذَّرِيعَةُ "مَا" أَيُّ شَيْءٍ مِنْ الأَفْعَالِ، أَوْ٢ الأَقْوَالِ "ظَاهِرُهُ مُبَاحٌ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مُحَرَّمٍ" .
-
وَمَعْنَى سَدِّهَا: الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهَا لِتَحْرِيمِهِ٣.
-
وَأَبَاحَهُ٤ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ٥.
-
قَالَ٦ فِي الْمُغْنِي وَالْحِيَلُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ لا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ
vol. 5, p. 435مِنْ الدِّينِ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَا١ عَقْدًا مُبَاحًا يُرِيدَانِ٢ بِهِ مُحَرَّمًا، مُخَادَعَةً٣ وَتَوَسُّلاً إلَى فِعْلِ٤ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتِبَاحَةَ مَحْظُورَاتِهِ، أَوْ إسْقَاطَ وَاجِبٍ، أَوْ دَفْعَ حَقٍّ٥، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "إنَّهُمْ لَيُخَادِعُونَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا يُخَادِعُونَ صَبِيًّا لَوْ كَانُوا يَأْتُونَ الأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ٦" .
-
"فَمِنْ ذَلِكَ مَا٧ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَشَرَةٌ٨ صِحَاحًا، وَمَعَ آخَرَ خَمْسَ عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً، فَاقْتَرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا مَعَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ تَبَارَيَا٩ تَوَصُّلاً١٠ إلَى بَيْعِ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ١١ مُتَفَاضِلاً، أَوْ بَاعَهُ الصِّحَاحَ بِمِثْلِهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ، ١٢ثُمَّ وَهَبَهُ١٣ الْخَمْسَةَ١٢
vol. 5, p. 436الزَّائِدَةَ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِهَا أُوقِيَّةَ صَابُونَ، وَنَحْوَهَا مِمَّا يَأْخُذُهُ بِأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِعَشَرَةٍ إلاَّ حَبَّةً مِنْ الصَّحِيحِ بِمِثْلِهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ١ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ٢ بِالْحَبَّةِ الْبَاقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ٣ دَنَانِيرَ، وَهَكَذَا٤ لَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا وَ٥بَاعَهُ سِلْعَةً بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ اشْتَرَى٦ مِنْهُ سِلْعَةً بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا تَوَصُّلاً٧ إلَى أَخْذِ عِوَضٍ عَنْ الْقَرْضِ٨، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا٩ عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ: فَهُوَ خَبِيثٌ مُحَرَّمٌ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هَذَا كُلُّهُ وَأَشْبَاهُهُ١٠ جَائِزٌ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ١١.
vol. 5, p. 437وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ١: يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلا فِي الْبَيْعِ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ كُلَّ مَا لا٢ يَجُوزُ شَرْطُهُ فِي الْعَقْدِ يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلا عَلَيْهِ٣.
ثُمَّ قَالَ الْمُوَفَّقُ، وَلَنَا: أَنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَذَّبَ أُمَّةً بِحِيلَةٍ احْتَالُوهَا فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَسَمَّاهُمْ مُعْتَدِينَ٤، وَجَعَلَ ذَلِكَ نَكَالاً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ لِيَتَّعِظُوا بِهِمْ، وَيَمْتَنِعُوا مِنْ مِثْلِ أَفْعَالِهِمْ٥.