فصل في الأحكام
89 paragraphs · vol. 1, p. 300
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 300
...
-
فصل: "الأَحْكَامُ"
-
أَيْ: هَذَا فَصْلٌ نَذْكَرُ١ فِيهِ هُنَا نُبْذَةً مِنْ مَعَانِي الأَحْكَامِ. وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ اللُّغَةِ، شَرَعْنَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنْ الأَحْكَامِ، إذْ لا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ، وَحَاكِمٍ، وَمَحْكُومٍ فِيهِ، وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ.
-
وَالْكَلامُ الآنَ فِي الْحُكْمِ٢ فَنَقُولُ:
- "الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ" يُطْلَقُ بِثَلاثَةِ٣ اعْتِبَارَاتٍ:
-
أَحَدُهَا: "بِمَعْنَى مُلاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ٤" . كَقَوْلِنَا: إنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَسَنٌ، وَاتِّهَامُ الْبَرِيءِ قَبِيحٌ.
-
الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "أَوْ" بِمَعْنَى "صِفَةِ كَمَالٍ وَنَقْصٍ" كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ حَسَنٌ، وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ.
- vol. 1, p. 301
وَكُلٌّ مِنْهُمَا١ "عَقْلِيٌّ" أَيْ إنَّ الْعَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الشَّرْعِ٢.
-
"وَ" الثَّالِثُ: إطْلاقُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ "بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالثَّوَابِ، وَ" بِمَعْنَى "الذَّمِّ وَالْعِقَابِ: شَرْعِيٌّ، فَلا حَاكِمَ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعَقْلُ لا يُحَسِّنُ وَلا يُقَبِّحُ وَلا يُوجِبُ وَلا يُحَرِّمُ٣" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالأَشْعَرِيَّةِ٤.٥ قَالَهُ٦ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْفُقَهَاءِ٧.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ٥: لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ، وَلا يُضْرَبُ لَهَا الأَمْثَالُ، وَلا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاتِّبَاعُ.
- vol. 1, p. 302
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ١، مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْعَقْلُ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ، وَيُوجِبُ وَيُحَرِّمُ٢.
-
وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ قَوْلانِ٣.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي٤ الشَّيْخَ٥ تَقِيَّ الدِّينِ- وَغَيْرُهُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ثَابِتَانِ، وَالإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ بِالْخِطَابِ وَالتَّعْذِيبُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الإِرْسَالِ وَرَدُّ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الشَّرْعِيَّيْنِ إلَى الْمُلاءَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ؛ لأَنَّ الْحُسْنَ الشَّرْعِيَّ: يَتَضَمَّنُ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ الْمُلائِمَيْنِ. وَالْقُبْحُ الشَّرْعِيُّ: يَتَضَمَّنُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ الْمُنَافِرَيْنِ.
-
وَاخْتَارَ ابْنُ الْخَطِيبِ٦ فِي آخِرِ كُتُبِهِ: أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّيْنِ ثَابِتَانِ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ. انْتَهَى.
vol. 1, p. 303وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ أَيْضًا: لَيْسَ مُرَادُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ الأَحْكَامَ عَقْلِيَّةٌ: ١ أَنَّ الأَوْصَافَ ١ مُسْتَقِلَّةٌ بِالأَحْكَامِ، ٢ وَلا أَنَّ "٢ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ، أَوْ الْمُحَرِّمُ٣، بَلْ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ كَلَّفَ٤ بِتَرْكِ الْمَفَاسِدِ٥ وَتَحْصِيلِ٦ الْمَصَالِحِ. فَالْعَقْلُ أَدْرَكَ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ٧، ٨ لا أَنَّهُ ٨ أَوْجَبَ وَحَرَّمَ فَالنِّزَاعُ ٩ مَعَهُمْ: فِي ٩ أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَمْ لا؟
-
فَخُصُومُهُمْ يَقُولُونَ١٠: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ.
-
وَهُمْ يَقُولُونَ: بَلْ هَذَا عِنْدَ الْعَقْلِ مِنْ قِبَلِ الْوَاجِبَاتِ. فَكَمَا١١ يُوجِبُ الْعَقْلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِيمًا١٢ قَدِيرًا مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، كَذَلِكَ أَدْرَكَ وُجُوبَ مُرَاعَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَصَالِحِ وَلِلْمَفَاسِدِ. فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ١٣. انْتَهَى.
- vol. 1, p. 304
وَمِنْ قَوَاعِدِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ١ "لا حَاكِمَ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى" : أَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَهُ لَيْسَا لِذَاتِ الْفِعْلِ، وَلا لأَمْرٍ دَاخِلٍ فِي ذَاتِهِ٢، وَلا خَارِجٍ٣ لازِمٍ لِذَاتِهِ، حَتَّى يَحْكُمَ الْعَقْلُ بِحُسْنِ الْفِعْلِ، أَوْ قُبْحِهِ بِنَاءً عَلَى تَحَقُّقِ٤ مَا بِهِ مِنْ٥ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ٦.
-
وَالْحَنَفِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلُوا الْعَقْلَ حَاكِمًا صَرِيحًا فَقَدْ قَالُوا: حُسْنُ بَعْضِ الأَشْيَاءِ وَقُبْحُهَا لا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الأَشْيَاءِ بِأَنَّهَا مَنَاطٌ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ وَلا كِتَابٌ٧.
-
وَبَعْضُ تِلْكَ الأَحْكَامِ بَدِيهِيٌّ٨، وَبَعْضُهَا كَسْبِيٌّ٩، "وَلا يَرِدُ الشَّرْعُ
vol. 1, p. 305بِمَا يُخَالِفُ مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ١ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا٢".
قَالَ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ٣ وَغَيْرُهُمَا: مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ٤ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا٥ - كَالتَّوْحِيدِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ- لا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلافِهِ. وَمَا يُعْرَفُ بِتَوْلِيدِ الْعَقْلِ اسْتِنْبَاطًا أَوْ اسْتِدْلالاً، فَلا يُمْتَنَعُ أَنْ يَرِدَ بِخِلافِهِ٦.
-
وَمَعْنَاهُ لأَبِي الْخَطَّابِ. فَإِنَّهُ قَالَ: مَا ثَبَتَ بِالْعَقْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ٧:
- فَمَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ - كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالإِنْصَافِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ- فَلا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
-
- وَمَا كَانَ وَاجِبًا٨ لِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ، مِثْلِ: الأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا الَّتِي فِيهَا الْخِلافُ. فَيَصِحُّ أَنْ يَرْتَفِعَ الدَّلِيلُ وَالْعِلَّةُ، فَيَرْتَفِعَ٩ ذَلِكَ الْحُكْمُ. وَهَذَا غَيْرُ
vol. 1, p. 306مُمْتَنِعٍ. كَفُرُوعِ الدِّينِ كُلِّهَا. تَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ ثُمَّ تُنْسَخُ الأَدِلَّةُ فَيَرْتَفِعُ الْحُكْمُ١.
وَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ إذَا كَانَ الْعَقْلُ لا يُحِيلُهُ كَتَكْلِيفِ مَا لا يُطَاقُ٢، وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُرِيدُ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَسَنِهَا وَقَبِيحِهَا وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى الْقَبِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
-
"وَالْحُسْنُ" شَرْعًا "وَالْقُبْحُ شَرْعًا: مَا أَمَرَ بِهِ" اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْحُسْنِ "وَمَا نَهَى عَنْهُ" اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا٣ رَاجِعٌ لِلْقَبِيحِ٤.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إذَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِفِعْلٍ، فَهُوَ حَسَنٌ بِالاتِّفَاقِ. وَإِذَا نَهَى عَنْ فِعْلٍ ٥ فَهُوَ قَبِيحٌ ٥ بِالاتِّفَاقِ، وَلَكِنَّ٦ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ ٧ إمَّا أَنْ ٧ يَنْشَأَ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَمَا يُقَالُ، أَوْ٨ يَنْشَأَ
vol. 1, p. 307عَنْ تَعَلُّقِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ١، أَوْ مِنْ الْمَجْمُوعِ.
-
فَالأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلِهَذَا لا يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا٢.
-
وَالثَّانِي: قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الطَّوَائِفِ٣.
-
وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْشَأُ عَنْ الأَمْرَيْنِ. فَتَارَةً يَأْمُرُ بِالْفِعْلِ لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الأَمْرِ، دُونَ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَهُوَ٤ الَّذِي يَجُوزُ نَسْخُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ٥، كَنَسْخِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ إلَى خَمْسٍ٦. وَكَمَا نُسِخَ أَمْرُ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٧ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ٨ الْفِعْلِ نَفْسِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ مِنْ الْفِعْلِ حَصَلَتْ بِالأَمْرِ٩.
-
"وَ" الْحَسَنُ "عُرْفًا" أَيْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ "مَا لِفَاعِلِهِ فِعْلُهُ" أَيْ أَنْ يَفْعَلَهُ، "وَعَكْسُهُ" أَيْ: وَالْقَبِيحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا لَيْسَ لِفَاعِله١٠ أَنْ يَفْعَلَهُ١١.
- vol. 1, p. 308
"وَلا١ يُوصَفُ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ" مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ "بِحُسْنٍ وَلا قُبْحٍ" ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلا مَحْظُورٍ٢.
-
"وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ" سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ٣ جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْقُوَى وَالأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الْمُدْرِكَةِ وَالْمُحَرِّكَةِ فِيمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لأَجْلِهِ٤، كَاسْتِعْمَالِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ رَحْمَتِهِ، لِيُسْتَدَلَّ عَلَى صَانِعِهَا، وَكَذَا السَّمْعُ وَغَيْرُهُ.
-
"وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى" وَهِيَ٥ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِ ذَاتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ٦ فِيمَا يَزَلْ وَلا يَزَالُ دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، لاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلاً عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
-
"وَهِيَ" أَيْ مَعْرِفَتُهُ جَلَّ وَعَلا "أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ" عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالنَّظَرِ فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ٧.
- vol. 1, p. 309
"وَاجِبَانِ" أَيْ شُكْرُ الْمُنْعِمِ١ وَمَعْرِفَتُهُ "شَرْعًا" أَيْ: بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ لا يُوجِبُ وَلا يُحَرِّمُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ٢.
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: بِالْعَقْلِ دُونَ الشَّرْعِ٣.
- vol. 1, p. 310
وَعَنْ الأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. نَقَلَهُ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ "جَامِعِ الأَنوار١، لِتَوْحِيدِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ" .
-
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّظَرَ وَالْمَعْرِفَةَ لا يَقَعَانِ ضَرُورَةً٢. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدَّمَهُ٣ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "بَابِ الْمُرْتَدِّ" ٤ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ" وَغَيْرُهُمَا.
-
وَقَالَ٥ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: بَلْ هُمَا كَسْبِيَّانِ. انْتَهَى.
وَقَالَ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٦: إنَّهُمَا يَقَعَانِ ضَرُورَةً٧، فَلا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِمَا بِأَدِلَّةِ٨ الْعَقْلِ. وَحَمَلَ٩ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ١٠ الْفِطْرِيَّةِ. كَمَعْرِفَةِ إبْلِيسَ. لا الْمَعْرِفَةِ الإِيمَانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: لا يَتَأَتَّى أَنَّهُ مُطِيعٌ فِي نَظَرِهِ، لأَنَّهُ
vol. 1, p. 311لا تَصِحُّ طَاعَةُ مَنْ لا يَعْرِفُ، وَلا مَعْرِفَةُ مَنْ١ لَمْ يَنْظُرْ٢.
-
"وَ" اُخْتُلِفَ: هَلْ بَيْنَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، أَمْ لا؟
-
فَـ٣ "فِي قَوْلٍ: لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَقْلاً" قَالَ الرَّازِيّ: لا فَرْقَ بَيْنَ الشُّكْرِ وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَقْلاً. فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّكْرَ عَقْلاً أَوْجَبَ الْمَعْرِفَةَ، وَمَنْ لا فَلا، قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ النَّظَرِيَّاتِ، لا مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ. قَالَ الأُرْمَوِيُّ٤ فِي "الْحَاصِلِ" : هُمَا مُتَلازِمَانِ٥.
-
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشُّكْرَ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ٦؛ لأَنَّ الشُّكْرَ عِنْدَهُمْ إتْعَابُ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ٧، كَالنَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى الآيَاتِ، وَالذِّهْنِ إلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا٨. فَعِنْدَهُمْ مُدْرِكُ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَقْلِيٌّ لِلْبُرْهَانِ الْكُلِّيِّ٩ الْعَقْلِيِّ، وَمُخَالِفُوهُمْ
vol. 1, p. 312يَقُولُونَ: مُدْرِكُهُ السَّمْعُ لا الْعَقْلُ١.
-
"وَفِعْلُهُ تَعَالَى" وَتَقَدَّسَ "وَأَمْرُهُ لا لِعِلَّةٍ وَلا لِحِكْمَةٍ٢ فِي قَوْلٍ " اخْتَارَهُ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ٣. وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ٤، وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ٥.
-
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ. اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ٦، وَابْنُ الْقَيِّمِ٧، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. وَحَكَاهُ عَنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ٨ بِوُجُوبِ الصَّلاحِ. وَلَهُمْ فِي
vol. 1, p. 313الأَصْلَحِ قَوْلانِ١.
-
وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ، لا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ.
-
وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ٢ الأَمْرَيْنِ. قَالَ٣ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ٤ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ قَوْلانِ، وَالأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ٥.
-
وَالْحِكْمَةِ: هَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الرَّبِّ تَعَالَى، لا تَقُومُ بِهِ، أَوْ قَائِمَةٌ [بِهِ] ٦، مَعَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُنْفَصِلِ أَيْضًا؟ لَهُمْ فِيهِ قَوْلانِ. وَهَلْ تَتَسَلْسَلُ٧ الْحِكَمُ، أَوْ لا تَتَسَلْسَلُ٨؟ أَوْ تَتَسَلْسَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي؟ فِيهِ أَقْوَالٌ٩.