باب بيان أقسام السنة
71 paragraphs · vol. 1, p. 128
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 138
وحديث المصرّاة عارض قوله تعالى:
vol. 1, p. 139{فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم} .
-
(والثالث) من الأقسام الأربعة (ما جعل الخبر فيه حجة) وهي حقوق الله تعالى، وهي العبادات والعقوبات عند أبي يوسف (رحمه الله) وحقوق العباد.
-
(والرابع) من الأقسام الأربعة المختصة بالسنة (في بيان نفس الخبر وهو أربعة أقسام) :
(متحتم الصدق) لإحاطة العلم بذلك، كخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن يسمعه منه؛ لأنه ثبت بالدليل القاطع عصمته.
-
(وحكمه: اعتقادُه) : أي وجوب اعتقاده (والائتمارُ به) لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} .
-
(وقسم متحتم الكذب) قالوا: كدعوى فرعون الربوبية.
قلت: ليس هذا مما نحن فيه، والله أعلم.
-
(وحكمه: اعتقاد بطلانه) .
-
(وقسم يحتملهما) : أي الصدق والكذب، كخبر الفاسق يحتمل الصدق باعتبار دينه، ويحتمل الكذب باعتبار فسقه.
-
(وحكمه: التوقف فيه) ؛ لاستواء الجانبين، وقد قال تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} .
-
(وقسم ترجح أحد احتماليه) ، وهو جانب صدقه لتمثيلهم له بخبر العدل المستجمع لشرائط الرواية.
- vol. 1, p. 140
(وحكمه: العمل به) للدلائل الدالة على ذلك كما تقدم (دون اعتقاد حقيته) .
- ولهذا النوع أطراف ثلاثة:
-
طرف السماع: وهو أن تقرأ على المحدث، أو يقرأ المحدث عليك، أو يقرأ بحضرته وأنت تسمع، وهذا عزيمة، والرخصة: الإجازة.
-
وطرف الحفظ: والعزيمة فيه: حفظ المروي من وقت السماع إلى وقت الأداء، الرخصة: الاعتماد على الكتاب المسموع.
-
وطرف الأداء: والعزيمة فيه: أن يؤدى بلفظه كما سمع، والرخصة: أن ينقله بمعناه، وقد منعه بعضهم.
-
والصحيح عندنا تفصيل: إن كان مُحكَماً يجوز للعالم باللغة.
-
وإن كان ظاهراً يحتمل الغير: كعام يحتمل الخصوص، وحقيقة تحتمل المجاز، يجوز للمجتهد فقط.
-
وما كان مشتركاً أو مجملاً أو متشابهاً أو من جوامع الكلم، فلا يجوز أصلاً.
-
وقد يلحق الحديثَ الطعنُ:
أما من الراوي بأن أنكر الرواية عنه إنكارَ جاحد، بأن قال: كذبتَ عليَّ أو ما رويتُ لك، وفي هذا الوجه يسقط العمل بالحديث.
- vol. 1, p. 141
وإن أنكر إنكاراً موقوفاً، بأن قال: لا أذكر أني رويت لك هذا ولا أعرفه، ففيه خلاف.
-
أو عمل بخلافه بعد الرواية مما هو خلاف بيقين، فيسقط العمل به أيضاً.
-
كما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) ) ثم إن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها بلا إذن وليها.
-
وكما روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً) ) كما في ((الصحيحين) ).
- vol. 1, p. 142
وعمل بالثلاث كما رواه الطحاوي وغيره عنه.
-
ويشكل عليه أن ابن عمر روى قصّة حِبان بن مُنْقِذ في الخيار ثلاثة أيام، وقال في ((الهداية) ) عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز الخيار شهرين.
- vol. 1, p. 143
وكذا ترك الراوي العمل بالحديث، كما روى ابن عمر: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه) ) كما في الصحيحين، وترك ذلك، كما روى محمد في ((موطئه) ) وغيره عن عبد العزيز بن حكيم قال: ((رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك) )، وعن مجاهد قال: ((صليت خلف ابن عمر فلم يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة) ).
- vol. 1, p. 144
وكذا عمل الصحابة (رضي الله عنهم) بخلافه إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء عليهم، كحديث حذيفة ((البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام) ) وما روي ((أن عمر - رضي الله عنه - نفى رجلاً
فلحق بالروم مرتداً، فحلف أن لا ينفي أحداً أبداً))، فلما ترك النفي والحديث لا يخفى عليهم؛ لأن إقامة الحد مفوض إلى الإمام، ومبنيٌّ على الشهرة، علم أنه ليس من تمام الحدّ.
قالوا: وإن كان من جنس ما يحتمل الخفاء، كحديث القهقهة في الصلاة رواه زيد بن خالد الجهني وروي عن أبي موسى الأشعري
vol. 1, p. 145أنه لم يعمل به، فلا يوجب جرحاً؛ لأنه من الحوادث الشاذة فاحتمل الخفاء على أبي موسى.
قلت: لم يخف على أبي موسى لأنه رواه كما أخرجه عنه الطبراني، بالأسانيد الصحيحة، فيكون مما رواه وعمل بخلافه. على هذا [لكن روى الطحاوي عن أبي موسى أن مذهبه إيجاب الوضوء من القهقهة والله أعلم] وأما قولهم: إن زيد بن خالد رواه، فمما لم يوجد في ((مسنده) ) في شيء من الكتب التي بأيدي أهل العلم الآن، وقد رواه الأئمة عن أبي حنيفة [رضي الله عنه] من غير طريق زيد؛ فرواه محمد من مرسل الحسن، ورواه غيره من طريق معبد، والله أعلم.
-
وتعيين الراوي بعض محتملات لفظ الحديث لا يمنع العمل بظاهر الحديث، كتعيين ابن عمر - رضي الله عنه - أن التفرق بالأبدان في الحديث المتفق عليه ((البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا) ) لم يمنع من حمل التفرق على الأقوال.
- vol. 1, p. 146
ولا يسمع الجرح في الراوي إلا مفسراً بما هو قادح متفق عليه.
-
ولا يجرح بالتدليس، قالوا: وهو كتمان انقطاع في الحديث، مثل أن يقول: حدثني فلان عن فلان، ولا يقول: قال حدثني فلان، أو قال: أخبرني فلان، والصحيح أن هذا ليس بجرح؛ لأنه يوهم شبهة الإرسال، وحقيقة الإرسال ليس بجرح فشبهته أولى.
قلت: التدليس عندهم إحداث الانقطاع لا كتمانه؛ لأنه إسقاط راوٍ من السند أو أكثر، ولا يختص بهذه الصورة، بل يكون بإسقاط شيخه الذي سمع منه،
vol. 1, p. 147وهذه الصورة التي ذكروها تسمى عندهم تدليس التسوية: وهي شرّ أنواع التدليس، وحينئذٍ فهو تحقق الإرسال لا أنه يوهم.
-
ثم إن المدلسين عندهم ما عدا سفيان بن عيينة إنما يسقطون الضعيف، فلا يصحّ أن يقال عليهم ما ذكر، من أن حقيقة الإرسال ليس بجرح؛ لأن المرسل عندنا إنما أرسل عن ثقة عنده.
-
ولا يجرح بالتلبيس: وهو أن يذكر الشيخ بما لا يشتهر به، ويسمّى هذا عند المحدثين تدليس الشيوخ، ومضرّته في المتقدمين نوعين طريق معرفة المحدث.