٧٧١ - إجارة الحيوان لأخذ لبنه

61 paragraphs · vol. 1, p. 539

Page 2 of 2

  1. ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجوَّز مالك ذلك، تبعًا للأرض في قدر الثلث.

    قال شيخنا: والصواب ما فعله عمر - رضي الله عنه -، فإن الفرق بين البيع والضمان، هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحب حتى يشتد، ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة، مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله، فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحب نظير الثمر، والشجر نظير الأرض، والعمل نظير العمل، فما الذي حرم هذا وأحل هذا؟

    vol. 1, p. 552
  2. وهذا بخلاف المشتري، فإنه يشتري ثمرا، وعلى البائع مؤونة الخدمة والسقي والقيام على الشجر، فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤونة الزرع والقيام عليه.

  3. فقد ظهر انتفاء القياس والنص، كما ظهر انتفاء الإجماع، بل القياس الصحيح مع المجوزين، كما معهم الإجماع القديم.

  4. فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع.

  5. قيل: الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر، كما حصل الحب بعمله في الأرض المستأجرة.

  6. فإن قيل: الفرق أن الحب حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجر.

    vol. 1, p. 553
  7. قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة، فسوى بينهما، والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل الملك، والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة.

  8. فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة، التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى، لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة، فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها، فهذا محض القياس، وعمل الصحابة، ومصلحة الأمة. وبالله التوفيق.

  9. والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجرونه الأرض، وليست مقصودة له البتة، ويساقونه على الشجر من ألف جزء، على جزء مساقاة غير مقصودة، وإجارة غير مقصودة، فجعلوا ما لم يقصد مقصودا، وما قصد غير مقصود! وحابوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون، ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة، ولا يسوغ اشتراط أحد العقدين في الآخر، بل كل عقد مستقل بحكمه، فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من القياس؟ والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة بعد ما بين المشرقين.

  10. فصل

    فهذا الكلام على المقام الأول، وهو: كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبين بطلانه.

    vol. 1, p. 554
  11. وأما المقام الثاني، وهو: أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه، وهي إجارة الظئر على خلاف القياس، فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد، وهو: أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل: لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الذي دلت عليه الأصول: أن الأعيان التي تحدث شيئًا فشيئًا، مع بقاء أصلها= حكمها حكم المنافع، كالثمر في الشجر، واللبن في الحيوان، والماء في البئر، ولهذا سوى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف: تحبيس الأصل، وتسبيل الفائدة، فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى، وأن تكون ثمرة، وأن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها.

  12. وكذلك في باب التبرعات: كالعارية، لمن ينتفع بالمتاع، ثم يرده، والعرية: لمن يأكل ثمر الشجرة، ثم يردها، والمنيحة: لمن يشرب لبن الشاة، ثم يردها، والقرض: لمن ينتفع بالدراهم، ثم يرد بدلها القائم مقام عينها.

  13. فكذلك في الإجارة: تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا، وتارة للعين التي تحدث شيئًا من بعد شيء مع بقاء الأصل، كلبن الظئر، ونقع البئر، فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء، مع بقاء الأصل= كانت كالمنفعة، والمسوغ هو: ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئًا فشيئًا، سواء كان الحادث عينًا أو منفعة، وكونه جسما أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع، مع اشتراكهما في

    vol. 1, p. 555المقتضي للجواز، بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز، فإن الأجسام أكمل من صفاتها.

  14. وطرد هذا القياس: جواز إجارة الحيوان ــ غير الآدمي ــ لرضاعه، فإن الحاجة تدعو إليه، كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها، ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها، والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان:

    أحدهما: أن يشترى اللبن مدة، ويكون العلف والخدمة على البائع= فهذا بيع محض.

  15. والثاني: أن يسلمها، ويكون علفها وخدمتها عليه، ولبنها له مدة الإجارة= فهذا إجارة، وهو كضمان البستان سواء، وكالظئر، فإن اللبن يستوفى شيئًا فشيئًا مع بقاء الأصل، فهو كاستئجار العين، ليسقي بها أرضه، وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدة للبنه، ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه، ومنهم من منعه، ومنهم من شرط فيه شروطًا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه.

  16. والصواب: الجواز، وهو موجب القياس المحض، فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين، وبالله التوفيق) [إعلام الموقعين ٢/ ٢٢ - ٣٤] (١) .

    1. (١)هذا النص ضمن الجواب الذي سبقت الإشارة إليه (ص ٥٨ - ٥٨)، وهو في «الفتاوى» (٢٠/ ٥٣١ - ٥٥٢) مع إضافات كثيرة هنا، ويسيرة هناك.
  17. - وقال أيضًا: (وليس في القرآن إجارة منصوص عليها في شريعتنا، إلا إجارة الظئر، بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ

    vol. 1, p. 556بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٦] ، قال شيخنا: وإنما ظن الظان أنها خلاف القياس، حيث توهم أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة، وليس الأمر كذلك، بل الإجارة تكون على كل ما يستوفى مع بقاء أصله، سواءً كان عينًا أو منفعة، كما أن هذه العين هي التي توقف وتعار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعير، بلا عوض يستوفيه المستأجر وبالعوض.

  18. فلما كان لبن الظئر مستوفى مع بقاء الأصل= جازت الإجارة عليه، كما جازت على المنفعة، وهذا محض القياس، فإن هذه الأعيان: يحدثها الله شيئًا بعد شيء، وأصلها باقٍ، كما يحدث الله المنافع شيئًا بعد شيء وأصلها باقٍ) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٦] (١) .

    1. (١)«الفتاوى» (٣٠/ ٢٣٠).
  19. - وقال أيضا: (فالأقوال في العقد على اللبن في الضرع ثلاثة:

    أحدها: منعه بيعًا وإجارة، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة.

  20. والثاني: جوازه بيعًا وإجارة.

  21. والثالث: جوازه إجارة لا بيعًا، وهو اختيار شيخنا - رحمه الله -) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٩ ــ ٨٣٠] .