القسم الثاني مجتهد في مذهب إمامه، أو إمام غيره
68 paragraphs · vol. 1, p. 158
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 158
وَأَحْوَالهُ أرْبَعَةٌ:
- الْحَالةُ الْأُولَى:
-
أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لِإِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ، لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي الاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى، وَدَعَا إِلَى مَذْهَبِهِ، وَقَرَأَ كَثِيرًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ؛ فَوَجَدَهُ صَوَابًا، وَأوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَدَّ مُوَافَقَةً فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ.
-
وَقَدِ ادَّعَى هَذَا مِنَّا [الْقَاضِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ] (١) فِي "شَرْحِ الإِرْشادِ" (٢) الَّذِي لَهُ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُمَا.
-
وَمِنَ (٣) الشَّافِعِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ (٤) .
-
وَاخْتَلَفَتِ (٥) الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ؛ هَلْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ مُسْتَقِلِّينَ أَوْ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ؟ (٦)
- vol. 1, p. 159
* وَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورِ؛ كَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَالاِعْتِدَادِ بِهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ (١) .
- vol. 1, p. 160
فَصْلٌ
* وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالْفَتْوَى [فِيهِ] (١) عَنْ نَفْسِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ؟
- عَلَى وَجْهَيْنِ:
-
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَيَكُونُ مُتَّبِعُهُ مُقَلَّدًا لِلْمَيِّتِ لَا لَهُ.
-
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ، لَا لِلْمَيِّتِ، وَالسَّائِلُ إِنَّما أَرَادَ الاسْتِفْتَاءَ عَلَى قَوْلِ الْمَيِّتِ" (٢) .
-
وَالأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُسْتَفْتِيَهُ عَمِلَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ الَّذِي عَرَفَ الْمُفْتِي صِحَّتَهُ بِالدَّلِيلِ، فَقَدْ وَافَقَهُ [فِيهِ] (٣) ؛ فَصَحَّتْ فُتْيَاهُ.
-
* وَإِنْ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ - فِي وَجْهٍ لَنَا بَعِيدٍ وَمَذْهَبٍ لِغَيْرِنَا ضَعِيفٍ-؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَجَدَّدَ النَّظَرَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمَسْأَلةِ حِينَ الْفَتْوَى -وَفِي وُجُوبِهِ (٤) مَذْهَبَانِ، سَنَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى- [؛ فَلَا يُفْتِي السَّائِلَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ.
-
وَعَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْفَتْوَى أَدْرَكْنَا الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الفُتْيَا] (٥) .
- الْحَالةُ الثَّانِيةُ:
-
أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، مُسْتَقِلًّا بِتَقْرِيرِهِ بِالدَّلِيلِ، لَكِنْ لَا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ، مَعَ إِتْقَانِهِ لِلفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا (١) بِالقِيَاسِ وَنحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الفُرُوعِ بِالْأُصُولِ وَالقَواعِدِ الَّتِي لإمَامِهِ.
-
وَقِيلَ (٢) : "وَلَيْسَ مِنْ [شَرْطِهِ: مَعْرِفَةُ هَذَا] (٣) عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَاللُّغَةَ، وَالْعَرَبِيَّةَ؛ لِكَوْنِهِ يَتَّخِذُ نُصُوصَ (٤) إِمَامِهِ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا الأْحْكَامَ؛ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، وَقَدْ يَرَى حُكْمًا ذَكَرَهُ إِمَامُهُ بِدَليلٍ، فَيَكْتَفِي بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَحْيثٍ عَنْ مُعَارِضٍ أَوْ غَيْرِهِ" . وَهُوَ بَعِيدٌ.
-
وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْأَوْجُهِ وَالطُّرُقِ فِي الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ حَال أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ الْآنَ.
-
* فَمَنْ عَمِلَ بِفُتْيَا هَذَا؛ فَقَدْ قَلَّدَ إِمَامَهُ دُونَهُ؛ لِأَنَّ مُعَوَّلَهُ عَلَى صِحَّةِ إِضَافَةِ مَا يَقُولُ إِلَى إِمَامِهِ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِتَصْحِيحِ نِسْبَتِهِ إِلَى الشَّارعِ بِلَا وَاسِطَةِ إِمَامِهِ.
-
وَالظَّاهِرُ: مَعْرِفتهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثٍ وَلُغَةٍ وَنَحْوٍ.
-
وَقِيلَ (٥) : "إِنَّ فَرْضَ الْكِفَايةِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ؛ لَأَنَّ تَقْلِيدَهُ نَقْصٌ وَخَلَلٌ فِي الْمَقْصُودِ" .
- vol. 1, p. 162
وَقِيلَ (١) : "يَتَأَدَّى بِهِ فِي الفَتْوَى، لَا فِي إِحْيَاءِ الْعُلُومِ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مِنْها الفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِي فَتْوَاهُ مَقَامَ إِمَامٍ مُطْلَقٍ، فَهُوَ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا كَانَ يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ حِينَ كَانَ حَيًّا قَائِمًا بِالفَرْضِ مِنْهَا" .
-
وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ.
-
* ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ اسْتِقْلالٌ بِالاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى فِي مَسْألَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ بَابٍ خَاصٍّ.
-
* وَيَجُوزُ (٢) لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَنْ إِمَامِهِ لِمَا (٣) يُخْرِّجُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
-
وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، وَهُوَ أَصَحُّ.
-
فَالْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ -مَثَلًا- إِذَا أَحَاطَ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَتَدَرَّبَ فِي مَقَايِيسِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ؛ تَنَزَّلَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بمَنْصُوصَاتِهِ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فِي إِلْحَاقِهِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
-
وَهَذَا أَقْدَرُ عَلَى ذَا مِنْ ذَاكَ [عَلَى ذَاكَ] (٤) ، فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ قَوَاعِدَ مُمَهَّدَةً، وَضَوَابِطَ مُهَذَّبَةً، مَا لَا يَجِدُهُ (٥) الْمُسْتَقِلُّ (٦) فِي أُصُولِ الشَّرْعِ (٧) وَنُصُوصِهِ.
- vol. 1, p. 163
وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] (١) أَحْمَدُ -رضي الله عنه- عَمَّنْ يُفْتِي بِالْحَدِيثِ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ (٢) إِذَا حَفِظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ؟
فَقَال: "أَرْجُو" .
-
فَقِيلَ لِأَبِي إِسْحَاقَ ابْنِ شَاقْلَا: فَأَنْتَ تُفْتِي، وَلَسْتَ تَحْفَظُ هَذَا القَدْرَ؟
فَقَال: "لَكِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ" يَعْنِي الإِمَامَ أَحْمَدَ (٣) .
-
* ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ -فِيمَا يُفْتِيهِ بِهِ مِنْ تَخْرِيجِهِ هَذَا- مُقَلِّدٌ لِإمَامِهِ لَا لَهُ.
-
وَقِيلَ: "مَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ عَلَى مَذْهَبِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ (٤) إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُهُ؟ "
-
فِيهِ لَنَا وَلِغَيرِنَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ.
-
* وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ هُوَ: "الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَقْوَالِهِ، كَمَا يَتَمَكَّنُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى [كُلِّ] (٥) مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَوِ (٦) السُّنَّةُ أَوِ الاسْتِنْبَاطُ" .
- vol. 1, p. 164
* ولَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يُفْتِي بِهِ، بِحَيْثُ يَحْكُمُ فِيمَا يَدْرِي، وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي، بَلْ قَدْ يَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ، وَيَجْتَهِدُ العَامِّيُّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ وَيَتَّبِعُهُ.
-
* ثُمَّ تَخْرِيجُهُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ نَصٍّ مُعَيَّنٍ لِإِمَامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيِّنَةٍ، وَتَارَةً لَا يَجِدُ لِإِمَامِهِ نَصًّا مُعَيَّنًا [يُخَرِّجُ مِنْهُ] (١) ؛ فَيُخَرِّجُ عَلَى وَفْقِ أُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ، بِأَنْ يَجِدَ (٢) دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ إِمَامُهُ، وَعَلَى شَرْطِهِ، فَيُفْتِيَ بِمُوجَبِهِ.
-
وَجَعْلُ هَذَا مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ بَعِيدٌ.
-
* ثمَّ إِنْ وَقَعَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّخْرِيجِ فِي صُورَةٍ فِيهَا نَصٌّ رمَامِهِ مُخَرَّجًا (٣) -هُوَ فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّهِ فِيهَا- مِنْ نَصٍّ آخَرَ فِي (٤) صُورَةٍ أُخْرَى، سُمِّيَ (٥) : "قَوْلًا مُخَرَّجًا (٦) " ؛ كَنَصِّهِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ (٧) فِي وَقْتَيْنِ، فَيُخَرِّجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي الْأُخْرَى، فَيَكُونُ لَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ: قَوْلٌ مَنْصُوصٌ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ.
-
وَإِنْ قُلْنَا: "الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلَيْهِ [فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ] (٨) لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ" ؛ لَمْ يَجُزِ
vol. 1, p. 165النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ.
-
[وَيَجُوزُ عَكْسُهُ. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصْحَابِنَا.