مسألة: (يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأربعة)
20 paragraphs · vol. 6, p. 168
- vol. 6, p. 168
الأصل في ذلك: ما رُوي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان (٢) إذا طاف بالبيت الطوافَ الأول خَبَّ ثلاثًا ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطن المسيل (٣) إذا طاف بين الصفا والمروة (٤) .
-
وفي رواية: رملَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا (٥) .
-
وفي رواية: «رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف في الحج أو العمرة أولَ ما يقدَمُ، فإنه يسعى ثلاثةَ أطوافٍ بالبيت ويمشي أربعةً» (٦) متفق عليهن.
-
وقد تقدّم مثل ذلك في حديث جابر في صفة حجة الوداع، وهي آخر نُسكٍ فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية: «رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رملَ من الحجر
vol. 6, p. 169الأسود حتى انتهى إليه، ثلاثةَ أطواف». رواه مسلم (١) .
-
وأصل ذلك: ما روى ابن عباس قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال المشركون: إنه يَقْدَمُ عليكم وقد (٢) وَهَنَتْهم حمَّى يثرب، وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرمُلوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه [أن يأمرهم] (٣) أن يرمُلُوا الأشواطَ كلها إلّا الإبقاءُ عليهم. متفق عليه. وهذا لفظ البخاري (٤) .
-
ولفظ مسلم (٥) : «لما قدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وقد وَهَنَتْهم حمَّى يثرب قال المشركون: إنه يقدَمُ عليكم غدًا قوم قد وهنَتْهم الحمّى، ولَقُوا منها شدّةً، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرمُلوا ثلاثةَ أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنَتْهم، هؤلاء أجلدُ من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلوا الأشواطَ كلها إلا الإبقاءُ عليهم.
-
وفي رواية عنه: «إنما رمَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليُرِيَ المشركين قوتَه». متفق عليه (٦) .
- vol. 6, p. 170
فكان أول الرمَل هذا، ولذلك لم يرمُلوا بين الركنين اليمانيين؛ لأن المشركين كانوا من ناحية الحِجْر عند قُعَيْقِعَان لم يكونوا يرون مَنْ بين الركنين.
-
وكان هذا في عمرة القضية، ثم اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك عمرة الجِعرانة ومكةُ دار إسلام، ثم حجَّ حجة الوداع وقد نفى الله الشرك وأهله، ورمل من الحَجَر إلى الحجر، فكان هذا آخر الأمرين منه، فعُلِم أن الرمل صار سنةً.
-
عن ابن عباس قال: رملَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّته وفي عُمَرِه كلها، وأبو بكر وعمر والخلفاء. رواه أحمد (١) ، وقد رواه أبو داود في «مراسيله» (٢) عن عطاء: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعى في عُمَرِه كلها بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - والخلفاء هَلُمَّ جرًّا يسعَون كذلك. قال: «وقد أُسنِد هذا الحديث، وهذا الصحيح» (٣) .
-
وعن عمر أنه قال: «ما لنا وللرمَلِ؟ وإنما راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله» . ثم قال: «شيء صنَعه (٤) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا نحبُّ أن نتركه».
- vol. 6, p. 171
رواه البخاري وابن ماجه (١) .
-
وقد تقدّم عنه وعن ابن عباس في الاضطباع نحو ذلك.
-
فصل
قال أصحابنا: يُستحبّ للطائف الدنوُّ من البيت في الطواف، إلا أن يؤذي غيره أو يتأذّى بنفسه، فيخرج إلى حيث أمكنه، وكلّما كان أقرب فهو أفضل، وإن كان الأبعد أوسعَ مطافًا وأكثر خُطًى.
-
فإن لم يمكنه الرمَلُ مع القرب لقوة الازدحام: فإن رجا أن يخفُّ الزَّحْم (٢) ولم يتأذَّ أحدٌ بوقوفه انتظر ذلك، ليجمع بين قربه من البيت وبين الرمل، فإن ذلك مقدَّم على مبادرته إلى تمام الطواف، وإن كان الوقوف لا يُشرع في الطواف. قال أحمد: فإن لم تقدر أن ترمل فقُمْ حتى تجد مسلكًا ثم ترمل.
-
فإن لم يُمكِنه الجمعُ بين القرب والرمل، فقال القاضي وغيره: يخرج إلى حاشية المطاف فيرمل (٣) ؛ لأن الرمل أفضل من القرب؛ لأنه هيئة في نفس العبادة، بخلاف القرب فإنه هيئة في مكانها.
وقال ابن عقيل: يطوف قريبًا على حسب حاله؛ لأن الرمل هيئة، فهو كالتجافي في الركوع والسجود، ولا يترك الصف الأول لأجل تعذُّرها، فكذلك هنا لا يترك المكان القريب من البيت لأجل تعذُّر الهيئة.
vol. 6, p. 172والأول ... (١) ؛ لأن الرمل سنة [ق ٣٢٩] مؤكدة بحيث يُكره تركها، والطواف من حاشية المطاف لا يكره، بخلاف التأخُّر إلى الصف الثاني في الصلاة فإنه مكروه كراهةً شديدة.
-
والفرق بين الصف الأول وبين داخل المطاف أن المصلّين في صلاة واحدة، ومن سنة الصلاة إتمام الصف الأول، بخلاف الطائفين فإن كل واحد يطوف منفردًا في الحكم، فنظير ذلك أن يصلّي منفردًا في قِبليّ المسجد مع عدم إتمام هيئات الصلاة، فإن صلاته في مؤخَّره مع إتمامها أولى.
-
وأيضًا فإن تراصَّ الصفِّ وانضمامه سنة في نفسه، فاغْتُفِر في جانبها زوال التجافي، بخلاف ازدحام الطائفين فإنه ليس مستحبًّا، وإنما هو بحسب الواقع.
-
وأيضًا فإن فضيلة الصف الأول ثبتت بنصوص كثيرة، بخلاف داخل المطاف، على أن المسألة التي ذكرها فيها نظر.
-
فأما إن خاف إن خرج أن يختلط بالنساء طاف على حسب حاله، ولم يخرج.