مسألة: (ولمس الذكر بيده)

30 paragraphs · vol. 2, p. 310

  1. مسُّ الذكر ينقض الوضوء في ظاهر المذهب. وروي عنه أنه لا ينتقض (٥) لما روى قيس بن طَلْق عن أبيه قال: قال رجل: يا نبيَّ الله، ما ترى في مسِّ الرجل ذكرَه بعد ما يتوضأ؟ فقال: «هل هو إلا بَضْعةٌ منه» رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا أحسن شيء في هذا الباب (٦) .

    vol. 2, p. 310
  2. وعن أبي أمامة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مسِّ الذكر فقال: «إنما هو جزء منك» رواه ابن ماجه (١) .

    vol. 2, p. 311
  3. ولأنه عضو منه، فلم ينقُض كسائر الأعضاء. وهذا لأن النقض إما بخارجٍ أو بمظنَّة خارجٍ، وكلاهما مفقود. وعلى هذه الرواية الوضوء منه مستحبّ، ونصَّ عليه حملًا لأحاديث الأمر به على ذلك توفيقًا [٩٨/أ] بين الأحاديث في ذلك والآثار.

  4. والصحيح: الأول، لما روت بُسْرةُ بنت صفوان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مسَّ ذكرَه فلا يُصَلِّ حتى يتوضأ» رواه الخمسة (٢) .

  5. وفي لفظ النسائي: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ» (١) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أحمد: حديث بُسرة صحيح (٢) .

    vol. 2, p. 312
  6. وعن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مسَّ فرجَه فليتوضأ» رواه ابن ماجه والأثرم (٣) . قال الإمام أحمد: حديث أم حبيبة صحيح. وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح.

  7. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس دونه سَتْر، فقد وجب عليه الوضوء» رواه الشافعي وأحمد (٤) .

    vol. 2, p. 313وقال أبو علي بن السكن: هذا من أجود ما روي في هذا الباب (١) .

  8. وقد رُوي النقض به عن بضعة عشر من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وجاء النقضُ بمسِّه عن عمر (٢) ، وسعد بن أبي وقاص (٣) ، وأبي هريرة (٤) ، وزيد بن خالد، والبراء بن عازب (٥) ، وابن عمر (٦) ، وابن عباس (٧) ، وجابر بن عبد الله (٨) ، وأنس بن مالك (٩) - رضي الله عنهم -. وهو شيء لا يُدرَك بالرأي والقياس، فعُلِمَ أنهم قالوا عن توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يعارض هذا أنّ جماعةً من الصحابة جاء عنهم نفيُ النقض به، لأن مستند النافي يجوز (١٠) أن يكون هو التمسُّك (١١) باستصحاب الحال والبراءة الأصلية.

  9. وأما حديث قيس [٩٨/ب] وأبي أمامة، فعنه أجوبة:

    vol. 2, p. 314أحدها: تضعيفه، فقد ضعَّفه أحمد ويحيى. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: قيس لا تقوم به حجة. وجعفر بن الزبير كذَّبه شعبة، وقال البخاري والنسائي: هو متروك.

  10. وثانيها: أنه منسوخ، لأن طَلْق بن علي الحنفي كان قدومه وهم يؤسسون المسجد. رواه الدارقطني (١) . وتأسيس المسجد كان في السنة الأولى من الهجرة. وأخبارُ الإيجاب من رواتها أبو هريرة، وإنما أسلم ورأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد خيبر في السنة السابعة من الهجرة. وبُسرْة بنت صفوان أسلمت عام الفتح في السنة الثامنة.

  11. وثالثها: أن أحاديثنا ناقلة عن الأصل، وحديثُهم مُبْقٍ على الأصل. فإن كان الأمر به هو المنسوخ لزم التغيير (٢) مرتين، وإن كان ترك الوضوء هو المنسوخ لم يلزم التغيير إلا مرة واحدة، فيكون أولى. وهذه قاعدة مستقرَّة: أن الناقل أولى من المبقي، لما ذكرنا.

  12. ورابعها: أنه يمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء ما إذا لمسَه من وراء حائل، لأن في رواية النسائي (٣) عن طَلق قال: خرجنا وفدًا حتى قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبايعناه (٤) ، وصلينا معه. فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجلٍ مسَّ ذكرَه في الصلاة؟ قال:

    vol. 2, p. 315«وهل هو إلا مضغةٌ منك» أو قال: «بَضْعة منك» (١) . والمصلِّي في الغالب إنما يمسُّه من فوق ثيابه. يؤيد ذلك أنه علَّل ذلك بأنه «بَضْعة منك» ، وهذا التعليل يُوجِب (٢) مساواته لسائر (٣) البَضَعات [٩٩/أ] والمُضَغ، وهذه التسوية متحقِّقة فيما فوق الثوب. فأمَّا دون الثوب فيتميَّز وجوب الغسل والمهر والحد وفساد العبادات بإيلاجه وتنجُّس الخارجات منه وغير ذلك، فكيف يقاس بغيره.

  13. وخامسها: أنّا إن (٤) قدَّرنا التعارض فأحاديثنا أكثر رواةً، وأصحُّ إسنادًا، وأقرب إلى الاحتياط؛ وذلك يوجب ترجيحها.

  14. فصل (٥)

  15. ومسُّ ذكرِ غيرِه كمسِّ ذكرِه، وأولى، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويتوضأ من مس الذكر» رواه أحمد والنسائي (٦) . وذكرُ الصغير كذكر الكبير، لعموم

    vol. 2, p. 316الحديث. وذكرُ الميِّت كالحيّ في المنصوص من الوجهين. وفي الآخر (١) : لا ينقض كمسِّ الميتة، والفرق بينهما أن الشهوة هناك معتبرة، بخلاف مسِّ الذكر (٢) .

  16. وسواء مسَّه عمدًا أو سهوًا، لشهوةٍ أو غيرِها، في المشهور عنه. وعنه: إنما ينقض إذا تعمَّد مسَّه، سواء ذكر الطهارة أو نسيها، بخلاف ما إذا وقعت يده عليه بغير قصد، لقول علي عليه السلام: إذا لم تتعمَّده، فلا شيء عليك. ذكره الإمام أحمد (٣) . ولأنّ تعمُّدَ مسِّه مظنّةُ حدوثِ الشهوة. وعنه: إن تعمَّد مسَّه لشهوة نقَضَ وإلا فلا، كمسِّ النساء، لأنه حينئذ يكون مظنّةَ خروجِ الخارج. والأول هو المذهب، لعموم الحديث، من غير تفريق بين الحشفة وسائر القضيب، لأن اسم الذكر يشمل ذلك، هذا هو المشهور عنه. وعنه: لا ينقض إلا مسُّ الحشفة، لأنه هو مخرج الحدث، وبه تتعلَّق الطهارة الكبرى.

  17. وسواءٌ مسَّه ببطن [٩٩/ب] يده أو ظهرها من الأصابع إلى الكوع، في المشهور عنه. وعنه: إن النقض يختصُّ ببطن الكفّ، لأن اللمس المعهود به. وعنه: ينقض مسُّه بالذراع جميعه، لأن اليد في الوضوء هي اليد إلى (٤) المرفق. والصحيح: الأول، لقوله: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه» (٥) . واليد المطلقة في الشرع تنتهي إلى الكُوع كما في آية السرقة والمحاربة

    vol. 2, p. 317والتيمّم، وقولِه: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمِس يدَه» (١) ، ويعُمُّ (٢) ظهرَها وبطنَها، كما عمَّهما (٣) قولُه: «يغمس يده» ، وآية التيمّم. فأما مسُّ الذكر بغير اليد، فلا ينقُض إلا إذا مسَّه بفرج (٤) ، في المشهور من المذهب، لأنه أدعى إلى الخروج من مسِّ الذكر وأفحش. وفيه وجه: أنه لا ينقُض، لأن الحكم في الأصل تعبُّد (٥) .

  18. وينتقض الوضوء بمسِّ فرج المرأة، في إحدى الروايتين، منها ومن امرأة أخرى. وفي الأخرى: لا ينقُض، لأن الأحاديث المشهورة (٦) : «مَنْ مسَّ ذكرَه» ، ومفهومُها انتفاءُ ذلك عن غير الذكر.

  19. والأول أقوى، لأن قوله: «مسَّ فرجَه» يعُمُّ النوعين، وذكرُ بعض [الأحاديث] (٧) الذَّكرَ وحده لا يخالف، لأن الخاصّ الموافق للعامّ لا يخصِّصه، بل يؤكِّد (٨) دلالةَ القدر الموافق منه، ويبقى الباقي مدلولًا عليه بالعموم فقط. ومن قال من أصحابنا بتخصيصه (٩) لحَظَ في ذلك أن يكون

    vol. 2, p. 318المفهوم مرادًا (١) ، والمفهوم هنا غير مراد، لأن تخصيص الذَّكر بالذِّكر لأن الخطاب كان للرجال. ولهذا قلنا: مَن مسَّ ذكره وذكر غيره، فإنَّ قوله: «ذكره» إنما خصَّه لأن الغالب أن الإنسان إنما يمسُّ ذكر نفسه.

  20. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيُّما [١٠٠/أ] رجلٍ مسَّ فرجه فليتوضأ، وأيُّما امرأةٍ مسَّت فرجها فلتتوضأ» رواه أحمد (٢) .

  21. وفي مسِّ حلقة الدبر روايتان: إحداهما: ينقض، اختارها جماعة من أصحابنا، لعموم قوله: «من مسَّ فرجه» ، ولأنه مخرج الحدث، فينقض كالآخر (٣) . والأخرى: لا ينقض، واختارها بعضهم. قال الخلال (٤) : والعمل والأشيع في قولِه وحجَّتِه أنه لا يتوضأ من مسِّ الدبر، لأن الحديث المشهور: «مَن مسَّ ذكره» ، فيكون هو المراد بالفرج في اللفظ الآخر، كما في قوله تعالى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: ٥] وقوله سبحانه وتعالى {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: ٣٠] . ولا يمكن إلحاقه به لأنّ مسَّه ليس

    vol. 2, p. 319هو (١) مظنّةً لخروج خارجٍ أصلًا، بخلاف القبل.

  22. ولا ينقض مسُّ الفرج المقطوع المنفصل، في أحد الوجهين. وينقض في الآخر لأنه مسَّ ذكرَه (٢) . والأول أقيس، لأنه بالانفصال لم يبق له حُرمةٌ (٣) ، ولا مظنةٌ لخروج خارج، ولا يتعلَّق به شيء من أحكام الذكر، فأشبه ما لو مسَّ يدًا مقطوعةً (٤) من امرأة.

  23. ولا ينتقض (٥) وضوءُ الملموسِ فرجُه روايةً واحدةً (٦) . وقيل: فيه رواية أخرى، وليس بشيء.

  24. ولا ينتقض الوضوء بمسِّ ما عدا الذكر من الأرفاغ والأنثيين وما بين الفرجين وغير ذلك، ولا بمسِّ فرج البهيمة سواء كان مأكولة أو محرَّمة، كثِيل الجمل وقُنْب (٧) الحمار وغير ذلك، لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص.

  25. وأما الخنثى، فتنبني (٨) على أربعة فصول (٩) : مسِّ النساء، ومسِّ الذكر،

    vol. 2, p. 320ومسِّ المرأة فرجها، وانتقاضِ [١٠٠/ب] وضوء الملموس؛ وقد تقدَّم ذكر ذلك. فمتى وُجد في حقِّه ما يحتمل (١) النقضَ وعدمَه لم ننقضه (٢) استمساكًا بيقين (٣) الطهارة، ومتى وجد في حقِّه ما ينقض يقينًا نقضناه (٤) .

  26. ووجه التقسيم: أن اللمس إما أن يكون للفرجين أو لأحدهما. واللَّامِسُ (٥) إما أن يكون هو الخنثى أو غيره، أو هو وغيره. وذلك الغيرُ إما أن يكون رجلًا أو امرأةً أو خنثى. والتفريع على انتقاض الوضوء في الأصول الأربعة، لأن مع القول بعدم الانتقاض لا يبقى تفريع.

  27. فمتى مسَّ فرجَيه هو أو غيره انتقض وضوءُ اللامس لأنه مسَّ فرجًا أصليًّا، ولم ينتقض وضوءُ الملموس لجواز أن يكونا (٦) من جنس واحد، والملموس إنما ينتقض وضوءه إذا مسَّ الرجل المرأة، والمرأة الرجل.

  28. ولو مسَّ أحد الفرجين لم ينقض لجواز (٧) أن يكون زائدًا، إلا أن يمسَّ الرجل ذكره لشهوة، والمرأة قبله (٨) لشهوة، لأن في هاتين الصورتين إن كان

    vol. 2, p. 321الملموس أصليًّا نقَضَ، وإن كان زائدًا فقد وُجِد لمسٌ لشهوة من غير الجنس. ولا ينتقض وضوء الملموس لعدم اليقين.

  29. فإن مسَّ الرجل ذكره لشهوة، والمرأة فرجه (١) لشهوة، انتقض وضوءه هنا لتيقن أنه ملموس لشهوة من غير جنسه. ولو كان مسُّ أحدهما لشهوة انتقض (٢) وضوءه فقط، دون الخنثى [واللامس الآخر. ولو كان] (٣) مسُّهما لغير شهوة لم ينتقض وضوء الخنثى، وانتقض (٤) وضوء أحدهما لا بعينه، وكلُّ واحد منهما يبني على يقين طهارته في المشهور. وعنه: يجب عليهما الوضوء. ولو مس الرجل فرجه والمرأة ذكره فكذلك، ولا ينتقض وضوء الخنثى إلا أن يكون مسُّهما لشهوة.

  30. [١٠١/أ] وجميع ذلك في اللمس مباشرة. فأما اللمسُ من وراء الحائل، فلا ينقض، لما تقدَّم.