مسألة: (والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل)

72 paragraphs · vol. 6, p. 338

Page 2 of 2

  1. وأما قولهم: المبيت بمزدلفة واجب.

    vol. 6, p. 348
  2. قلنا: هذا غير مسلَّم، فإن من أدركها في النصف الثاني أو قبيلَ طلوع الفجر لا يُسمَّى بائتًا بها، ألا ترى أن المبيت بمنى لما كان واجبًا لم يجزْ أن يبيتَ بها لحظةً من آخر الليل حتى يبيتَ بها معظمَ الليل. نعم من أدركها أولَ الليل فعليه أن يبيت بها إلى آخر الليل؛ لأجل أن الوقوف المطلوب هو في النصف الآخر، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وصار هذا مثل الوقوف الواجب بعرفة هو آخر النهار، فإذا نزلوا بنَمِرَة أقاموا إلى نصف النهار لانتظار الوقوف، لا لأن النزول بنَمِرةَ هو المقصود، ولو تأخَّر الإنسان إلى وقت الوقوف أجزأ، كذلك هنا.

  3. الخامسة: من وافاها أولَ الليل فعليه أن يبيتَ بها، بمعنى أن يُقِيم بها، لا يجوز له الخروج منها إلى آخر الليل.

    قال أحمد في رواية حنبل (١) : وعليه أن يبيت بمزدلفة، وإن لم يبِتْ فعليه دم.

    vol. 6, p. 349
  4. ثم إن كان من أهل الأعذار ــ مثل النساء، والصبيان، والمرضى، ومن يقوم بهم ــ فله الدفعُ منها في آخر الليل من غير كراهةٍ، كما تقدم. وأما غيرهم فالسنة له أن يقيم إلى أن يقف بعد طلوع الفجر.

  5. وفي الوقت الذي يجوز الدفع فيه روايتان:

    إحداهما: يجوز الدفع بعد نصف الليل، قال حرب (٢) : قلت لأحمد: رجل خرج من المزدلفة نصف الليل، فأتى منًى وعليه ليل، يرمي الجمار؟ قال: نعم، أرجو أن لا يكون به بأس. قلت لأحمد: فإنه مضى من [منًى] (٣) حتى أتى مكة، فطاف طواف الزيارة قبل أن يطلع الفجر؟ قال: لا يمكنه أن يأتي مكة بليل.

  6. ولعل حربًا سأل أحمد عن هاتين المسألتين في وقتين؛ لأن في أول المسألة أنه أباح الإفاضة نصفَ الليل، وفي آخرها قال (٤) : «لا يجوز الخروج من جَمْعٍ حتى يغيب القمر» ، وبينهما زمن جيد. وقال عنه في موضع آخر (٥) وقد سئل عن الإفاضة من جَمْعٍ من غير عذر، فقال: أرجو،

    vol. 6, p. 350إلا أنه قال: في وجه السَّحَر.

  7. وهذا قول القاضي (١) ومن بعده من أصحابنا، لما روي عن عائشة قالت: أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلةَ النحر، فرمَتِ الجمرة قبل الفجر، ثم مضتْ، فأفاضت، وكان ذلك اليومُ [اليومَ] (٢) الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ تعني ــ عندها. [ق ٣٧١] رواه أبو داود (٣) .

  8. وفي رواية لابن أبي حاتم (٤) : عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة قالت: قدَّمني النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدَّم من أهله ليلةَ المزدلفة، قالت: فرميتُ الجمرة بليلٍ، ثم مضيتُ إلى مكة، فصلَّيتُ بها الصبحَ، ثم رجعتُ إلى منًى».

    قالوا: ومن المنزل إلى مكة نحو من سبعة أميال وأكثر (٥) ، ومن موقف الإمام بعرفة إلى باب المسجد الحرام بَريدٌ، اثنا عشر ميلًا. ومن يسير إلى منًى، ويرمي الجمرة، ويطوف للإفاضة، ثم يصلّي الصبح= لا يقطع سبعةَ أميال إلا أن يكون أفاضَ بليلٍ.

  9. ولأن أكثر الشيء يقوم مقامَ جميعه، فإذا بات أكثرَ الليل بالمزدلفة صار في حكم من بات جميعَها، لما رخَّص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإفاضة منها قبل طلوع الفجر.

    فعلى هذا: العبرةُ بنصف الليل المنقضي بطلوع الفجر أو بطلوع ... (١) .

    vol. 6, p. 351
  10. والرواية الثانية: لا تجوز الإفاضة قبل مَغيبِ القمر، وإنما يغيب قبل الفجر بمنزلتين من منازل القمر، وهما أقلُّ من ساعتين.

    قال في رواية حرب أيضًا: لا يجوز أن يخرج من جَمْعٍ حتى [يغيب] (٢) القمر.

  11. وأكثر نصوصه على هذا؛ لأن الذي في الأحاديث الصحيحة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخصَ للضَّعفة أن يُفيضوا من جَمْعٍ بليل، ولم يُوقِّته، بل إنما قدَّمهم في وجه السَّحَر.

  12. وكان ابن عمر يُقدِّم ضَعَفة أهلِه، فيقفون (٣) عند المشعر الحرام بالمزدلفة، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع بهم، فمنهم من يَقْدَم منًى لصلاة الفجر، ومنهم من يَقْدَم بعد ذلك، فإذا قَدِمُوا رَمَوا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أَرْخَصَ في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه (٤) .

  13. ولم يجئ توقيتٌ في (١) حديثٍ إلا حديث أسماء، رواه عبد الله التَّيْمي (٢) مولاها أنها نزلتْ ليلةَ جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تُصلِّي، فصلَّتْ ساعةً، ثم قالت: يا بُنيَّ هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّتْ ساعةً، قالت: يا بُنيَّ هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحِلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رَمَت الجمرة، ثم رجعتْ فصلَّت الصبحَ في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه (٣) ، ما أُرانا إلا قد غلَّسْنا، قالت: يا بُنيَّ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ للظُّعُن. متفق عليه (٤) .

    vol. 6, p. 352
  14. فهذه أسماء قد روت الرخصةَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعلَتْها موقَّتةً بمغيب القمر، إذ كانت هي التي قد (٥) روت الرخصة (٦) ، وليس في الباب (٧) شيء موقَّت أبلغُ من هذا. وسائر الأحاديث لا تكاد تبلُغ هذا الوقت. وحديث أم سلمة لا يخالفه، فإن ستة أميال وسبعة أميال (٨) تُقطَع في أقلَّ من ثلاث ساعات بكثير، بل في قريب من ساعتين، فإذا قامتْ بعد مغيب القمر أدركَتِ الفجرَ بمكة إدراكًا حسنًا. وأما طوافها ... (٩) .

  15. وعلى هذا، فيكون المبيت واجبًا إلى أن يبقى سُبُعا الليلِ إذا جُعِل آخرُه طلوعَ الشمس، وذلك أقلُّ من الثُّلُث، ولا يَصِلُون إلى جَمْعٍ إلا بعد أن يمضي شيء من الليل، فتكون الإفاضة من جَمْعٍ جائزةً إذا بقي من وقت الوقوف الثلثُ. وتقدير الرُّخَص (١) بالثُّلُث له نظائرُ في الشرع، والتقدير بالأَسباع له نظائر، خصوصًا في المناسك، فإن أَمْر الأسباعِ فيه غالب، فيجوز أن يكون الوقوف بمزدلفة مقدَّرًا بالأَسباع.

    vol. 6, p. 353
  16. فصل

    وهل يجب هذا المبيت على أهل السقاية والرِّعاء؟ قال .... (٢) .

  17. المسألة السادسة: أن من وافاها بعد جواز الإفاضة منها، إما بعد منتصف الليل، أو بعد مغيب القمر، أو بعد طلوع الفجر على ما مضى= أجزأه ذلك ولا دم عليه، وسواء نزل بها أو لم ينزل.

  18. قال في رواية أبي الحارث (٣) فيمن أفاض من جَمْعٍ بليلٍ قبل طلوع الفجر، فقال: إذا نزل بها، أو مرَّ بها، فأرجو أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله تعالى.

    وقال أبو طالب: قلت: أليس من لم يقف بجَمْعٍ عليه دم؟ قال: نعم، إذا لم يقفْ بجَمْعٍ عليه دم، لكن يأتي جَمْعًا (٤) فيمرُّ قبل الإمام، قلت: قبل

    vol. 6, p. 354الإمام يُجزئه؟ قال: نعم، قد قدَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - الضَّعفةَ.

  19. المسألة السابعة: من لا عذر له فإنه يجوز أن يخرج منها قبل طلوع الفجر، ويكون وقوفه الواجب مُكْثَه بها قبل ذلك، والمستحبُّ وقوفه عند قُزَح قبل ذلك. هذا هو المذهب، وقد نصَّ عليه في رواية الجماعة.

    قال في رواية حنبل (١) : من لم يقف غداة المزدلفة ليس عليه شيء.

    وقال في رواية أبي طالب: يأتي جَمْعًا (٢) فيقف قبل الإمام يُجزِئه. وقد تقدم نصُّه في رواية حنبل وأبي الحارث.

    وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: يدفع من مزدلفة قبل الإمام؟ قال: المزدلفة عندي غير عرفة، وذكر حديث ابن عمر أنه دفعَ قبل ابن الزبير (٣) . قيل لأبي عبد الله: كأن سنة المزدلفة عندك غيرُ سنة [ق ٣٧٢] عرفة؟ قال: نعم، واحتجَّ على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدَّم الضَّعفةَ، ولم يشهدوا معه الموقفَ بجَمْعٍ.

  20. ولو كان الوقوف بالغداة واجبًا لما سقط عن الظُّعُن ولا غيرِهم، كالوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، وكرمي الجمار، وغير ذلك من الواجبات.

  21. ولأنهم من حين يدخلون إلى المزدلفة فهم في الوقوف (٤) بالمشعر الحرام إلى أن يخرجوا منها، فجاز التعجيلُ منها لطول المُقام بها رخصةً

    vol. 6, p. 355وتخفيفًا، بخلاف عرفات فإن الوقوف بها ليس بطويل.

  22. ولأن الوقوف بالمزدلفة ليس بمحدود المبتدأ، فإن الناس يجيئون إليها على قدر سَيْرهم، فجاز أن لا يكون محدود المنتهى، فيخرجون منها كذلك، بخلاف عرفات، فإنما (١) يدخلونها وقتَ الزوال، ويخرجون منها بعد الغروب. وهذا لأنه لما لم (٢) يتقيَّدوا بالإمام في مبتدأ الوقوف بمزدلفة، لم يتقيَّدوا به في منتهاه، وعرفة بخلاف ذلك.

  23. وأيضًا فإن عرفات كان المشركون يتعجَّلُون منها، فسُنَّ لنا مخالفتُهم بإيجاب التأخير إلى غروب الشمس، وكانوا يتأخّرون بالمزدلفة إلى طلوع الشمس، فسُنَّ لنا التعجيلُ منها قبل ذلك مخالفةً لهم، فجاز أن يُوسَّع وقتُ التعجيل وأن يُفِيض قبل الإمام، لأن ذلك أبعدُ عن التشبُّه بهدْيِ المشركين. وهذا معنى قول أحمد: «سنة عرفة غير سنة المزدلفة» .

  24. وقد أجاب أحمد عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا حتى تطلعَ الشمسُ، فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه» بأن منطوق الحديث لا إشكالَ فيه. وأما مفهومه فليس على عمومه، إذ لا يجوز أن يكون معناه: من لم يُصلِّ معنا ويقف إلى طلوع الشمس لم يتمَّ حجُّه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدَّم الضَّعفةَ، ولم يصلُّوا معه ولم يقفوا. وعمر - رضي الله عنه - انتظر الأعرابي بين ظهرانَي المسلمين، حتى جاء ولم يصلِّ، والناس يرون ذلك، ولم ينكر أحد عليه فوتَ الصلاة.

  25. وذلك لأن هذا مفهومُ منطوقٍ خرج جوابًا عن سؤال سائل، فإن عروة بن مُضرِّس كان قد أدرك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ والوقوفَ، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - حكْمَ من هو في حاله أن حجَّه تامٌّ. ومثلُ هذا قد لا يكون له مفهوم؛ لأن التخصيص بالذكر كان (١) لأجل حال السائل. وفيه (٢) فائدة أخرى، وهو أن من أدرك الصلاة فإنه يكون قد أدرك الوقوفَ بعرفة قبل ذلك، بخلاف من لم يُدرِك الصلاة، فإنه قد لا يكون دخل عرفة إلا بعد الفجر.

    vol. 6, p. 356
  26. وفيه أيضًا وجوب الوقوف مع الإمام على من لم يقفْ قبل طلوع الفجر، على ما ذكرناه فيما تقدَّم.

  27. ويتوجَّه وجوب الوقوف بعد الفجر لغير أهل الأعذار، لما روتْ عائشة قالت: كانت سودةُ امرأةً ضخمةً ثَبِطَةً، فاستأذنتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُفِيضَ من جَمْعٍ بليلٍ، فأذِنَ لها. فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنتْه سودةُ، وكانت عائشةُ [لا تُفيضُ] (٣) إلا مع الإمام (٤) .

  28. وفي رواية (٥) : ودِدتُ أني كنت استأذنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنتْه سودةُ، فأصلِّي الصبحَ بمنًى، فأرمي الجمرةَ قبل أن يأتي الناسُ. فقيل لعائشة: فكانت سودةُ استأذنتْه؟ قالت: نعم، إنها كانت ثقيلةً ثَبِطَةً، فاستأذنتُ لها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأذِنَ لها.

  29. وفي رواية (١) : استأذنتْ سودةُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ المزدلفة تدفع قبله، وقبل حَطْمَةِ الناس، وكانت امرأة ثَبِطَةً، يقول القاسم: والثَّبِطة الثقيلة، قالت: فأذِنَ لها، فخرجتْ قبلَ دفعِه، وحبسنا حتى أصبحنا، فدفعنا بدفعِه. ولأن أكون استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنتْه سودةُ، فأكون أدفعُ بإذنه أحبُّ إليَّ من مَفروحٍ به. متفق عليه.

    vol. 6, p. 357
  30. فلو كان الإذن في الدفع قبل الإمام عامًّا للناس لم تستأذنه عائشة لسودة، ولو فهمتْ وهي السائلة له أن إذنَه لسودة إذنٌ لكل الناس لم تتأسَّفْ على أنها لم تستأذِنْه لنفسها، وهي أعلم بمعنى ما سألتْه وما أجابها، وإنما كانت الرخصة مقصورةً على ذي العذر، فخشيتْ عائشة أن لا تكون هي من جملة أولي (٢) الأعذار، فبنَتْ على الأصل.

  31. وأيضًا قول ابن عمر: «أَرْخَصَ في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» وفي لفظ: «لضعفة الناس» وقول أسماء: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ للظُّعُن» ، كلٌّ دليلٌ (٣) على أن الإذن خاصٌّ بالظُّعُن، وأن العُرف (٤) المستقرَّ بينهم أن لا تجوز (٥) إفاضة أحدٍ حتى يُفِيضَ الإمام، حتى رُوِيت الرخصةُ في الضعفاء، ولا [ق ٣٧٣] يلزم من الإذن للضَّعفة الإذنُ لغيرهم؛ لأن تخصيصَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لهم بالذكرِ والإذنِ من بين سائر الناس دلَّ على أن حكم غيرهم بخلاف ذلك.

  32. ولأن الأصل وجوب اتباعه في جميع المناسك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خُذوا عنّي مناسِكَكم» ، لا سيما وفعلُه - صلى الله عليه وسلم - خرج امتثالًا لقوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} . والفعل إذا خرج امتثالًا لأمرٍ كان بمنزلته، والأمر للوجوب. ولا يجوز أن يقال: فالذكر ليس بواجب؛ لأن أمر الله في كتابه للوجوب، لا سيَّما في العبادات المحضة، وهناك ذكرٌ واجبٌ بالإجماع، وهو صلاة الفجر بمزدلفة، على أنه يحتاج من قال: «إن الذكر لا يجب» إلى دليل.

    vol. 6, p. 358