مسألة: (وإذا كانت مبتدأة، أو ناسية لعادتها ولا تمييز لها، فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة، لأنه غالب عادات النساء)

28 paragraphs · vol. 2, p. 599

  1. و (٣) ظاهر المذهب: أنَّ من لا عادة لها ولا تمييز تحيض غالبَ حيض النساء: ستًّا أو سبعًا، سواء كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها. وعنه: أنها تحيض أقلَّ الحيض، لأنَّ ما زاد على ذلك يحتمل الحيض والاستحاضة، والصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، فلا تتركها بالشكِّ، لا سيَّما ومن أصلنا أنَّا نحتاط بذلك قبل الاستحاضة [٢٠٠/أ] ففي (٤) حال الاستحاضة أولى.

    vol. 2, p. 599
  2. وعنه في المبتدأة: أنها تحيض أكثر الحيض، لأن الأصل في الخارج أن يكون دم حيض فتعمل بذلك ما لم تتيقَّن كونه استحاضة. ولا تتيقَّن ذلك إلا بمجاوزة الأكثر. وعنه: أنها تحيض مثل حيض نسائها من أمها وأختها، وعمتها وخالتها لأن اشتراك الأقارب في الأمور العادية والقوى الطبيعية أقرب. ثم خرَّج القاضي في الناسية مثل هاتين الروايتين (٥) ، لأنها مستحاضة لا عادة لها ولا تمييز. وامتنع غيره من التخريج تفريقًا بينهما بأنَّ حيضها

    vol. 2, p. 600أكثرَ الحيض أو ما زاد على غالب عادات النساء يفضي إلى المشقَّة عليها، إذا انكشف الأمرُ وذكَرت العادة، لأنها حينئذ تقضي (١) ما تركته من الصلوات، بخلاف المبتدأة فإنه لا يرجى انكشافُ حيضها.

  3. والأول أصحّ، لما روت حَمْنة بنت جَحش أنها قالت: يا رسول الله، إنِّي استُحِضْتُ حَيضةً كبيرةً شديدةً، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: «أنعَتُ لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهِب الدم» . قالت: هو أكثر من ذلك. قال: «فاتَّخِذي ثوبًا» . قالت: هو أكثر من ذلك. قال: «فتلجَّمي» . قالت: إنما أثُجُّ ثجًّا فقال: «سآمرك بأمرَين أيهما فعلتِ أجزأ عنك من الآخر، فإن قويتِ عليهما فأنتِ أعلَم» فقال لها: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتَّى إذا رأيتِ أنك قد طهرت واستنقأت [٢٠٠/ب] فصلِّي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي؛ فإنَّ ذلك يُجزئك. وكذلك فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات (٢) حيضهن وطهرهن. فإن قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر، فتغتسلين، ثم تصلِّين الظهر والعصر جميعًا؛ ثم تؤخِّرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي. وتغتسلين مع الفجر وتصلِّين، فكذلك فافعلي، وصلِّي وصُومي إن قدرتِ على ذلك». وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وهذا أعجبُ الأمرين إليَّ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٣) وقال: حديث

    vol. 2, p. 601حسن صحيح. وكذلك صحَّحه الإمام أحمد.

  4. وفي لفظ لأحمد وابن ماجه (١) : «تلجَّمي وتحيَّضي في كلِّ شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي غسلًا، وصلِّي وصُومي ثلاثًا وعشرين، أو أربعًا وعشرين» .

  5. وهذه المرأة لم تكن متميِّزة ولا معتادة إذ لو كانت كذلك لردَّها إليه. ولم تكن مبتدأةً لأنها كانت عجوزًا (٢) كبيرةً قد حاضت قبل ذلك. هكذا قال الإمام أحمد وإسحاق. ثم لم يسألها: هل حاضت قبل ذلك أو لم تحِض؟ ولو اختلف الحال لسألها. ولأن الستَّ أو السبع أغلب الحيض، فيلحق المشتبه بالغالب، إذ الأصل إلحاق الفرد بالأعمِّ الأغلب، دون النادر.

  6. فصل

    والتخيير بين الستِّ والسبع تخييرُ (٣) تحرٍّ واجتهاد، فأيهما غلب على قلبها أنه أقرب إلى الصواب فعلَتْه وجوبًا، في أحد الوجهين، لظاهر (٤) قوله: «حتى إذا رأيتِ (٥) أن قد طهرتِ واستنقأتِ»، ولئلا تكون مخيَّرة في اليوم السابع بين كون الصلاة واجبة أو غير واجبة. وفي الثاني: تخيير (٦) إرادة ومشيئة، فأيهما شاءت فعلَتْ، على ظاهر لفظ «أو» .

  7. فصل
  8. الناسية ثلاثة أقسام:
  9. أحدها: المتحيِّرة، وهي الناسية للعدد والوقت، فتحيض ستة أيام أو سبعة كما تقدَّم، في المشهور. ثم إن علمت شهرها، وهو الزمان الذي لها فيه طهر وحيض، جعلنا ذلك شهرَها (١) . [وإن لم تعلم] (٢) مثلَ أن تقول: كنتُ أحيض في كلِّ شهر حيضةً لا أعلم قدرها ولا وقتها، حيَّضناها (٣) في كلِّ شهر هلالي.

  10. ثم إن ذكرت زمنَ افتتاح الدم، مثل أن ينقطع عنها الدم مدّةً ثم يعود ويستمرَّ بها، فإنها تجلس من حين عَودِه (٤) ، في أظهر الوجهين، كأنه عاد (٥) في خامس الشهر، فتجلس من كلِّ شهر في خامسه المدَّةَ المضروبة. والوجه الثاني (٦) : تجلسه بالتحرِّي كغيرها.

  11. وإن لم تذكر افتتاحَ الدم وطال عهدُها به جلست من أول كلِّ شهر، في أحد الوجهين. وفي الآخر: تجلسه بالتحرِّي، قاله أبو بكر وابن أبي

    vol. 2, p. 603موسى (١) . وهو أصح، لأن التحرِّي هنا طريق لا يعارضه (٢) غيره، بخلاف الصورة الأولى، فإنَّ أول الدم أحقُّ أن يكون حيضًا من آخره.

  12. فإن لم يغلب على ظنِّها [٢٠١/ب] شيء جلسَتْ من أول الشهر وجهًا واحدًا، لأنّ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة: «تحيَّضي في عِلم الله ستًّا أو سبعًا في كلِّ شهر، ثم اغتسِلي وصلِّي وصُومي ثلاثًا وعشرين أو أربعًا وعشرين» (٣) دليل على أنَّ الحيض قبل الطهر، وأنه محسوب من أول الشهر.

  13. الثانية: أن تكون ناسيةً لعددها (٤) ، ذاكرةً لوقتها، مثل أن تقول: كنت أحيض في العشر الأول من الشهر، ولا أعلم عددَه= فتجلس ستًّا أو سبعًا (٥) في المشهور، من أول العشر في أحد الوجهين، وبالتحرِّي في أقواهما.

  14. وإن قالت: أعلم أني كنت في أول الشهر حائضًا، ولا أعلم آخرَ الحيض، حيَّضناها ذلك اليومَ وما بعد. وإن قالت: كان آخر الشهر آخرَ حيضتي حيَّضناها ذلك اليوم وما قبله. وإن قالت: كنتُ في أول الشهر حائضًا، لا أدري هل كان أول حيضي أو آخره؟ حيَّضناها ذلك اليوم وما بعده، في أحد الوجهين. وفي الآخر: تتحرَّى فيما قبله وما بعده، كما تقدَّم.

  15. الثالثة: أن تكون ذاكرةً لعددها دون وقتها. فإن لم [تعلم] (١) لها وقتًا أصلًا، كأن تقول: حيضي خمسة أيام، لا أدري متى هي؟ فإنها تحيض الخمسَ من أول الشهر، في أحد الوجهين. وفي الآخر: تتحرَّى لوقتها. وشهرُها إن عرفته عُمِل به، وإن لم تعرفه فهو الشهر الغالب للنساء وهو ثلاثون يومًا.

    vol. 2, p. 604
  16. وإن [٢٠٢/أ] علمت لها وقتًا، مثل أن تقول: حيضتي في العشر الأول أو في النصف الأول وهي خمسة أيام، ولا أعلم عينَها= فهذه كلّ زمان تيقَّنت فيه الطهرَ فهي طاهر، وكلّ زمان تيقَّنت فيه الحيض فهي حائض، وكلَّ زمان اشتبه عليها فإنها تجلس منه قدر عادتها، إمّا بالتحرِّي أو من أوله.

  17. وطريق معرفة ذلك: أنها إذا تيقَّنت الحيض في أيام، فإن كانت أيام الحيض بقدر [نصف] (٢) تلك الأيام أو أقلَّ جاز أن يكون في أول تلك الأيام، وجاز أن يكون في آخرها. فليس هنا حيض متيقَّن ولا طهر متيقَّن، فتجلس قدرَ الحيض إما من أول تلك الأيام أو بالتحرِّي.

  18. وإن كان الحيض أكثرَ من نصف تلك الأيام، فالزائدُ على النصف ومثلُه (٣) من وسط تلك الأيام حيضٌ بيقين؛ لأنَّك (٤) في أيِّ وقت فرضتَ ابتداءَ الحيض، فلا بدَّ أن يدخل الوسط فيه. مثال ذلك أن تقول: كنت

    vol. 2, p. 605أحيض سبعة أيام من العشر الأول، فإنَّ الأربعة الوسطى حيضٌ بيقين، وهي الرابع والخامس والسادس والسابع، لأنها داخلة في زمن الحيض على كلِّ تقدير. والثلاث الباقية من حيضها، تجلسها إمّا من أول الشهر أو بالتحري، على اختلاف الوجهين، وهي حيض مشكوك فيه. وتبقى الثلاثة الأخر، وهي طهر مشكوك فيه.

  19. وإن قالت: حيضي عشرة من النصف الأول من الشهر، فإن الزائد [٢٠٢/ب] على النصف إذا أضْعَفتَه (١) كان خمسة أيام فهذه الخمس الوسطى (٢) حيض بيقين، والخمس الأُوَل والأواخر مشكوك فيها، فتجلس إحدى الخمسَين (٣) بالتحرِّي أو الأُوَل (٤) منهما.

  20. فصل

    والطهر في أثناء الحيضة طهر صحيح، إذا رأت النقاء الخالص بحيث لا يتغيَّر لونُ القطنة إذا احتشَتْ بها، وإن كانت أقلَّ من يوم، في المشهور عنه.

  21. وعنه: أنَّ ما دون اليوم لا تلتفت (٥) إليه كالفترات واللحظات، وما (٦)

  22. لم تر فيه القَصَّة (١) البيضاء. وعنه: أنه ليس الطهر في أثناء الحيضة بطهر صحيح، بل حكمه حكم الدم. لأنّ دم الحيض يستمسك مرّةً، وينقطع أخرى، وليس بدائم الجريَان. فلو كان وقت الانقطاع طهرًا (٢) لم تسقط عنها صلاةٌ (٣) بحال، ولأنه لو كان طهرًا صحيحًا كان ما قبله وما بعده حيضًا صحيحًا تامًّا (٤) ، فتنقضي العِدَّة بثلاث من هذا الجنس.

    vol. 2, p. 606
  23. والأول: المذهب، لقول ابن عباس في المستحاضة: إذا رأتِ الدَّمَ البَحْرانيَّ (٥) فلا تصلِّي. فإذا رأت الطهرَ ولو ساعةً فلتغتسِلْ وتُصَلِّي. رواه أبو داود (٦) . ولأنه ليس جعل النقاء الخالص حيضًا تبعًا لما يتخلَّله من الدم في العادة (٧) . فأما اللحظات التي يستمسك فيها دم الحيض، فلا يحصل فيها النقاء الخالص، ولا ترى معه القَصَّة البيضاء.

  24. فعلى هذا إذا رأت يومًا دمًا ويومًا طهرًا، ولم يجاوز مجموعها أكثرَ الحيض، اغتسلت أيامَ [٢٠٣/أ] النَّقاء، وصلَّت وصامت، وضمَّت النقاء (٨)

  25. إلى الدَّم، فكان مجموعها حيضًا، بشرط أن لا ينقص عن أقلِّ الحيض. وأما إن جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة، سواء حصل النقاء بعد أكثر الحيض، أو اتصل الدم بأكثر الحيض.

    وقال القاضي: وإن لم تكن معتادة، فإن النقاء في السادس عشر يفصل بين دم الحيض والاستحاضة، لأن هذا الدم لم يتصل بدم فاسد، ولا خالف عادةً متقدِّمة، فوجب أن يكون حيضًا (١) .

    vol. 2, p. 607
  26. ووجه الأول: أن هذا الدم وإن لم يتصل بدم فاسد، فلم يتصل بدم صحيح. فتعارض (٢) الأمران، وكان كما لو اتصل بهما، ولو اتصل بهما كان الجميع استحاضة؛ فكذلك إذا انفصل عنهما. وهذه تسمَّى «الملفِّقة» .

  27. مسألة (٣) : (والحاملُ لا تحيض، إلا أن ترى الدمَ قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، فيكون دم نفاس) .

  28. أمَّا الدم الذي تراه الحامل، فإنه عندنا دم فساد، لأنّ الله تعالى جعل دمَ الحيض غذاءً للجنين، فإذا خرج شيء فقد خرج على غير الوجه المعتاد.

    قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن الله قد رفع الحيض عن الحُبلى، وجعل