مسألة: (وأكثره أربعون يوما)
11 paragraphs · vol. 2, p. 611
- vol. 2, p. 611
يعني: أنها إذا رأت الدم أكثر من أربعين يومًا لم تكن نُفَساء. وحكي عنه أن أكثره ستُّون، لأنه قد روي عن عطاء والأوزاعي أنَّ ذلك وُجِد (٢) .
-
والأول: هو المذهب، لما روت مُسَّة الأزدية عن أم سلمة قالت: كانت النُّفَساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يومًا. وكنَّا نَطْلي وجوهَنا بالوَرْس من الكَلَف. وفي لفظ: تقعد بعد نفاسها. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (٣) . قال الخطابي (٤) : أثنى محمد بن إسماعيل على هذا الحديث.
- vol. 2, p. 612
وعن أم سلمة أنها سألت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: كم تجلس المرأة [٢٠٤/ب] إذا ولدت؟ قال: «أربعين (١) يومًا إلا أن ترى الطهرَ قبل ذلك» رواه الدارقطني (٢) . وهذا يفسِّر الحديث الأول، ويبيِّن أنَّ ذلك أمرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا (٣) أن ذلك كان عادةَ النساء، إذ (٤) يستحيل في العادة اتفاقُ عادة أهل بلدة في النفاس. ويكون ذلك بيانَ أقصى ما تجلسه وبيانَ ما يجتنب فيه زوجُها من الوطء.
-
وقد حكى الإمام أحمد [ذلك] (٥) عن عمر (٦) ، وابن عباس (٧) ، وأنس (٨) ،
vol. 2, p. 613وعائذ بن عمرو (١) ، وعثمان بن أبي العاص (٢) ، وأم سلمة (٣) ، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف. وقال إسحاق: هو السنّة المجتمع عليها (٤) . وقال الطحاوي: لم يقل بالستِّين أحد من الصحابة، وإنما هو قول مَن بعدهم (٥) .
-
ولأن الأربعين هي المدَّة التي ينتقل فيها الإنسان من خلق إلى خلق، فإنه يبقى نطفةً أربعين، ثم عَلَقةً مثل ذلك، ثم مضغةً مثل ذلك. فإذا كان طورُ خلقه يكمل في أربعين (٦) ، فأَنْ يخرجَ الدم في أربعين أولى. وكذلك كثيرًا ما يخرج في أقلَّ منها.
-
فعلى هذا متى جاوز الدمُ أكثرَ النفاس، فما في مدة النفاس نفاس، ولا يكون استحاضة في مدة النفاس. وما زاد على الأربعين إن أمكن أن يكون حيضًا، بأن يصادف عادةَ الحيض، أو أن يتصل بعادة الحيض ويتكرَّر، أو يكون بينه وبين عادة الحيض طهرٌ كاملٌ أو يتكرَّر= فهو حيضٌ، وإلَّا فهو استحاضة. وهذا بخلاف الحيض، فإنه إذا جاوز الأكثرَ ثبت حكمُ المستحاضة فيه كلِّه، لأنَّ [٢٠٥/أ] النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ النُّفَساءَ أن تقعد أربعين يومًا، إلَّا أن ترى (٧) الطهرَ قبل ذلك (٨) . وهذا يدلُّ على أنها إذا لم تر الطهرَ تقعد الأربعين، دون ما بعدها (٩) ، من غير التفات إلى عادة أو تمييز.
- vol. 2, p. 614
ولأنَّ العبرة بكونه نفاسًا [و] وجوده (١) في مدَّة الأربعين فقط، سواء تكرَّر أو لم يتكرَّر، وسواء تغيَّر لونه أو لم يتغيَّر؛ لأنَّ دم النفاس هو ما فضَل عن غذاء الولد، وذلك يختلف باختلاف الولد في خلقه ومكثه. ولأن الحيض يتكرَّر كثيرًا وتقصُر مدتُه، بخلاف النفاس، فإنَّ اعتبار العادة فيه يؤدِّي [إلى] (٢) حرج عظيم ومشقة.
-
وإذا ولدَتْ (٣) توأمين، فأولُ مدّة النفاس وآخرها من الأول. وعنه: أنَّ أولَه من الأول، وآخرَه من الثاني. اختارها بعض أصحابنا، فتجلس ما تراه من الدم بعد وضع الأول ما لم يجاوز (٤) أكثرَ النفاس. فإذا وضعت الثاني استأنفَتْ له مدَّةً أخرى، ودخلت بقيةُ مدَّة الأول (٥) في مدَّته إن كانت باقية؛ لأنه وُلِدَ، فاعتُبرت له المدَّة كالأول وكالمنفرد (٦) ، ولأنَّ الرحم تتنفَّس به كما تنفَّست بالأول، فكثُر الدم بسبب ذلك، فيجب اعتبارُ المدَّة له.
-
وعنه رواية ثالثة، اختارها أبو بكر: أنَّ أول المدَّة وآخرها من الثاني، لأنها قبل وضعه حامل، ولا يضرب لها مدّة النفاس، كما قبل الأول. ولهذا لا تنقضي العِدَّة إلا بوضعها. فعلى هذه الرواية، ما قبل وضع الثاني [٢٠٥/ب]
- vol. 2, p. 615
كما قبل وضع الحمل المنفرد، إن كان يومين (١) أو ثلاثة، فهو نفاس، وليس من المدَّة؛ وإن كان أكثر من ذلك لم يُلتفَت إليه. وهذا بعيدٌ على أصلنا.
-
ووجه الأولى ــ وإليها صَغْوُ (٢) أكثرِ أصحابنا ــ: أنَّ الدم الخارج عقبَ وضع الأول دمٌ يعقُب (٣) ولادةً، فكان نفاسًا، كدم الولد الفذّ. وهذا لأن الرَّحِم تنفَّست به، وانفتح ما استدَّ منها، فكان بسببه، فيكون نفاسًا. وإذا كان أولُه منه فكذلك آخره، لأنَّ الحمل الواحد لا يُوجِب مدَّتَين، كالولد الواحد إذا خرج متقطِّعًا (٤) . ولأنَّ خروجَ الولد الأول كظهور بعض الولد، فأولُ المدة محتسبةٌ من حين ظهوره أو البعض (٥) ، فكذلك آخرها؛ كما قلنا في ظهور (٦) بعض الولد، فإنَّ آخرَ المدَّة يتبع أوّلَها، إمَّا من حين ظهور البعض، أو من حين انفصال الجميع.