مسألة: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء)

26 paragraphs · vol. 3, p. 96

  1. في هذا الكلام فصول.

    vol. 3, p. 96
  2. الأول: أن الأذان مشروع للصلوات الخمس، بالكتاب وهو قوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: ٥٨] . الصلاة هنا هي الصلاة المعهودة، وهي [٢٣٧/ب] الخمسُ، لأن الله سبحانه أخبر عن ندائهم إلى الصلاة، وإنما (٢) كانوا ينادُون إلى الخمس. وقد قال في الجمعة {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: ٩] وقولُه سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: ٣٣] ، وقولُه تعالى: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: ٤٣] . وبالسُّنَّة (٣) المتواترة أنه كان ينادى للصلوات الخمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبإجماعِ الأمة وعملِها المتوارث خلفًا عن سلف.

  3. وأول ما شرع الأذان عن رؤيا عبد الله بن زيد، كما سنذكر (٤) إن شاء الله تعالى. وقد رضي ذلك وأقرَّهم حيث أنزل به كتابَه.

    وقال بعض العلماء: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ فُرضت عليه الصلوات الخمس قد أُمِر بالأذان في السماء، وأذَّن بعضُ الملائكة، ولم يُظهره في مكة من أجل الكفار. فلما احتاجوا إليه في المدينة، وكان من رؤيا عبد الله بن زيد ما كان،

    vol. 3, p. 97ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تأذينَ الملَك، فقال: «إنها لَرؤيا حقٌّ إن شاء الله تعالى» .

  4. وروى النجَّاد (١) بإسناده عن العلاء قال: قلتُ لابن الحنفية: كنَّا نحدَّث أنَّ الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار. ففزع، وقال: عمدتم إلى أحسن دينكم، فزعمتم أنه كان الرؤيا (٢) ، هذا ــ والله ــ هو الباطل. ولكنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا عُرِج به انتهى إلى مكان في السماء، فوقف (٣) ، وبعث الله إليه ملكًا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم، علَّمه الأذان، فقال: الله أكبر. قال الله: صدَق عبدي، وأنا أكبر. قال: أشهد أن لا اله إلا الله. قال: صدَق عبدي وأنا الله [٢٣٨/أ] لا إله إلا أنا. قال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله. قال: صدق عبدي، أنا أرسلتُه واخترتُه. قال: حيَّ على الصلاة. قال: صدق عبدي، دعا إلى فريضتي، ومن أتاها محتسبًا كانت كفارةً لكلِّ ذنب. فلما قال: حيَّ على الفلاح، قال: صدَق عبدي، هي الفلاح، وهي النجاح. فلمَّا قال: قد قامت الصلاة، قال: صدق عبدي، أنا أقمتُ حدودَها وفريضتَها. قال: ثم تقدَّم (٤) ، فأمَّ أهلَ السماء، فتمَّ له شرفُه على جميع خلق الله. وروي نحو ذلك من وجوه مسندة.

  5. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أمرَ بذلك وسنَّه وشرَعه، بإذن الله له أن يشرَع ويسُنَّ. ورؤيا صاحب النبي عليه السلام في زمانه إذا عرضها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 3, p. 98وأقرَّها كانت مثلَ رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنَّها حقٌّ، كما أنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، لأن الله سبحانه وتعالى يبيِّن لنبيِّه الحقَّ من الباطل بما يقذفه في قلبه من نوره.

  6. الفصل الثاني: أنه لا يُشرَع الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس، فلا يُشرَع لعيد ولا كسوف ولا استسقاء ولا غير ذلك. فأمَّا الجمعة، فإنها إمَّا ظُهرُ ذلك اليوم، أو بدلٌ عن الظهر أو مغنية (١) عن الظهر؛ فأذانها هو أذان الظهر، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤذَّن على عهده إلا للصلوات الخمس. وقد نقل الناس صلواته غير الخمس أنها (٢) كانت بغير أذان ولا إقامة.

  7. وفي «الصحيحين» (٣) عن جابر وابن عباس: أنه لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.

    وقال جابر [٢٣٨/ب] بن سمُرة: صلَّيتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العيدَ مرّةً أو مرتَين بغير أذان ولا إقامة. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤) .

  8. وكذلك نقلوا في غير العيد على ما يُذكر في موضعه. ولأنَّ (٥) الأذان صار شعار (٦) الصلوات الخمس المكتوبات، والإعلام بمواقيتها، والدعاء

    vol. 3, p. 99إليها؛ فلا يُشرَع لغيرها. ولأنَّ هذا الدعاء (١) إعلامٌ بالوقت المحدود، وهذا إنما هو للمكتوبات (٢) . ولأنه نداءٌ إلى الصلاة التي تجب الإجابة إليها على الأعيان، وهذا يخصُّ الخمس.

  9. فأما النداء بغير الأذان، فالسنَّة أن ينادى لكسوف الشمس: «الصلاة جامعة» ، لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: خَسَفت الشمسُ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعَث مناديًا: «الصلاة جامعة» فقام، فصلَّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. وعن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلُ ذلك. متفق عليهما (٣) .

  10. وكذلك العيد والاستسقاء عند أكثر متأخري أصحابنا، لأنها صلاة ذات ركوع وسجود، يشرع لها الاجتماع، ولها وقت تنفرد به، فأشبهت الكسوف وأولى، لأن الاجتماع لها آكد. وقد روى النجاد بإسناده عن الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى يوم عيد: «الصلاة جامعة» (٤) .

  11. وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يجمع أصحابه لأمرٍ يخطبهم له، بعَث مناديًا ينادي: «الصلاة جامعة» ، كما في حديث الجسَّاسة (٥) ، [و] (٦) كما أخبرهم [٢٣٩/أ] عن الفتن في بعض

    vol. 3, p. 100أسفاره وغير ذلك (١) .

    وقال بعضهم: لا يُسَنُّ النداء للعيد ولا للاستسقاء (٢) . وقد قال الإمام أحمد: صلاة العيد ليس فيها أذان ولا إقامة. هكذا السنَّة: إذا جاء الإمام قام الناس، وكبَّر الإمام. وظاهره موافق لهذا القول، لأنه قد تكرر تعييدُه، وقد استسقى، ولم يُنقل عنه فيه نداء، كما نُقِل عنه في الكسوف مع أنَّ صلاة الكسوف كانت أقلَّ. ولو كان ذلك معلومًا مِن فعله لَنُقِل، كما قد نُقِل غيرُه بالروايات المشهورة.

  12. والقياس هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوع في مقابلة النص. وذاك أن تركَه - صلى الله عليه وسلم - سنَّة، كما أنَّ فعله سنة. وليست الزيادة على المسنون في المخالفة بدون نقص من المسنون.

  13. وأمَّا فسادُ الاعتبار، فإنَّ النداء في قوله: «الصلاة جامعة» إنما كان ليجمع الناسَ ويُعلِمَهم بأنه قد عرض أمرٌ، [و] (٣) الكسوف خليقٌ (٤) بهذا إذ لم يتعودوا الاجتماع (٥) له. فأمَّا العيد، فيوم معلوم مجتمَع له. وكذلك الاستسقاء قد وُعِدوا (٦) له يومًا، فأغنى اجتماعهم له عن النداء، ولم يبق للنداء فائدة إلا

    vol. 3, p. 101الإعلان بنفس الدخول في الصلاة، وهذا يحصل بالتكبير والمشاهدة.

  14. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَث المناديَ في الطرقات للكسوف: «الصلاة جامعة» ، وفي العيد والاستسقاء لا يبعث مناديًا ينادي في الطرقات، وإنما ينادي بعد اجتماعهم عند من يقول: هي بمنزلة الإقامة للصلاة. وهذا لا أصل له [٢٣٩/ب] يقاس عليه، لأنَّ نداءه لصلاة الكسوف بمنزلة الأذان، لا بمنزلة الإقامة.

  15. ولهذا لا يُشرَع النداء للجنازة؛ لأنَّ ذلك لم يفعله رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه، إذ لو كان لَنُقِلَ لكثرة وقوع الجنائز على عهده.

  16. وكذلك أيضًا لا يُشرَع أن يُنادَى للتراويح بشيء (١) في المنصوص عنه. وقيل له (٢) : الرجل يقول بين التراويح: «الصلاة» قال: لا يقول (٣) «الصلاة» . كرهه سعيد بن جبير وأبو قلابة (٤) . وكذلك قال كثير من أصحابنا.

    وقال القاضي والآمدي وغيرهما: ينادى لها كذلك، لأنها صلاة في عبادة (٥) محضة، أو ذات ركوع وسجود تُسَنُّ لها الجماعة، فيُسَنُّ [لها] (٦) النداء كالكسوف.

  17. والأول أصح، حيث لم يُنقَل ذلك عن السلف الصالح، ولا هو في

    vol. 3, p. 102معنى المنقول، لأنَّ التراويح تُفعَل بعد العشاء تبعًا، فيكفيها نداء العشاء.

  18. فأمَّا ما لا يُشرَع له الاجتماع، فلا نداءَ (١) فيه البتَّةَ بلا تردُّد.

  19. الفصل الثالث: أنَّ النساء لا يُشرَع لهن أذان ولا إقامة، سواء صلَّت المرأة منفردةً أو أمَّت النساءَ، لما روت أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة» رواه حرب في «مسائله» والنجَّاد (٢) .

    وقال إسحاق (٣) : مضت السنَّة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على النساء أذان ولا إقامة في حضر ولا سفر» .

  20. وعن ابن عمر وابن عباس قالا: ليس على النساء أذان ولا إقامة. رواهما حرب (٤) . وعن أنس مثلُه. ذكره ابن المنذر (٥) .

  21. [٢٤٠/أ] ولأنَّ التأذين إنما شُرِع في الأصل بصوت رفيع، والمرأة ليست أهلًا لرفع الصوت، فإنَّ ذلك عورة منها. ولذلك لا ترفع صوتها بالتلبية. ولأنه مشروع في الأصل لصلاة الجماعة، وليس على النساء جماعة. ولمَّا أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّ ورقة أن تؤمَّ أهلَ دارها جعل مؤذِّنًا من الرجال (١) .

    vol. 3, p. 103
  22. ولا بأس أن تؤذِّن. نصَّ عليه، لما روى النجَّاد عن ابن عمر قال: لا أنهَى عن ذكر الله (٢) . قال أصحابنا: هذا إذا لم ترفع صوتَها، فإن رفَعتْه كُرِه. وينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال الأجانب (٣) أن يَحرُم، وإلَّا فلا.

  23. وهل تُستحَبُّ لها الإقامة؟ على روايات أشهرها: لا تُستحَبُّ، لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: المرأة لا تَؤُمُّ، ولا تؤذِّن، ولا تنكح، ولا تشهد النكاح (٤) . ولأن الإقامة في الجملة مظنّةُ رفع الصوت، فلم تستحبَّ لها

    vol. 3, p. 104كالأذان؛ ولأنه لم يرد به الشرعُ في المحلِّ فلم تُستحَبَّ كالزيادة على التلبية.

  24. والأخرى: تُستحَبُّ، لما روي عن جابر أنه قيل له: أتقيم المرأةُ؟ قال: نعم. ذكره ابن المنذر (١) . ولأنه ذكرٌ لله، فاستُحِبَّ لها كالتلبية؛ ولأن من السلف من يأمرها بالإقامة، ويكره لها تركَها، ففي الإقامة خروج من الخلاف.

  25. والثالثة: أنها تخيَّر بين الفعل والترك. قال أحمد: إذا فعلَتْ، فإن شاءت اقتصرت على الإقامة، وإن شاءت أذَّنت وأقامت. قال: إذا أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بأسَ، وإن لم يفعلن فجائز. قال: وسئل ابن [٢٤٠/ب] عمر عن ذلك، فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله تعالى! (٢) وقد روى النجاد عن عائشة أنها كانت تؤذِّن وتقيم (٣) . ولأن ذلك لم يأمر به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يؤمر به. وهو ذكر الله تعالى، فلا ينهى عنه، كسائر الأذكار.

  26. فأما الأذان فلا يستحَبُّ لها، بل الأفضل تركه، في المشهور عنه. وعنه: أنها تُخيَّر بين فعله وتركه (٤) .