مسألة: (وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس)

23 paragraphs · vol. 2, p. 83

  1. هذا أشهر الروايتين، وفي الأخرى: الدِّباغُ مطهِّر في الجملة لما روى ابن عباس قال: "تُصُدِّق على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ، فماتت، فمرَّ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " هلَّا أخذتم إهابَها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنّها مَيْتة، فقال: " إنَّما حَرُمَ أكلُها ".

    vol. 2, p. 83
  2. رواه الجماعة (٢) إلا البخاري والنسائي لم يذكرا فيه الدِّباغ (٣) .

  3. وعنه أيضًا قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر " رواه مسلم (٤) .

  4. ووجه الأولى ما روى عبد الله بن عُكَيم قال: كتب إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ" رواه الخمسة (٥) ،

    vol. 2, p. 84وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) . وقال أحمد: ما أصلح إسناده (٢) !

  5. وفي لفظ الدارقطني (٣) : "كنتُ رخَّصتُ لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا (٤) تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب" . وهذا ناسخ لغيره لأنه متأخِّر، ومُشعِر [٢٦/ب] بنهي بعد رخصةٍ، لا سيَّما وفي حديث ابن عباس: "إنما حَرُم أكلها" . وقد استقرَّ الحكم بعد ذلك على تحريم الادّهان بوَدَكها.

  6. ويدل على تقدُّمه ما روت سَودة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: ماتت لنا (٥) شاة،

    vol. 2, p. 85فدبغنا مَسْكهَا، ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنًّا. رواه البخاري (١) . وهذا إنما يكون في أكثر من شهر.

  7. وعن سلَمة بن المحبِّق أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، فأتى على بيت، فرأى (٢) فيه قِربة معلّقة، فسأل الشراب، فقيل: إنها ميتة، فقال: "ذكاتها دِباغها" (٣) .

  8. وهذا قبل وفاته بأكثر من سنة. فلو كان رخصة أخرى بعد النهي لزم النسخ مرتين.

  9. وقيل: الإهاب اسم للجلد قبل الدِّباغ (٤) ، لكن (٥) هذا لم يعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه رخصة، ولا عادة الناس الانتفاع به.

  10. فصل

    وإذا قلنا بتطهير الدِّباغ فهل يكون كالحياة أو كالذكاة؟ على وجهين: أحدهما: أنه كالحياة لأنه يحفظ الصحة على الجلد، ويُصلحه للانتفاع

    vol. 2, p. 86كالحياة. فعلى هذا يطهر جلدُ ما كان طاهرًا في الحياة كالهرِّ وما دونها في الخلقة، وكذلك جلد ما سوى الكلب والخنزير في رواية.

  11. [٢٧/أ] والوجه الثاني: أنه كالذكاة، فلا يطهِّر إلا ما تطهِّره الذكاة. وهذا أصح (١) ، لما (٢) سبق من قوله: "دِباغُها ذكاتُها" ، ولما روت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يُنتفَع (٣) بجلود الميتة إذا دُبغت. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي (٤) ،

    vol. 2, p. 87ولفظه (١) : أنه سئل عن جلود الميتة فقال: "دباغها ذكاتها" . فقد شبَّه الدِّباغ بالذكاة، وحكمُ المشبَّه مثل المشبَّه به أو دونه.

  12. ولأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن جلود السباع (٢) . ولا تكاد تستعمل إلا مدبوغة، ولم يفصِّل؛ وهذا مبني على أنّ الذكاة لأجل المأكول. فأما غير المأكول فلا يطهُر جلده بالذكاة لأنه ذبحٌ غير مشروع، فلم يفد طهارة الجلد، كذبح المحرم الصيد والذبح في غير الحلق واللَّبّة، ولأنه ذبحٌ لا يفيد حِلَّ اللحم فلم يُفد طهارة الجلد، كذبح المجوسي والمرتدّ. وهذا لأنَّ التنجيس لو كان بمجرَّد (٣) احتقان الرطوبات في الجلد، وإزالته مشروعة بكلِّ طريق، لم يفرُق (٤) بين ذابح وذابح، ومَذبح ومَذبح (٥) .

  13. والذي يدل على أنَّ ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده، لا بذكاة ولا بدباغ: ما (٦) روى أبو المَلِيح بن أسامة عن أبيه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن جلود

    vol. 2, p. 88[٢٧/ب] السِّباع. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وزاد: "أن تُفترَش" (١) .

  14. وعن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جلود النُّمور أن يُركَب عليها. رواه أحمد وأبو داود (٢) .

  15. وفي لفظ لأحمد (٣) : "نهى عن لُبْس صُفَف النُّمور (٤) " .

  16. وعن المقدام بن معد يكرب قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مياثر النُّمور. رواه أحمد والنسائي (٥) . وعن المقدام أنه قال لمعاوية: أنشُدك الله هل تعلم أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم.

  17. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١) .

    vol. 2, p. 89
  18. وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تصحبُ الملائكةُ رُفْقَةً فيها جِلدُ نَمِر" رواه أبو داود (٢) .

  19. وهذه الأحاديث نصوص في أنها لا تباح بذكاة ولا دباغ.

  20. فصل

    ولا بدَّ فيما يُدبَغ به أن يكون منشِّفًا للرطوبة، منقِّيًا للخبث عن الجلد، حتى لو نُقع الجلد بعده في الماء لم يفسد، سواء كان ملحًا أو قَرَظًا أو شثًّا (٣) أو غير ذلك، ولا بد من [٢٨/أ] طهارته.

  21. وهل يجب غسلُ الجلد بعد الدبغ؟ على وجهين.

    vol. 2, p. 90
  22. ويجوز بيع الجلد المدبوغ، ولا يباح أكله إذا كان من حيوان مأكول في أقوى الوجهين.

  23. ويباح استعماله في اليابسات، مع القول بنجاسته في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يباح، وهو الأظهر، للنهي عن ذلك (١) . فأما قبل الدباغ فلا ينتفع به قولًا واحدًا، كما لا يلبس جلدُ الكلب والخنزير وإن دُبِغ.