مسألة: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، والشام ومصر والمغرب الجحفة، واليمن يلملم، ولنجد قرن، وللمشرق ذات عرق)
31 paragraphs · vol. 5, p. 178
- vol. 5, p. 178
هذه المواقيت الخمسة منصوصة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند جمهور أصحابنا، وهو المنصوص عن أبي عبد الله، قال في رواية المرُّوذي: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل الطائف ونجدٍ قرنًا (٤) ، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذاتَ عرق» (٥) .
وقال في رواية عبد الله (٦) : عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهلّ أهل الشام من الجحفة، ومُهلّ أهل نجد من قرن، ومُهلّ أهل اليمن من يلملم» (٧) .
vol. 5, p. 179وقال في رواية أبي داود (١) : وقّت لأهل العراق من ذات عرق (٢) .
-
وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ والله أعلم ــ وقَّت المواقيت ثلاثَ طبقات، فوقَّت أولًا ثلاث مواقيت، فلما فُتحت اليمن وقَّت لها، ثم وقَّت للعراق.
-
فالأول: ما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهِلُّ أهل الشام من الجحفة، ويُهِلُّ أهل نجد من قرن» . قال ابن عمر: وذُكِر لي ولم أسمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ويُهِلُّ أهل اليمن من يلملم» ، وفي لفظ (٣) : «ومُهَلُّ أهل الشام مَهْيَعة، وهي الجُحفة» . رواه الجماعة إلا الترمذي (٤) ، وفي رواية لأحمد (٥) : قال ابن عمر: وقاسَ الناس ذاتَ عرقٍ بقَرْنٍ.
-
والثاني: ما روى ابن عباس، قال: وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم (٦) ، فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. وفي لفظ: «من غيرهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلّون منها» . وفي لفظ: «ومن كان دونهن فمن حيث
vol. 5, p. 180أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». متفق عليه (١) .
-
والثالث: ما روي عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن المُهَلّ، فقال: سمعتُ أحسبُه رفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر (٢) الجحفة، ومهلّ أهل العراق [من] (٣) ذات عِرْق، ومهلّ أهل نجد من قرن، ومهلّ أهل اليمن من يلملم». رواه مسلم (٤) .
-
ورواه ابن ماجه (٥) بلا شك من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد احتج به أحمد مرفوعًا. ورواه أبو عبد الرحمن المقرئ (٦) عن ابن لهيعة عن أبي الزبير مرفوعًا بلا شك.
-
وعن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو، واللفظ له، قال: وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن [ق ١٧٣] وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف وأهل (٧) نجد قرنًا، ولأهل
vol. 5, p. 181العراق ذات عرق. رواه أحمد (١) ، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة.
-
وروى المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود والنسائي والدارقطني (٢) وغيرهم. وهذا إسناد جيد.
-
وقد رواه عبد الله بن أحمد وغيره مستوفًى في المواقيت الخمسة، قالت: وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنا، ولأهل العراق ذات عرق.
vol. 5, p. 182وقال أبو عاصم (١) : ثنا محمد بن راشد عن مكحول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل العراق ذات عرق.
-
وعن عطاء قال: وقّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المشرق ذات عرق (٢) . رواه سعيد (٣) .
-
فهذا قد روي مرسلًا من جهة أهل المدينة ومكة والشام، ومثل هذا يكون حجة.
-
وعن هشام بن عروة عن أبيه (٤) قال: وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المشرق ذات عرق. رواه أحمد (٥) عن وكيع عنه.
-
وعن الحارث بن عمرو السَّهْمي، قال: أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمنًى أو عرفاتٍ، وقد أطاف به الناس، قال: فيجيء الأعراب فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقّت ذات عرق لأهل العراق. رواه أبو داود والدارقطني (٦) . ولفظه: «وقّت لأهل اليمن يلملم أن يُهِلّوا منها، وذات عرق لأهل العراق» .
-
وذهب أبو الفرج ابن الجوزي (٧) وغيره من أصحابنا إلى أن ذات عرق
vol. 5, p. 183إنما ثبتت بتوقيت عمر - رضي الله عنه - اجتهادًا، ثم انعقد الإجماع على ذلك؛ لما روى ابن عمر قال: لما فُتِح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدَّ (١) لأهل نجد قرنًا، وإنه جَوْرٌ عن (٢) طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شقَّ علينا، قال: «فانظروا حَذْوَها من طريقكم» ، قال: فحدَّ لهم ذات عرق. رواه البخاري (٣) .
-
فهذا يدل على أنها حُدَّتْ بالاجتهاد الصحيح؛ لأن من لم يكن على طريقه ميقات فإنه يُحرِم إذا حاذى أقرب المواقيت إلى طريقه، وهم يحاذون قرنًا (٤) إذا صاروا بذات عرق، ولو كانت منصوصة لم يحتج إلى هذا، وأحاديث المواقيت (٥) لا تعارض هذا.
فعلى هذا هل يستحب الإحرام من العقيق؟ ... (٦) .
-
والأول هو الصواب، لما ذكرناه من الأحاديث المرفوعة الجياد الحسان التي يجب العمل بمثلها، مع تعددها، ومجيئها مسندةً ومرسلةً من وجوه شتى (٧) .
- vol. 5, p. 184
وأما حديث عمر فإن توقيت ذات عرق كان متأخرًا في حجة الوداع كما ذكره الحارث بن عمرو، وقد كان قبل هذا سبق توقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيرها، فخفي هذا على عمر - رضي الله عنه - كما خفي عليه كثير من السنن (١) ، وإن كان عِلْمها عند عمّاله وسُعاته ومن هو أصغر منه، مثل دية الأصابع (٢) ، وتوريث المرأة من دية زوجها (٣) . فاجتهد، وكان محدَّثًا موفَّقًا للصواب، فوافق رأيه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وليس ذلك ببدْعٍ منه - رضي الله عنه -، فقد وافق ربَّه تعالى في مواضع معروفة، مثل المقام، والحجاب، والأسرى، وأدب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
-
فعلى هذا لا يُستحب الإحرام قبلها، كما لا يستحب قبل غيرها من المواقيت المنصوصة. قال عبد الله (٥) : سمعت أبي يقول: أرى أن يُحرِم من ذات عرق.
- vol. 5, p. 185
فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: وقَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المشرق العقيق. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (١) ، وقال: حديث حسن. فإن لم يكن هذا مفيدًا لوجوب الإحرام منها فلا بد أن يفيد الاستحباب.
-
قيل: هذا الحديث مداره على يزيد بن أبي زياد، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، وقالوا: يزيد يزيد (٢) .
-
ويدل على ضعفه أن حديث ابن عباس المشهور الصحيح قد ذكر فيه المواقيت الأربعة ولم يذكر هذا، مع أن هذا مما يقصد المحدث ذكره مع إخوته لعموم الحاجة إليه أكثر من غيره، فإن حجاج المشرق أكثر من حجاج سائر المواقيت.
-
وأن الناس أجمعوا على جواز الإحرام دونه، فلو كان ميقاتًا لوجب الإحرام منه كما يجب الإحرام من سائر ما وقّته النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ ليس لنا ميقات يستحب الإحرام منه ولا يجب. على أن [ق ١٧٤] قوله: «وقّت» لا يقتضي إلا وجوب الإحرام منه. قال ابن عبد البر (٣) : أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات.
- vol. 5, p. 186
وأن الأحاديث (١) التي هي أصح منه وأكثر تخالفه، وتبيِّن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت ذات عرق.
-
ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أنه إن كان لهذا الحديث أصل أن يكون منسوخًا؛ لأن توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع حيث أكمل الله دينه، وبعد أن أكمل الله دينه لم يغيِّره.
-
ولأن ابن عباس لم يذكره لما ذكر حديثه المشهور، فيكون إن كان حدَّث به مرةً قد تركه لِمَا علم من نسخه، ولهذا لم يَرْوِه عنه إلا ولده، الذي قد يقصد بتحديثهم إخبارهم بما قد وقع، لا لأن يُبنَى الحكم عليه.
-
وما روي عن أنس أنه كان يحرم منه (٢) فكما كان (٣) عمران بن حصين يحرم من البصرة (٤) ، وكان بعضهم يحرم من الربَذَة (٥) .
-
فصل
وأما (٦) ذو الحُلَيفة فهي أبعد المواقيت عن مكة، كأنها ــ والله أعلم ــ تصغير
vol. 5, p. 187حَلَفة وحَلِفة (١) ، وهي واحدة الحَلْفاء، وهو (٢) خشب ينبت في الماء. بينها وبين مكة عشر مراحل، وهي من المدينة على ميل. هكذا ذكره القاضي (٣) ، وأظن هذا غلطًا، بل هي من المدينة على فرسخ، وبها المسجد الذي أحرم منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والبئر التي (٤) تسمِّيها العامة بئر علي، وحدُّها من ... (٥) .
-
ويليها في البعد الجُحفة، قيل: سُمّيت بذلك لأن السيل أجحف بأهلها إلى الجبل الذي هناك، وهي من مكة على ثلاث مراحل، وتُسمَّى مَهْيَعة، وهي التي دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بنقل حُمَّى المدينة إليها (٦) ، وهي قرية قديمة، وهي اليوم خراب، وبها أثر الحمَّام التي دخلها ابن عباس وهو محرم (٧) ، وقد صار الناس لأجل خرابها يحرمون قبلها من رابغ لأجل أن بها الماء للاغتسال.
وأما قَرْن بسكون الراء فيقال له قرن الثعالب وقرن المنازل (٨) ، وهو ... (٩) . بينه وبين مكة مرحلتان، فهو ميقات لأهل نجد والطائف وتهامة نجد وما بتلك النواحي.
- vol. 5, p. 188
وأما يلملم ويقال له (١) أَلَمْلَم فهو جبل بتهامة (٢) ، وبينه وبين مكة مرحلتان، وهي ميقات لأهل اليمن وتهامة اليمن، وهو تهامة المعروف (٣) .
-
وذات عرق بينها (٤) وبين مكة مرحلتان قاصدتان.
-
وهذه المواقيت هي الأمكنة التي سمّاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعينها في زمانه، فلو (٥) كان قرية فخربت، وبُنِي غيرها وسُمِّيت بذلك الاسم، فالميقات هو القرية القديمة؛ لأنه هو الموضع الذي عيَّنه الشارع للإحرام. ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلها على حد متقارب مرحلتان (٦) لكونه مسافة القصر، إلا ميقات أهل المدينة فإن مسافة سفرهم قريبة، إذ هي أقرب الأمصار الكبار إلى مكة، فلما كان غيرهم يقطع مسافة بعيدة بين مصرِه ومكة، عوّض عن ذلك بأن قصرت عنه (٧) مسافة إهلاله، وأهل المدينة لا يقطعون إلا مسافة قريبة، فجُعِلتْ عامتها إهلالا، وأهل الشام أقرب من غيرهم، فلذلك (٨) كان ميقاتهم أبعد. ومن مرَّ على غير بلده فإنه بمروره في ذلك المصر يجد من الرفاهية والراحة ما يُلحِقه بأهل ذلك البلد.