مسألة: (وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة)

68 paragraphs · vol. 5, p. 236

Page 1 of 2

  1. هذا نصه ومذهبه، قال في رواية عبد الله (٦) : أشهُرُ الحج شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وقال في رواية ... (٧) .

    vol. 5, p. 236
  2. ويوم النحر (٨) من أشهر الحج، وهو يوم الحج الأكبر، نص عليه في رواية حرب وأبي طالب (٩) ، وذلك لما روى أبو الأحوص [ق ١٨٥] عن عبد الله قال: أشهُر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. رواه سعيد وأبو سعيد الأشجّ والنجَّاد والدارقطني (١٠) وغيرهم.

  3. وعن ابن الزبير في قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] قال: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة. رواه أبو سعيد الأشجّ (١) والنجَّاد والدارقطني (٢) .

    vol. 5, p. 237
  4. وعن علي بن أبي طلحة (٣) عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: وقوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وهو شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، جعله الله تعالى للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلُح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحجِ، والعمرةُ يُحرم بها في كل شهر. رواه عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عنه (٤) .

  5. وعن الضحاك عن ابن عباس قال: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. رواه الدارقطني (٥) .

  6. وعن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. رواه سعيد وأبو سعيد الأشج (١) والدارقطني (٢) ، وفي لفظٍ: وعشر ذي الحجة. وذكره البخاري في «صحيحه» (٣) .

    vol. 5, p. 238
  7. وهذا قول الشعبي والنخعي ومجاهد والضحاك وعطاء والحسن (٤) ، ومرادهم بـ «عشر من ذي الحجة» عشرُ ذي الحجة بكماله، كما قد جاء في روايات أُخر (٥) .

  8. وعشرُ ذي الحجة اسم لمجموع الليالي وأيامها، فإن يوم النحر من عشر ذي الحجة؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيها (٦) أحبُّ إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر» (٧) . وقال تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: ٢] ،

    vol. 5, p. 239ويوم النحر داخل فيها، وقال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: ١٤٢] ، ويوم النحر هو آخر الأربعين (١) .

  9. ولفظ العشر وإن كان في الأصل اسمًا للمؤنث لأنه بغير هاء (٢) ، فإنما دخل فيه اليوم لسببين (٣) :

    أحدهما: أنهم في التاريخ إنما يؤرِّخون (٤) بالليالي؛ لأنها أول الشهر الهلالي، وتدخل الأيام تبعًا، ولهذا لو نذر اعتكاف عشر ذي الحجة لزمه اعتكاف يوم النحر.

  10. الثاني: أنه قد يجيء هذا في صفة المذكَّر بغير هاء، لقول (٥) النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صام رمضان وأتبعه بستٍّ (٦) من شوال» (٧) ، وقوله: «من هذه الأيام العَشْر» (٨) .

    وأيضًا فإن يوم النحر يوم الحج الأكبر ... (٩) .

  11. وأيضًا فإن أشهر الحج هي الأشهر التي سنَّ الله فيها الحج وشرعه، والحج له إحرام وإحلال، فأشهره هي الوقت الذي يُسَنُّ فيه الإحرام به والإحلال منه.

  12. وأول وقتٍ يُشْرَع (١) الإحرام فيه بالحج شوال، والوقت الذي يُشْرع فيه الإحلال يوم النحر، وما بعد يوم النحر لا يُشْرع التأخير إليه، وليلة النحر لا يُسَنُّ التعجيلُ فيها، كما لا يُسَنُّ الإحرام بالحج قبل أشهره.

    vol. 5, p. 240
  13. وأيضًا فإن هذه المدة أولها عيد الفطر وآخرها عيد النحر، والحج هو موسم المسلمين (٢) وعيدهم، فكأنه جعل طرفَيْ وقتهِ عيدين.

  14. فإن قيل: فقد روى عروة بن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: ١٩٧] قال (٣) عمر بن الخطاب: لا عمرةَ في أشهر الحج، فكُلِّم في ذلك فقال: إني أحِبُّ أن يُزار البيت؛ إذا جُعِلت العمرة في أشهر الحج لم يَفِدِ الرجلُ إذا حجَّ البيت أبدًا (٤) .

  15. وعن التميمي عن ابن عباس قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة. ذكره البخاري (٥) .

  16. وعن مجاهد عن ابن عمر قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة (١) . رواهن سعيد (٢) .

    vol. 5, p. 241
  17. قيل: ليس بين الروايتين اختلاف في المعنى، كما يقال: قد مضى ثلاثة أشهر وإن كان قيل (٣) ذلك في أثناء الشهر الثالث، ويقال: له خمسون سنة وإن كان لم يكملها، فكثيرًا ما يُعبَّر بالسنين والشهور والأيام عن التامّ منها والناقص، فمن قال: «وذو الحجة» [أراد] أنه من شهور الحج في الجملة، ومن قال: «وعشر ذي الحجة» فقد بيَّن ما يدخل منه في (٤) شهور الحج على سبيل التحديد والتفصيل.

  18. فإن قيل: فقد قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} .

  19. قلنا: الشهران وبعض الثالث تُسمَّى شهورًا، لاسيما إذا كانت بالأهلَّة.

  20. وذكر القاضي (٥) أن فائدة هذه المسألة اليمين. وليس كذلك، وهذا التحديد له فائدة في أول الأشهر، وهو أنه لا يُشرَع الإحرام بالحج قبلها، وأن الأفضل أن يعتمر قبلها، وهي عمرة رمضان وأنه إن اعتمر فيها كان متمتعًا، وقبل ذلك هو وقت الصيام، فإذا انسلخ دخل وقت الإحرام بالحج.

  21. ومن فوائده: أنه لا يأتي بالأركان قبل أشهره، فلو أحرم بالحج قبل أشهره وطاف للقدوم لم يُجزِئه سعيُ الحج عقيب ذلك؛ لأن أركان العبادة لا تُفعل إلا

    vol. 5, p. 242في وقتها. وفائدته في آخر الأشهر أن السنة أن يتحلَّل من الحج (١) يوم النحر، فلا يتقدم قبل ذلك ولا يتأخر عن ذلك، فإنه أكمل وأفضل.

  22. وذكر ابن عقيل أن طواف الزيارة في غير أشهر الحج مكروه.

  23. فصل

    والإحرام بالحج قبل أشهُرِه مكروه. قال في رواية ابن منصور (٢) : إذا أهلَّ بالحج في غير أشهُرِه فهو مكروه (٣) .

    قال القاضي (٤) : وأراد (٥) بهذا كراهية تنزيه. وقال [ق ١٨٦] في موضع آخر (٦) : ميقات المكان ضُرِب لئلا يُتَجاوز قبل الإحرام (٧) ، وميقات الزمان ضُرِب لئلّا يُتقدَّم عليه بالإحرام، فإن خالف وتجاوز انعقد إحرامه مكروهًا، وكذلك إذا خالف في ميقات الزمان يجب أن ينعقد مكروهًا.

  24. ومن أصحابنا من يقول: يُستحبُّ أن لا (٨) يحرم بالحج قبل أشهره، وذكر ابن عقيل هل يُكره الإحرام بالحج قبل أشهره؟ على روايتين:

    إحداهما: لا يكره كالإحرام (٩) قبل ميقات المكان، وإن كان الأفضل

    vol. 5, p. 243أن يحرم بعد الميقات (١) فيهما.

  25. والثانية: يكره لأنه ركن، فكُرِه فعله في غير أشهر الحج كطواف الزيارة.

  26. والصواب الأول، ولم يذكر القاضي في الكراهة خلافًا؛ لأن الله تعالى قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} ، ومعناه: أشهر الحج أشهر معلومات (٢) ، وأولها (٣) شوال، فلا بدَّ أن يكون لهذا التوقيت والتحديد فائدة، ولا يجوز أن يكون هذا التوقيت لأجل الوقوف والطواف؛ لأن الوقوف لا يكون إلا في يوم واحد آخرَ هذه المدة، والطواف إنما يكون بعده، فلا يجوز أن يوقَّت بأول شوال، فعُلِم أن التوقيت للإحرام.

  27. ولأن الحج اسم للإحرام والوقوف والطواف والسعي، فيجب أن تكون هذه الأشهر مواقيت لجميع ذلك، وإذا (٤) كان وقتًا لها لم يكن تقديمه قبل الوقت مشروعًا؛ لأن التوقيت لا يكون لمجرد الفضيلة، بدليل الصلاة في أول الوقت، فإنها (٥) أفضل من الصلاة في آخره، ولا يجعل ذلك هو وقتها.

  28. وأيضًا قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} خصّ الفرض بهن، فعُلِم أنه في غيرهن لا يُشرع فرضه.

  29. وأيضًا ما تقدَّم (٦) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لا يصلُح أن يُحرِم

    vol. 5, p. 244أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر. وعن ابن عباس قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. ذكره البخاري في «صحيحه» (١) ، ورواه النجَّاد (٢) .

  30. والصحابي إذا أطلق السنة انصرف ذلك (٣) إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  31. وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأَل عن الرجل: أيهلُّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا. رواه الشافعي والدارقطني (٤) ، ورواه النجَّاد (٥) ولفظه: لا يحرم المحرم إلا في أشهر الحج.

  32. وعن عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وإبراهيم أنهم كانوا يكرهون أن يحرم الرجل بالحج في غير أشهر الحج (٦) ، ولا يُعرَف لهم مخالف في الصحابة ولا التابعين.

  33. فإن قيل: فقد روي عن علي وعبد الله أنهما قالا: «إتمامهما (٧) أن تُحرِم بهما من دُوَيرة أهلك»، وإذا كانت داره بعيدةً لم يحرم إلا قبل أشهر الحج.

  34. قلنا: قد فسَّرناه بأن المراد به إنشاء السفر لهما، ولو كان المراد نفس الدخول في الحج فهذا لأن غالب ديار الإسلام يتأتَّى الإحرام منها في أشهر الحج.

  35. فإن خالف وأحرم بالحج قبل أشهره فإنه ينعقد الإحرام بالحج في أشهر الروايتين، قال أحمد في رواية أبي طالب وسندي (١) : من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لزِمه الحج (٢) ، إلا أن يريد فسخَه بعمرةٍ فله ذلك.

    قال القاضي (٣) : فقد نصَّ على انعقاده، وأجاز له فسخَه إلى العمرة بناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة.

    vol. 5, p. 245
  36. فعلى ما قاله القاضي إنْ فسَخَه بعمرة قبل أشهر الحج لم يلزمه دم، لأنه ليس بمتمتع، وعليه أن يحج من تلك السنة (٤) لأن فسخ الحج إلى العمرة إنما يجوز بشرط أن يحج من عامِه ذلك.

  37. وكذلك قال ابن أبي موسى (٥) : من أهلَّ بالحج قبل أشهر الحج أحببنا له أن يجعلها عمرة، فإذا حلَّ منها أنشأ الحج، فإن لم يفعل وأقام (٦) على إحرامه لما أهلَّ به إلى أن يأتي (٧) بالحج أجزأه، وقد تحمَّلَ مشقةً.

  38. والأشبه ــ والله أعلم ــ أن مقصود أحمد أنه يفسخه بعمرة لا لأجل فضل التمتع، بل لأن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه، فيتخلَّص (١) بفسخه إلى العمرة من المكروه وإن لم يحج.

    vol. 5, p. 246
  39. والرواية الثانية: لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره. حكاها (٢) هبة الله الطبري، واختارها القاضي أبو يعلى الصغير (٣) . فعلى هذا هل ينعقد بعمرة؟ ذكر القاضي أبو يعلى هذا فيه وجهين:

    أحدهما: لا ينعقد بعمرة لأنه لم يقصده، ولا بحج لأن وقته لم يدخل، كما قلنا فيمن أحرم بالنفل قبل الفرض، أو عن غيره قبل أن يحج عن نفسه في الرواية التي اختارها أبو بكر.

  40. والثاني وهو المشهور: أنه ينعقد بعمرة، وقد قال أحمد في رواية عبد الله (٤) : إذا أحرم بالحج قبل أشهره يجعلها عمرة. وفسّرها (٥) القاضي (٦) بأنه يفسخ الحج إلى العمرة، وكذلك قال ابن أبي موسى (٧) : يُستحبُّ لمن أحرم بالحج قبل أشهره أن يجعلها عمرةً ويفرغ منها، ويحرم بالحج في أشهره.