الفصل الرابع (مدة المسح للمقيم والمسافر)
8 paragraphs · vol. 2, p. 244
- vol. 2, p. 244
ولأن الطهارة الكبرى يجب فيها غسلُ ما يمكن غسله من غير ضرر، وإن كان مستورًا بأصل الخلقة، كباطن شعر الرأس واللحية؛ فما هو مستور بغير الخلقة أولى، بخلاف الوضوء فإنه يسقط فيه غسلُ ما استتر بنفس الخلقة، فجاز أن يشبَّه به الخفّ في بعض الأوقات. وهذا لأن الوضوء يتكرر بخلاف الغسل، ولأن الغسل يشبه بإزالة النجاسة من حيث لا يتعدَّى حكمُه محلَّه، بخلاف الوضوء. ولأن تحت كلِّ شعرة جنابة، فيحتاج إلى بلِّ الشعر وإنقاء البشر.
-
الرابع
أن المقيم يمسح يومًا وليلةً، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. فإذا مضت المدّة بطل حكم الطهارة، ويحتاج إلى لبس ثان على طهارة غسل، إن أحبَّ المسح ثانيًا، وهلمّ جرًّا؛ سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام، وسواء في ذلك حال شدّة البرد وغيره. نصَّ عليه، لما تقدَّم من [٧٤/ب] حديث صفوان.
-
وعن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة - رضي الله عنها - عن المسح على الخفين فقالت: سَلْ عليًّا فإنه أعلم بهذا الأمر منّي، كان يسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فسألته، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة" رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (١) .
-
وعن خزيمة بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة" رواه أحمد
vol. 2, p. 245وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١) .
-
والسفر المعتبر للمدّة هو السفر المبيح للقصر في قدره وإباحته. فإن كان دون مسافة القصر أو كان محرَّمًا مسح كالمقيم، جعلًا لوجود هذا السفر كعدمه. وقيل: في السفر المحرم لا يمسح أصلًا عقوبة له، لأن المسح في الأصل رخصة، فلا يُعان به على سفره. وهو ضعيف، فإنّ الرُّخَص التي لا تختص السفر يجوز للعاصي بسفرٍ فعلُها، كالفطر في المرض، والجمع بين الصلاتين له، وما أشبه ذلك.
-
وأول المدّة المعتبرة: من وقت الحدث بعد أن يلبس الخفَّ إلى مثل ذلك الوقت في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: من حين المسح بعد الحدث إلى مثله، لظاهر قوله: يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن. فلو كان أوله الحدث لكان [٧٥/أ] المسح أقلَّ من ثلاث، وقد لا يمسح أصلًا إذا عدم الماء بعد الحدث ثلاثًا، وقال عمر: امسَحْ إلى مثل ساعتك التي مسحتَ فيها. رواه الخلال (٢) .
-
ووجه الأول: أنه أمر في حديث صفوان أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام
vol. 2, p. 246ولياليهن من الغائط والبول والنوم، فمفهومه أنّها تُنزَع لثلاث تَضَمَّنُهنّ (١) من الغائط والبول والنوم، ولأن ما بعد الحدث وقت يباح فيه المسح، فكان من المدّة، كما بعد الحدث الثاني والثالث.
-
وهذا لأن أول وقت العبادة ما جاز فيه فعلُها، لا (٢) ما وقع [فيه] (٣) فعلُها كالصلاة والأضحية. ومعنى قوله: يمسح المسافر ثلاثًا، أي يجوز (٤) له المسح ثلاثًا، بدليل ما بعد الحدث الثاني فإنه من المدة، وقد لا يحتاج فيه إلى المسح، أو بناء على أن الغالب وقوع المسح عقيب الحدث، وهذا معنى قول عمر إن شاء الله تعالى.