مسألة: (خلق الماء طهورا يطهر من الأحداث والنجاسات)

28 paragraphs · vol. 2, p. 5

  1. الطَّهور: هو ما يُتطهَّر به مثل الفَطور والسَّحور والوَجور. فأما الطُّهور فمصدر طهَر الشيءُ وطهُر طهارةً وطُهْرًا وطُهورًا. ليس الطَّهور هو الطاهر، ولا مبالغة فيه (٢) .

    vol. 2, p. 5
  2. وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل عن ماء البحر: "هو الطَّهورُ ماؤه (٣) " (٤) .

    vol. 2, p. 6وقال: "جُعلت لنا الأرضُ مسجدًا وطَهورًا" (١) أي مطهِّرًا (٢) .

  3. وهذه صفة للماء، دون غيره من المائعات؛ فلذلك طهَّر غيرَه، ودفَع النجاسةَ عن نفسه.

  4. والحدَث: هو معنًى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف.

  5. والنجاسة: هي أعيان مستخبَثة في الشرع يمتنع [٢/ب] المصلِّي من استصحابها. وهي في الأصل مصدر نجُس الشيءُ ينجُس نجاسةً فهو نَجِس، ويقال: نجِسَ الشيءُ ينجَس نجَسًا. ثم سُمِّي الشيء النجِس نجاسةً ونجَسًا، فلا يُثنَّى ولا يُجمع إلا أن تريد (٣) الأنواع.

  6. والماء يطهِّر من الحدث والنجاسة لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: ١١] وقوله في آية الوضوء {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: ٦] . وتطهُّرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالماء مشهور، وأجمعت الأمة على ذلك.

  7. مسألة (٤) : (ولا تحصل الطهارة بمائع غيره) .

  8. أمَّا طهارة الحدث، فهي كالإجماع لأنّ الله تعالى أمر بالتيمُّم عند عدم

    vol. 2, p. 7الماء، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الصعيد الطيّب طَهور المسلم إذا لم يجد (١) الماء عشر سنين" (٢) ،

    إلا في النبيذ، نبيذ التمر فإنّ بعض العلماء أجاز التوضُّؤ (٣) به في الجملة على تفصيل لهم (٤) ، لما روى ابن مسعود قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة لقِيَ الجنَّ فقال: "أمعك ماء؟ " . قلتُ: لا. قال: "فما في هذه الإداوة؟ " قلتُ: نبيذ. قال: "أرنيها، تمرةٌ طيّبةٌ وماءٌ طهورٌ" . فتوضأ، ثم صلّى بنا (٥) . رواه الإمام أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي (٦) .

  9. وهذا الحديث قد ضعَّفه جماعة من الحفّاظ، ثم إن صحّ فلعله كان ماء قد طرح فيه تمرات تزيل ملوحته، بدليل قوله: "تمرة طيبة وماء طهور" . ثم هو منسوخ بآية المائدة التي فرض فيها التيمم عند عدم الماء، فإنّ قصة الجنّ كانت بمكة في أول الإسلام.

    vol. 2, p. 8
  10. وأمّا [٣/أ] نجاسة الخبث، فعنه ما يدل على أنّها (١) تزال بكل مائع طاهر يزيل كالخل ونحوه (٢) ، وهو قول أبي حنيفة (٣) ؛ لأن المقصود هو زوال النجاسة. ولذلك يحصل بصَوب الغمام، وبفعل المجنون، وبدون النية.

  11. وظاهر المذهب كما ذكره الشيخ (٤) ، لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالماء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وفي دم الحيض، وغسل آنية المجوس؛ ولأنّ الطهارة بالماء يجوز أن تكون تعبُّدًا فلا يلحق به غيره كطهارة الحدث، ولأنَّ الماء ألطف وأنفذ في الأعماق، مع أنه ليس له في نفسه طعم ولا لون ولا ريح يبقى بعد زوال النجاسة. وهو مخلوق للطهارة،

    vol. 2, p. 9دون غيره من المائعات فإنَّها خُلقت للأكل والادِّهان (١) وغير ذلك، وأعمُّها وجودًا. وهو طهور يدفع النجاسة عن نفسه، ولا ينجُس بوروده (٢) عليها، إلى غير ذلك من الصفات التي اختصَّ بها، فلا يجوز إلحاق غيره به.

  12. مسألة (٣) : (فإذا بلغ الماءُ قلَّتين أو كان جاريًا لم ينجِّسه شيء إلا ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه. وما سوى ذلك يتنجَّس (٤) بمخالطة (٥) النجاسة).

  13. أمّا الماء الدائم، فظاهر المذهب أنه لا يتنجَّس بوقوع النجاسة فيه إذا كان كثيرًا إلا أن يظهر فيه طعم النجاسة أو لونها أو ريحها، وأنّ القليل ينجس بالملاقاة.

  14. وعنه رواية أخرى أنَّ الجميع لا يتنجَّس (٦) إلا بالتغير (٧) ، لما روى أبو سعيد الخدري قال: "قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بُضاعة، [٣/ب] وهي بئر يُلقى فيها الحِيَضُ ولحومُ الكلاب والنَّتَنُ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الماء طَهور لا ينجِّسه شيء". وفي رواية: أنه يستقى لك من بئر بُضاعة وهي بئرٌ يُطرَح فيها محايضُ النساء ولحومُ الكلاب وعَذِرُ الناس؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

    vol. 2, p. 10"إن الماء طَهور لا ينجِّسه شيء" . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. قال الإمام أحمد: هو حديث صحيح (١) (٢) .

  15. والصحيح: الأول، لما روى عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة (٣) من الأرض وما ينوبه من السباع والدوابّ فقال: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمِل الخبَث" . رواه الأئمة الخمسة. ولفظ ابن ماجه وأحمد في رواية: "لم ينجِّسه شيء" . قال الترمذي: حديث حسن (٤) . فلو كان القليل لا يحمل الخبث ولا يتنجّس لم يكن

    vol. 2, p. 11لتقديره فائدة.

  16. وصحّ عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه، ونهى عن اغتسال الجنب فيه، وأمر المستيقظ من نوم الليل ألا يغمِس يده فيه، وأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب فيه. وهذا كلّه يدلّ على أنّ القليل تؤثّر فيه النجاسة. [٤/أ] ولأنه لقلّته قد تبقى النجاسة فيه غير مستهلكة، فيفضي استعماله إلى استعمالها.

  17. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينجِّسه شيء" يريد ــ والله أعلم ــ أنّ ذات الماء لا تنقلب نجسةً بالملاقاة فرقًا بينه وبين المائعات حيث تنقلب نجسة بوقوع النجاسة فيها، لأنه طهور يطهِّر غيرَه، فنفسه أولى. فأما إذا تغيّر بالنجاسة فإنما حرم استعماله كما يحرم استعمال الثوب الملطّخ بالدم والبول، فإذا زال التغيّر كان كزوال النجاسة عن الثوب. ولهذا السبب كان سائر المائعات غير الماء يتنجَّس (١) بوقوع النجاسة فيه، قليلًا كان أو كثيرًا، في المشهور من المذهب.

  18. وعنه: اعتبار القلّتين فيها كالماء. وعنه: اعتبارها فيما أصله الماء منها كخلّ التمر، دون ما ليس أصله الماء كالعصير والدُّهن (٢) .

  19. وحدُّ الكثير: هو القلّتان في جميع النجاسات على إحدى الروايتين، كما ذكره الشيخ، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل وأكثر متأخري أصحابنا (١) ، على ظاهر حديث ابن عمر.

    vol. 2, p. 12
  20. والرواية الأخرى: أنّ البول من الآدمي والعَذِرة الرطبة خاصة ينجِّسان الماء، إلا أن يكون مما لا يمكن نزحُه كالمصانع (٢) التي بطريق مكة. وأكثر نصوص أحمد على هذا (٣) ، وهو قول أكثر المتقدمين من أصحابنا (٤) ، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" [٤/ب] رواه الجماعة (٥) . وقال الخلال: وحُدِّثنا (٦) بإسناد صحيح عن علي أنه سئل عن صبي بال في بئر، فأمرهم أن ينزحوها (٧) (٨) .

  21. وأمّا الماء الجاري، فعن أحمد ما يدل على روايتين (١) . إحداهما: أنه كالدائم، إذا كانت عين النجاسة في جِرية منه تبلغ قلّتين ولم تتغير فهي طاهرة، وإن نقصت عنها فهي نجسة، وإن كانت النجاسة واقفةً فكلُّ جِرية (٢) تمرُّ عليها ولم تتغير إن بلغت قلّتين فهي طاهرة، وإلا فهي نجسة.

    vol. 2, p. 13
  22. والجِرية: ما تحاذي النجاسة من فوقها وتحتها وعن يمينها وعن شمالها ما بين جانبي النهر. فأما [ما] أمامها فهو طاهر لأنها لم تلحقه، وكذلك ما وراءها لأنها لم تصل إليه.

  23. وإن اجتمعت الجريات كلّها، وفيها جرية طاهرة تبلغ قلّتين، فالجميع طاهر ما لم يتغيَّر، وإلا فهو نجس في المشهور. وعلى قولنا: إنَّ ضمَّ القليل إلى القليل أو الكثير النجس يُوجب طهارةَ الجميع إذا زال التغيّر، فهنا كذلك.

    وقال ابن عقيل: متى بلغ المجموع هنا قلّتين وكانت النجاسة في جِرية منه فهو طاهر لأنه ماء واحد (٣) .

    وقال السامرِّي (٤) : إن كانت الجرية التي فيها النجاسة قلَّتين أو مجموع المتقدم والمتأخر قلتين فهو طاهر وإلا فلا.

  24. وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور أصحابنا، لعموم حديث القلّتين،

    vol. 2, p. 14وقياسًا للجاري على الدائم.

  25. [٥/أ] والرواية الأخرى: أنَّ الجاري لا ينجس إلا بالتغير (١) قليلًا كان أو كثيرًا، اختاره الشيخ وغيره. وهي (٢) أظهر (٣) ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه" . وفي لفظ: "يتوضأ منه" (٤) . ومفهومه جواز ذلك في الجاري مطلقًا.

  26. وكذلك قوله: "لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" (٥) ، ومفهومه جواز الاغتسال في الجاري وإن استدبر الجرية.

  27. وكذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الراكد، ومفهومه الإذن في البول في الماء الجاري، ولو نجَّسَه (٦) لم يأذن فيه. وكذلك حديث بئر بضاعة عامّ.

  28. ومفهوم حديث القلّتين لا يعارض هذا، لأنّ قوله: "إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبَث" دليل على أنّ ما دون القلتين بخلاف ذلك، وإذا فرَّقنا بين جاريه وواقفه حصلت المخالفة، لا سيّما وسبب الحديث هو السؤال عن

    vol. 2, p. 15الماء الراكد. ولأن القليل الواقف إنما ينجس ــ والله أعلم ــ لضعفه عن استهلاك النجاسة، والجاري بقوة (١) جريانه يحيلها ويدفعها إذا ورد عليها، فكان كالكثير.