الفصل الرابع: في القواعد الشرعية

36 paragraphs · vol. 2, p. 169

  1. عرَف المجتهدون والفقهاء، من قبل نشأة علم أصول الفقه، القواعدَ الشرعية العامة من خلال ما ضبطوه من أحكام، وأقاموه عليها من أدلة، ونظروا في مجموع ذلك نِظرتهم الدقيقة الواسعة. فمكّنهم فحصُهم لها، وشمولُها لما أرادوا جمعه من أحكام أو مسائل، من الوقوف على ما نبّهوا إليه من علل الأحكام وحِكم التشريع. وإلى هذا أشار الشيخ ابن عاشور بقوله: ومن وراء ذلك خبايا في بعض مسائل أصول الفقه أو في مغمور أبوابها المهجورة عند المدارسة، أو المملولة تَرْسُبُ في أواخر كتب الأصول، لا يصل إليها المؤلفون إلا عن سآمة، ولا المتعلّمون إلا الذين رزقوا الصبر على الإدامة. فبقيت ضئيلة ومنسيّة، وهي بأن تعدّ في علم المقاصد حَرِيّة. وهذه هي مباحث المناسبة والإخالة في مسالك العلّة، ومبحث المصالح المرسلة، ومبحث التواتر والمعلوم بالضرورة، ومبحث حمل المطلق على المقيّد إذا اتحد الموجَب والموجِب أو اختلفا (١) . واجتمع لدينا، للدلالة على جملة من المصطلحات المتقاربة، عددٌ من الكلم نعدّ منها: الكليات والمقاصد، والعلل والحِكم، والمصالح والمفاسد ونحوها. والهدف من كلّ الصيغ التي تشترك فيما لها من علاقة بأحكام الشريعة من قريب أو بعيد، أو من أي وجه من

    vol. 2, p. 170الوجوه، إضاءتها لنا المسالك، ووضعها أيدينا على الحِكمة الشرعية، وعلى العلّة من التشريع الإلهي فيما قضى به الشارع الحكيم.

    vol. 2, p. 169
  2. [الكليات]

  3. تطلق الكليات على القسم الضروري من أقسام المصالح. وهي الكليات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل (١) ، وتوسع آخرون فأطلقوها على جميع المقاصد من ضروريّات وحاجيّات وتحسينيّات، لأن الشارع قصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق. فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبدياً وكلياً وعاماً في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال (٢) .

  4. ومثل هذا الحصر أو التوسع في إطلاق مصطلح الكليات نجده في استعمال المصطلحين: المقاصد والمصالح فهما مرّة ملتقيان، وأخرى مفترقان. تطلق كلمة مقاصد ويراد بها المصالح وكذا العكس. قال الشاطبي: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو الأقسام الثلاثة مما ذكرنا (٣) . وقال مرّة أخرى، جاعلاً القسم الضروري من المصالح وحدَه من المقاصد: إن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة (٤) .

  5. وفي شرح التحرير: حصرُ المقاصد في هذه الخمسة ثابت بالنظر للواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء (٥) .

  6. والمقاصد متضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها (١) . والمصالح والمفاسد على ضربين "دنيوية وأخروية" . والمصالح المجتلبة، والمفاسد المستدفعة شرعاً إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للأخرى (٢) . ويظهر من هذا الحصر دلالة المصالح والمفاسد على خصوص الجلب والدرء.

    vol. 2, p. 171
  7. وعند تأمل التركيب الإضافي "مقاصد الشريعة" ، نتصوّر معناه على الجملة، وندرك أن القَصد يراد به المقصود لغة، فَهُما بمعنى. وفي الاصطلاح أطلقوه على المطلب والغرض والحكمة التشريعية، ومن ثم انصبّ القصد العام في استعمال الأصوليين على المصلحة، كما ذكر ذلك صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية في قوله: إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان (٣) .

  8. وحاول بعض المتأخرين التفريق بين المصطلحين: المقاصد والمصالح. وقال: إن المصلحة هي مادة المقاصد ومجال فعلها. وفسّر الجملة باعتبار أن المقصد هو المبدأُ النظري أو القاعدة العامة، وقال في المصلحة: إنها المقصدُ حين يتجسّد، أي حين يتحول إلى فعل له. والظاهر أننا في غناء عن التفرقة بين المقصد والمصلحة. وكان ذلك هو الأصل والأساس من وضع كتاب المقاصد. وهو اعتبار المصالح مناطاً لأحكام الشريعة. فهي المقصودة من تلك

    vol. 2, p. 172الأحكام، فحيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله، وأن المبحوث فيه في هذا العلم هو طلب الأخذ بالمقاصد، وتحقيق المصالح بالامتثال لأوامر الشريعة وتنفيذ أحكامها. وذلك ما تضمنه الكتاب وجاءت به السُّنة. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (١) ، وقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (٢) .

  9. الطريق الممهِّدة للتعرّف الدقيق على المقاصد وتعيينها:
  10. إن المرجع في التعرّف على المقاصد وتعيينها هو الوقوفُ على الأدلة الشرعية التفصيلية وعللها أو على حِكمة التشريع التي قصد إليه الشارع. وهذان هما أولاً: الأمر والنهي الابتدائيان التصريحيان كما قدمنا. وقد جاء بيان هذا مفصلاً في قول الشاطبي: الأمر بالشيء يقتضي طلب الفعل، ووقوعُه عند وجود الأمر مقصود للشارع. وكذلك النهي، معلوم أنه مقتضٍ نفي الفعل أو الكفَّ عنه. فعدم وقوعه مقصود للشارع، وإيقاعه خلف لمقصوده (٣) .

  11. والعلم بالعلّة مثّل له الإمام بأمثلة كثيرةٍ منها: النكاح بقصد التناسل، والبيع بقصد الانتفاع بالمعقود عليه (٤) ، وإقامة الحدود بقصد الزجر عن موجباتها. ويُتوصّل إلى تحديد العِلّة بمسالكها المعلومة. فإذا تعيّنت عُلم أن مقصد الشارع هو ما اقتضته تلك العِلّة من الفعل أو الترك ومن التسبّب وعدمه، وإن كانت غير معلومة فلا بد من الوقوف على ما ورد من الشارع من قطع يفيد بأنه كان قصد كذا أو كذا.

  12. ومراعاة المقاصد الشرعية عند وضع الأحكام، وتجنُّبُ كل ما فيه انحراف عن الأدلّة أو مناقضة لها.

    vol. 2, p. 173
  13. فالتمسك في كل هذا يكون بالآيات القرآنية بعد فقهها وفهمها الفهم الدقيق المحقّق للغرض منها، وبالسُّنة الصحيحة التي اتفق علماء الحديث ونقاده على العمل بها، حصر بعضهم هذه فيما تواتر منها تواتراً معنوياً (١) . وبالمقاصد الشرعية المرادة للشارع، وهي التي من أَجلِ تحقيقها وضعت الأحكام.

  14. فالأحكام هي التي تتحقّق بها مصالح الخلق في الدنيا والأخرى. ويفتقر النظر فيها والتمييز لها إلى العلم بالسُّنة ومصطلحاتها. فلا يقدر على هذا غير من ثبت للناس بصرُه بمصادر الشريعة، وقدرتُه على الاجتهاد، وفق قوانين العلم بالعربية والأصول والاجتهادات الشرعية للسابقين من الأئمة. ومن لم يكن هذا شأنه كان من المتقوّلين على الله، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً وكَلامُه ردّ.

  15. ذلك أن العالِم المؤمن يقوم اجتهاده على مراعاة تلك المقاصد والمصالح المعتبرة التي أذن فيها الشارع، فيقضي ويفتي بها صائناً بذلك تشاريع ربه من أيّ تغيير أو تبديل، ومن غير تحريف للكلم عن مواضعه. وهو ما توعّد الله عليه. وقد حفظ سبحانه تشريعاته، وتولّى بنفسه - جل جلاله - حمايةَ كتابه بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (٢) .

  16. [القواعد والضوابط لمعرفة الأحكام وتعيين المقاصد]

  17. وضع كثير من شيوخ العلم من المجتهدين والفقهاء جملة من

    vol. 2, p. 174القواعد والضوابط يتقيّد بها الفقهاء يسيرون على نهجها، ويهتدون بها، حرصاً منهم على طلب مقاصد الشريعة، وتطلعاً إلى ما يترتب على ذلك من التزام بها في الدنيا وجزاءٍ عليها في الأخرى.

  18. وهذه جملة من القواعد تسطّر منهاجاً للمجتهدين وسبيلاً للباحثين والدارسين.

  19. ° فهي: تُحدد ما يترتب على الإيمان والاستقامة والعمل الصالح من ثواب وجزاء على ذلك في الدنيا والآخرة. يشهد لهذا قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} (١) ، وقوله: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (٢) ، وقوله: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (٣) .

  20. كما حَدّدت قواعدُ الشريعة ما يترتب على الكفر، والإعراض عن الحق، والفساد في الأرض من عذاب وعقاب. قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (٤) ، وقوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} (٥) .

  21. ومن الوعيد على الكفر العذاب الأكبر الذي أعدّه الله لهم. وهو ما ينبئ عنه قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} (٦) .

  22. فهذه الآيات تحمل أولي النُّهَى على جعل الآخرة موضع اهتمامهم، واعتبارِ هذه الدار متْجراً لهم، كما تضبط المنهج السلوكي الذي دعاهم الرحمن إلى الالتزام به. والقاعدة في هذا أن المصالح المجتلبة والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقامُ الحياة الدنيا، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها أو درء مفاسدها العادية (١) ، والمعتمد في هذا اتباع منهج الشرع. فهو - جل جلاله - العليم بالمصلحة من هذه الناحية، الموفّق بينها وبين ما أجراه في سُنة الوجود.

    vol. 2, p. 175
  23. والقاعدة بهذه الصورة ليست تلك التي عرفها علماء الأصول بكونها الأمرَ الكلي المنطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه، بل هي هنا كما ذكرها التهانوي في اصطلاح العلماء، أوسع من ذلك. وعلى هذا جرى العز بن عبد السلام في قواعده (٢) .

  24. وإلى جانب هذا النوع من القواعد التي لا ينبغي أن تغيب عن المرء طوال حياته، أشير إلى قسم ثان منها مثاله:

    ° إن مجيء الشرع كان لهداية الناس إلى مصالح العباد، وإن دور الشريعة حفظُ مصالحها في الخلق (٣) .

  25. ° إن الشريعة تحيط بجزئيات من المصالح لا يحيط بها العقل (٤) .

  26. ° أن في الأمر والنهي والتخيير حظاً للمكلف وحفظاً لمصالحه، أما الله فهو غني عن الحظوظ، مُنزّه عن الأغراض (١) .

    vol. 2, p. 176
  27. وهذه جميعها تؤكد على هدي الشريعة في الأخذ بقواعد الدين، واعتبار أن ما جاء عن طريقها هو خير الطرق وأفضلها. بل هو جماع الطرق المحققة للسعادة، الكفيلة بجلب المصالح ودرء المفاسد. ولهذا الاعتبار حذّر العلماءُ من مخالفة الشرع. ومن الاستغناء عنه بما يمليه أو يدل عليه النظر والعقل. وقد اخترت من القواعد أمثلة مما نبه إليه الإمام الغزالي:

    ° يجب أن يكون اتباع المصالح مبنياً على ضوابط الشرع ومراسمه (٢) .

  28. ° وجوب المحافظة على حدود الشريعة والإعراض عن المصالح (٣) .

  29. ° اتباع المصالح مع مناقضة النص باطل (٤) .

  30. وفي هذا تحذير من مجاراة الهوى واتباع الشهوات والصدوف عن الهدي الشرعي.

  31. ومن القواعد الواردة في هذا الغرض أيضاً:

    ° أن القصد الشرعي من التشريع هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما أنه عبد له اضطراراً (٥) . وتتعلق هذه القاعدة بالأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين

    vol. 2, p. 177والدنيا، لا من حيث هوى النفوس، ولكن من جهة دلالة الشرع عليها والدعوة إليها. والآيات الواردة في هذا الغرض كثيرة، منها قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (١) ، وقوله: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} (٢) ، وقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} (٣) .

  32. ° اتباع الهوى في المحمود طريق إلى المذموم، لأنه إذا تبيّن أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفاً (٤) . وقد حذّر العلماء من قبح هذا السلوك الخطير بقولهم: متبع الهوى كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة لما في أيدي الناس لاقتناص أغراضه.

  33. ° قصد الشارع من المكلف أن يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع، فإن ذلك اعتباراً لمصالح العباد على الإطلاق والعموم. والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وألّا يقصد خلاف ما قصده الشارع.

  34. وقد اقترنت بالملحظ المتقدم عند الشيخ الإمام قضايا المقاصد ومسائلها بموضوعات المصالح وتفاريعها.

  35. واعتباراً لهذه القواعد، وما ينجم عن مخالفتها من محاذير، تضمن القسم الأول من مقاصد الشريعة الإسلامية فصلين هامَّين:

    vol. 2, p. 178يقرر أولهما صعوبة التوصل إلى تعيين المقاصد، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك (١) ، وهو الذي ترجم له باحتياج الفقيه إلى معرفة المقاصد.

  36. ويكشف ثانيهما عن الطرق المعتمدة لذلك عند علماء السلف، ومن جاء بعدهم من العلماء والفقهاء (٢) .