الحيلة
42 paragraphs · vol. 2, p. 315
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 315
الحيلة والاحتيال والتحيّل في أصل اللغة: الحذق وجودة
vol. 2, p. 316النظر، والقدرة على دقّة التصرّف في تدبير الأمور (١) . وعلى هذا النحو من التعريف جرى الراغب الأصفهاني في المفردات (٢) ، والبجيري في الحيل في الشريعة الاسلامية (٣) . وعلى هذا المعنى جرى استعمال المخارج والمعاريض في كتب الفقه.
-
والاستعمال الغالب للحيل والتحيّل والاحتيال يطلق على الوسائل المُتوصَّل بها إلى المقصود السيئ. والكلمات ذات الصلة الواردة بهذا الغرض هي المكر والكيد، والخداع والخديعة والمخادعة، والمدالسة والمخاتلة، وقريب من هذه الكلم الخذل كالذي ورد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لنعيم بن مسعود: خذِّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة (٤) .
-
وليس من باب الحيلة أو التحيّل التدبير والحرص والورع؛ لأنها عمل مأذون فيه بصورة غير صورته أو بإيجاد وسائله (٥) .
-
وتطلق الحيلة ونحوها في الاصطلاح على ما يتوصل به إلى مقصود خفي. وهي قسمان: جائزة وغير جائزة (٦) .
-
[أركان الحيلة]
- أركان الحيلة أربعة، هي:
-
أولاً: الوسيلة التي يتوصل بها إلى المقصود قولاً كانت أو فعلاً، مشروعة أم غير مشروعة.
- vol. 2, p. 317
ثانياً: المقصد. وهو الغاية التي يراد التوصل إليها عن طريق الوسيلة ويكون المقصد مشروعاً أو غير مشروع.
-
ثالثاً: القصد وهو نية التوصل إلى المقصود بسلوك الوسيلة المفضية إليه.
-
رابعاً: الخفاء في وجه التوصل إلى المقصود.
-
ومن الحيل مشروع وغير مشروع.
-
فمن الحيل المشروعة قول أبي بكر وقد سألة المشركون عن الرجل الذي معه، وهو في طريقه إلى الهجرة: هاد يهديني السبيل (١) .
-
ومنها قول أبي حنيفة لمن سأله: يا إمام، لي ولد، ليس لي غيره. فإن زوّجته طلّق، وإن سرّيته أعتقَ. وقد عجزت عنه فهل من حيلة؟ قال الإمام: اشترِ الجارية التي يرضاها هو لنفسه ثم زوجها منه فإن طلق رجعت إليك، وإن أعتق أعتق ما لا يملك.
-
وقد أطلقوا على الحيل الجائزة التي توافق مقاصد الشرع كلمتي المعاريض والمخارج. والمعاريض جمعٌ، واحدُه المعراض، وهو التعريض كالتورية. ويقابله التصريح. وهو اللفظ الذي له ظاهر وباطن أو قريب وبعيد، يوهم المتكلم به إرادة المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن، وهو يريد في الواقع المعنى الباطن أو البعيد، أو هو الكلام الجائز الذي يقصد به التكلم معنى صحيحاً يتوصل به إلى مقصد مشروع، ويتوهم غيره أنه قصد به معنى آخر. وقد ورد استعماله في القرآن في قوله - عز وجل - {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} (٢) ؛ وورد على لسان إبراهيم - عليه السلام - حين أراد الطاغية سوءاً
vol. 2, p. 318بزوجته سارة، وسأله من تَكون؟ قال: هي أختي، يوهمه بأنها أختُه من النسب. وهو في واقع الأمر يريد أختَه في الدين. وفي هذا دَفع للظلم واتقاء لما يمكن أن يترتّب على سَورة الغضب عند عدوه (١) .
-
والمخارج هي التي يتخلّص بها من المكروه أو يجلب بها المحبوب. وواحدها مخرج. ورد بهذا اللفظ القرآني في قوله جل وعلا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (٢) . وهذه التسمية واردة بكثرة في كتب الحنفية. ومثال المَخرَجِ ما أشار به الإمام أبو حنيفة على رجل نهبت داره. ولما ضايق اللصوصَ استحلفوه بالطلاق ألا يدل عليهم. فذهب إلى الوالي وطلب حصر مَن في الحي وسوقهم جميعهم إلى الإمارة. ولما بدأ استعراضهم ظل الوالي يسأله عن كل واحد منهم فإن كان من غير اللصوص، قال: ليس منهم، وإن كان منهم سكت الرجل ولم يجب بكلمة. وهكذا وقع التعرف على اللصوص وأخذ ما سرقوه منه (٣) .
وقال الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز. وقد يكون في الحيلة ما هو أكبر فائدة وأعظم أثراً. فمن الحيل ما يتخلّص به من المآثم والحرام ويُخرَجُ به إلى الحلال. فما كان من هذا أو نحوه فلا بأس. وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يبطله، أو يحتال في باطل حتى يموّه، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة. فأما ما كان على هذا القبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك (٤) .
vol. 2, p. 319وقال الشاطبي في موافقاته: لا يمكن إقامة دليل من الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة. فإنما يبطل منها ما كان مضاداً لقصد الشارع خاصة. وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة (١) .
-
وعرّف الفقهاء الحيل المشروعة والجائزة فقالوا: هي التي تكون وسيلتها مشروعة وغايتها كذلك.
-
وقصر الشيخ ابن عاشور كلامه على الحيل غير المشروعة وغير الجائزة. وقد سبق تعريفه لها في كتابه (٢) . وحمله هذا الاتجاه على تأويل ما وقع من الحيل المشروعة مما اشتمل عليه الكتاب والسُّنة. وأكثرَ الفقهاءُ من ترديد ذكر الحيل في كتبهم ودواوينهم. يقول الإمام الأكبر: فأما ما كان وارداً في آثار شريعتنا فمخارجه ظاهرة، ومن ذلك:
ما رخّص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مما كان وقوعه في مبدأ التشريع، مثاله ما روي في الموطأ وصحيح مسلم: أنه لما أُبطل التبنّي وكان سالم مولى أبي حذيفة متبنّىً لأبي حذيفة، جاءت سهلة بنت سهيل زوج أبي حذيفة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله! إن سالماً يدخل علينا وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرضعيه تحرمي عليه" . فقالت: يا رسول الله كيف أرضعه وهو كبير؟ فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "قد علمت أنه رجل كبير" . فقال نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسالم خاصة. وأَبَيْنَ أن يدخل عليهن أحد بهذه الرضاعة (٣) .
- vol. 2, p. 320
ومنها ما كان من شريعة سابقة فلا نطيل القول في تأويله، إذ ليس بين أيدينا من بقية فروع تلك الشريعة ما يقنعنا في معرفة مخالفة مقدار الصورة الظاهرة المدعوّة عندنا بالحيلة لبقية أحكام تلك الشريعة. ومن أمثلة ذلك: إذن الله تعالى لأيوب بأن يصرب امرأته براً بيمينه. فقال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} (١) ، {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} (٢) . ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق" (٣) .
-
وإنه لمن الغفلة أن يقاس على مثل هذه الحيل، فتجعل أصلاً للقياس عليها، مع تحقق أن الحيلة لا تشتمل على معنى أو حكمة يصحّ القياس عليها، إذ قد اتفقنا أن الحيلة مخالفة للحكم ومفيتة للمقصد (٤) .
-
والحيل غير المشروعة أو المحرّمة هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله من الظاهر إلى حكم آخر .. فمآل العمل فيها في الواقع خرم لقواعد الشريعة. كالواهب ماله عند رأس الحول، فراراً من الزكاة. فإن أصل الهبة على الجواز ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعاً. فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة. فإذا اجتمع الأمران صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة. وهو مفسدة (٥) .
-
وأخذ بعضهم بمذهب البخاري، وهو رأي أهل الحديث (٦) ، متوسعاً في مفهوم الحيلة: التحيّل بوجه سائغ مشروع في الظاهر أو
vol. 2, p. 321غير سائغ من إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر، بحيث لا يسقط أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة فتُفعل ليتوسل بها إلى ذلك الغرض المقصود مع العلم بكونها لم تشرع له.
- وكأنّ التحيُّلَ مشتمل على مقدمتين:
-
إحداهما: قلب الأفعال بعضها إلى بعض في ظاهر الأمر.
-
وثانيتهما: جعل الأفعال المقصود بها في الشرع معان ووسائل إلى قلب تلك الأحكام. ولذلك عرّفه أبو إسحاق الشاطبي، في المسألة العاشرة من القسم الثاني من كتاب المقاصد من تأليفه، تعريف تمثيل بقوله: إن الله أوجب أشياء وحرم أشياء، إما مطلقاً من غير قيد ولا ترتيب على سبب، كما أوجب الصلاة والصيام والحج وأشباه ذلك، وحرّم الزنا والربا والقتل ونحوها. وأوجب أيضاً أشياء مرتبة على أسباب، وحرّم أخرى كذلك، كإيجاب الزكاة والكفارات وما أشبهها. فإذا تسبّب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه، أو في إباحة ذلك المحرّم عليه بوجه من وجوه التسبّب، حتى يصير الواجب غير واجب في الظاهر، أو المحرّم حلالاً في الظاهر أيضاً، فهذا التسبب يسمى حيلة وتحيلاً (١) . وختم كلامه هذا، في المسألة الثانية عشرة بقوله: لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك، لأنه مقصود الشارع منها. فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه (أي منفعته وحكمته) على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح، لأن الأعمال الشرعية غير مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها. وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك
vol. 2, p. 322على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات (١) .
وقال صاحب المحيط: وضابط الحيلة إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا. بل هي إثم وعدوان.
وقال ابن القيم في الحيلة: هي المخادعة أو المراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرّم (٢) . وذهب ابن قدامة إلى أن الحيل كلها محرّمةٌ غير جائزة في شيء من الدين، ومثّل لذلك بقوله: كأن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرّماً مخادعة وتوسلاً إلى ما حرم الله، واستباحةِ محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك (٣) . وبمثل هذا التعريف عرّفها شارح الاقناع وصاحبُ منتهى الإرادات.
-
والحيل المحرّمة عبارة عن تصرّف مشروع لا يقصد به المتصرّف حقيقتَه وحكمَه الذي وضَعه الشارع له، بل يقصِد التصرّف المحرّم وقلب الحكم الشرعي.
-
وختام ما نورده من تعاريف الحيلة تعريفُ الإمام الأكبر لها بقوله: هي إبراز عمل ممنوع شرعاً في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتدّ به شرعاً في صورة عمل معتدّ به، لقصد التفصّي من مؤاخذته. والتحيّل من هذا القبيل هو الذي يتوصّل له إلى مقصد ذميم. وهو شرعاً ما كان المنع فيه شرعياً والمانع الشارع (٤) .
- أنواع التحيّل:
-
التحيّل، من حيث أنه يُفيتُ المقصد الشرعي كلَّه أو بعضَه، أو لا يفيته، يمكن بالاستقراء أن نردَّه إلى خمسة أنواع. قال الشيخ ابن عاشور:
النوع الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعي ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يتحيّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتّب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سبباً بل في حالة جعله مانعاً. وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمَّه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصِد صاحبه إن اطلع عليه.
-
النوع الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإن ترتّب المُسبب على سببه أمر مقصود للشارع. ومثله هذا الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر، في حين يكون المكلف مخيّراً في اتباع أحد السببين. فعلم أن أحدَهما يكلفه مشقةً فانتقل إلى الأخفّ. وهذا النوع جائر على الجملة لأنه انتقال من حكم إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر. وتختلف في ذلك الأمثلة.
-
النوع الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفُّ عليه من المنتقَلِ منه. وأمثلة هذا تدلّ عند الشيخ ابن عاشور على أن هذا ألصق بمقام الترخّص إذا لحقت المكلف مشقةٌ من الحكم المُنتقَل منه. وهذا أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله.
-
النوع الرابع: تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيّل بها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال. وهذا كتحيّل من صدرت منه يمين لا يتعلق بها حق
vol. 2, p. 324الغير، فإنّ البر باليمين في حقّه هو الحكم الشرعي. والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإن ثقل عليه البرّ فتحيل للتفصّي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيّب اسم الله تعالى. وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد. فمذهب مالك لزوم الوفاء وإلّا حنث، ومذهبُ فخر الإسلام أبي بكر الشاشي فيما نقله عن ابن العربي أن لا حنث عليه إذا تحيّل مثلاً بتغيير يُلحقه بثوبه. وقد حلف ألا يلبس هذا الثوب .. وكان بعض الحنفية يفتي من حلف ألّا يدخل الدار بأن يتسوّرها وينزل من باب سطحها. وهذا بالنسبة للأعاجم لأن الدخول عندهم مقصور على الدخول العادي.
-
النوع الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع. وهو يعين على تحصيل مقصده ولكنّ فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى (١) .
-
وما من شك في أن الحيل المحرّمة هي كما صوّرها ابن القيم من مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلامَ وأهلَه. فإن الحيلة متى تضمّنت تحليل ما حرّم الله، وإسقاطَ ما فَرَضَه، ومضادتَه في أمره ونهيه، لا تكون إلا باطلة. وهذا ما اتفق السلف على ذمّهِ وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. ويؤكد هذا التصوّر ما بنيت عليه الشريعة الإسلامية من سماحة ورفق وعدل ووفاق. وهذا دليل كمالها وعظمتها. فهي الصراط المستقيم الذي لا أَمْتَ فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيقَ فيها ولا حرج، بل هي حنيفيةُ التوحيد، سمحةُ العلم لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو فهمت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحِجا: لو أباحته لكان أرفق،
vol. 2, p. 325بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث (١) .
-
ومثل هذا التأكيد يحمل الناظر على التوقّف في أمر التحيّل المختلفةِ أنواعُه، المتباينةِ أغراضُه. كما يحمل على النظر في الذرائع، وما يكون بها من شدّة في إبطال كثير من الأعمال الجائزة والمباحة. ولا يتجلّى لنا هذا إلا باتباع النظر في التحيّل بالنظر في الذرائع.
-
وفرّق د/ محمود حامد عثمان بين التحيّل وسد الذرائع بقوله: إذا كانت الحيلة عبارة عن تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وكانت الذريعة هي ما كان ظاهره الإباحة ويُتَوصَّلُ أو يمكن أن يُتَوصَّل به إلى محظور، يتضح لنا أن الذرائع والحيل قاعدتان متشابهتان، والكلام فيهما متداخل. وهما يلتقيان أحياناً ويفترقان أخرى. ولهذا التداخل حُمل مَن كتب عنهما على التكلم على إحداهما أثناء كلامه على الأخرى. وعلى أن يستدل لإحداهما بأدلة الأخرى (٢) .
وقال الشيخ ابن عاشور: للذرائع تعلّق قوي بمبحث التحيّل، إلا أن التحيّل يراد به إعمال بعض الناس في خاصّة أحواله للتخلّص من حق شرعي عليه، بصورة هي أيضاً معتبرة شرعاً حتى يظن أنه جار على حكم الشرع. وأما الذرائع فهي ما يفضي إلى فساد سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوه، وذلك في الأحوال العامة. فحصل الفرق بين الذرائع والحيل من جهتين: جهة العموم والخصوص، وجهة القصد وعدمه.
- vol. 2, p. 326
والحيل المبحوث فيها لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد شرعي من الصلاح، وقد لا تكون مبطِلة (١) .
-
وبيان الفرق بين الحيلة والذريعة يحصل بأربعة أمور هي:
أولاً: إن الحيل قد تكون للتخلّص من قواعد الشريعة كما هو ظاهر من تعريفها.
-
ثانياً: الحيل تجري في العقود خاصة، والذرائع في العقود وغيرها، فهي أوسع (٢) .
-
ثالثاً: اشتراط القصد في الحيل، وعدم اشتراطه في الذرائع. فمتى وجد القصد في الذريعة فهي حيلة، ومتى عدم فهي ذريعة. فقد تجتمع الحيلة والذريعة. وقد يفارق كل منهما الآخر كما مرّ.
-
فمثال ما كان ذريعةً سبُّ الأوثان عند من يعلم من حاله أنه يتجرأ فيسبّ الله.