الفصل الأول: الحقوق وأنواعها

53 paragraphs · vol. 2, p. 330

Page 1 of 2

  1. الحقوق واحدها الحق. وهو لغة مقابل الباطل. ويراد به النصيب، والواجب، واليقين. وحقوق العقار مرافقه.

    vol. 2, p. 330
  2. والحق في الاصطلاح: الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال من العقائد والأديان، والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك.

  3. وقيل الحق: هو الواجب الثابت. وهو قسمان: حق الله، وحق العباد.

  4. فحق الله هو ما يتعلّق به النفع العام للعالَم من غير اختصاص بأحد. فينسب إلى الله لعظيم خطره وشمول نفعه. وهو كما قال ابن القيم: ما لا دخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها.

  5. وحق العبد ما تعلقت به مصلحة خاصّة له كحرمة ماله. قال صاحب إعلام الموقعين: حقوق العباد هي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها (١) .

  6. ونوّع القرافي الحق إلى نوعين: حق الله تعالى وهو أمره ونهيه،

    vol. 2, p. 331وحق العبد وهو مصالحه. وفرّع التكالف المبنية على هذا الحق إلى ثلاثة:

    (١) حق الله وحده كالإيمان وتحريم الكفر به سبحانه.

  7. (٢) حق العبد كالديون والأثمان.

  8. (٣) حق مختلف فيه لاشتماله على النوعين معاً. وذلك بأن يكون مما غلب فيه حق الله، أو مما غلب فيه حق العبد كحد القذف.

  9. وحق العبد المحض قابل للإسقاط إن أسقطه صاحبه. وينبغي التنبيه إلى أنه ما من حق للعبد إلا وفيه حق لله. وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى صاحبه (١) .

  10. وقسم ابن رجب حقوق العباد خمسةَ أقسام هي:

    ° حق الملْك.

  11. ° وحق التملك.

  12. ° وحق الانتفاع.

  13. ° وحق الاختصاص.

  14. ° وحق التعلّق لاستيفاء الحق مثل تعلّق حق المرتهن بالرهن (٢) .

  15. وفي هذا يقول الإمام الأكبر في تقسيم الحقوق:

    vol. 2, p. 332أولها: ما يعرف بحق الله. وهو أوسع الحقوق. والمراد به بوجه عام حقوق الأمة ليحصل لها النفع العام أو الغالب، أو حقّ من يعجز عن حماية حقه. وما كان في الحقوق من هذا القبيل مأمور بحفظه وحمايته شرعاً، ولم يجعل لأحد إسقاطه؛ لأنه مما قضت الشريعة بحفظه كتصرّفات الناس في اكتساب مصالحهم وحمايتها من الانخرام. وهذا كحق بيت المال، والقاصر، وحضانة الصغير الذي لا حاضن له.

  16. ثانيها: حقوق العباد كالتي قدمنا في التقسيم الأول للمقاصد. وهي التصرّفات التي يجلبون لهم بها المصالح، ويدرؤون بها عنهم المفاسد، دون أن يفضي ذلك إلى انخرام مصلحة عامة أو جلب مفسدة عامة، ولا إلى انخرام مصلحة شخص أو جلب مصلحة له أو جلب مضرّة له في تحصيل مصلحة غيره. وحقوق العباد هي الغالب.

  17. وثالثها: حال اقتران الحقّين: حق الله أو الحق العام، وحق العبد، كما في القصاص والقذف والاغتصاب. ويغلب في هذا حقُّ العبد، إذا لم يُمكن تدارك حق الله كما في عفو القتيل عن قاتله عمداً، لأن حق الاستحياء الذي حرّم لأجله القتل وبولغ في التهديد عليه قد فات، فرجح حق العبد على حق الله، ولا يبقى منه سوى أثر قليل هو ضرب القاتل المعفوّ عنه مائة، وحبسه عاماً (١) .

  18. [تعيين مستحقي الحقوق يرفع أسباب النزاع]

  19. ومن المقاصد الشرعية المعتبرة نصب الحكام، ووضع الأحكام لرفع أسباب التواثب والتغالب. وتعيين مستحقي الحقوق خيرُ طريق لتحقيق هذا القصد وهو أمر لم يكن موكولاً للصدفة ولا إلى الإرغام، ولكن إلى الفطرة والعدل. وهو ما لا تجد النفوس عنه

    vol. 2, p. 333حولاً، ولا معه نفرة، ولا في التسليم والخضوع له هضيمة. وفي هذا الغرض يطول الكلام. وقد أتى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، بأصول الاستحقاق وجماع أصول تعيين الحقوق وجعَلهَا نوعين؛ لأنها كما تقدم إما أن تكون من قبيل التكوين، وإما من قبيل الترجيح (١) .

  20. والمراد من التكوين أصل الخلقة بأن ينشأ الحق مع تكوين صاحبه مقارناً له.

  21. والترجيح هو إظهار أولوية جانب على آخر في حق ما هو صالح لجانبين فأكثر. وطريق ذلك إما حجة العقل الشاهد بالرجحان، وإما الحجّة المعتمدة في الجملة بين الناس. فإن لم يكونا فإنه يصار إلى مرجّحات اصطلاحية مثل كبر السن، والسبق إلى تحصيل الشيء، والقرعة بحسب قوّة موجب تعيين أصحاب الحقوق.

  22. [أصحاب الاستحقاق]

  23. فصّل صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية أصحاب الاستحقاق إلى تسعة مراتب متوالية تدريجياً لما بينها من تفاوت.

  24. المرتبة الأولى: أن يكون الحق أصلياً مستحقاً بالتكوين وأصل الجبلة. وهو حق المرء في تصرّفات بدنه وحواسّه ومشاعره. ويلحق به نسل الأنعام المملوكة لأصحابها، وثمر الشجر، ومعادن الأرضين، وكل ما تولد من شيء ثبت منه حق معتبر.

  25. المرتبة الثانية: ما كان الحق فيها قريباً من المرتبة الأولى، ولكنه يخالفها لما به من شائبةِ تواضعٍ، دعت إلى اصطلاح نظام الجماعة أو الشريعة عليه، كحق الأب في أولاده.

  26. المرتبة الثالثة: أن يكون المستحق وغيره سواء في إمكان تحصيل الحق، غيرَ أن بعض المستويين في ذلك قد سعى بجهد، وعمل بيده أو بدنه أو بابتدار لتحصيل الشيء قبل غيره.

    vol. 2, p. 334
  27. المرتبة الرابعة: أن يكون الطريق إلى نوال الشيء هو الغلبةُ والقوةُ كما في القتال على الأرض، والغارة على الأنعام، والأسر والسبي في الاسترقاق، والجهاد والمغانم.

  28. المرتبة الخامسة: هي حق السبق الذي لم يصحبه جهد في تحصيل الحق كمقاعد الأسواق للباعة، ومقاعد المتسوّقين والمجالس في المساجد، والسقي من السيح والأودية، وتزوج ذات الوليين، وترجيح الزوج الذي سبق بالبناء بالمرأة على الزوج الآخر، ومثل الالتقاط ونحوه.

  29. المرتبة السادسة: أن يكون المستحق قد نال الحق بطريق ترجيحه على متعدد من المستحقين في مراتب أخرى، كجعل حضانة الأولاد حقاً للأم دون الأب، وكالنظر في مال القُصَّر للأب وغير ذلك. ولحقوق هذه المرتبة أمثلة كثيرة يخضع الاستحقاق فيها للجانب المرجَّح.

  30. المرتبة السابعة: نوال الحق ببذل عوض في مقابلته، يدفع إلى صاحب الحق إرضاء له. وهذا من التعاوض فيما يقبل التعويض. وهذه المرتبة أوسع المراتب وأشهرها في نظام الحضارة الإنسانية.

  31. المرتبة الثامنة: نوال الحق بعد انقراض مستحقه من أقرب الناس إليه وأولاهم بأخذ حقوقه. وهذا هو نظام الإرث الذي حدد الشارع فروضه على اعتبار القرابة الأصلية العائلية دون النظر إلى صلات الود ونحوه. وقد حصر الإسلام حق الإرث في النسب والزوجية والولاء، وجعله في المتموّلات خاصة.

  32. المرتبة التاسعة: مجرد المصادفة دون عمل أو سعي.

    vol. 2, p. 335
  33. وفيما قدمنا ذكره تعريف بالحقوق، وتقسيم لها، وتعيين لأصحاب الحقوق، ورفع لأسباب التنازع بينهم، وترتيب لأصحاب الاستحقاق فيما بينهم أقره الاستقراء بحسب ما يكونون عليه من تفاوت في الدرجة (١) .

  34. وعقب المؤلف على هذا بتنبيهات ثلاثة هي:
  35. أولاً: أن يكون صاحب الحق فرداً واحداً، أو متعدداً محصوراً، أو متعدداً غير محصور تجمع أصحابه أوصافٌ مشتركة بينهم: كأفراد الجيش، والفقراء، وطلَبة العلم، وبيت المال. وربما آل التصرّف مع بعض هذه الأصناف إلى اتخاذ أمناء على استعمال الحق المشترك.

  36. ثانياً: سلب الحق، عمّن يتبين أنه غيرُ أهلٍ له مقصدٌ شرعي. ويرجع هذا إلى المراتب التي وصفناها، أو إلى سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقين على جانب آخر، كما في المرتبة السادسة، أو يكون سلبه لأجل ثبوت حق آخر كما في المرتبتين الثالثة والرابعة.

  37. ثالثاً: عدم جواز نزع الحق ممن يستحقه إلا لضرورةٍ تقيم مصلحة عامة، كأخذ أرض للحمى، أو لِدفعه في قضاء آخر انتفع به المنتزع منه كبيع القاضي ريع المدين، أو لحقًّ مرجَّحٍ كالشفعة (٢) .

  38. [حقوق العمال]

  39. وإذا كان للعمال في هذا العصر دور أي دور في تحقيق النمو

    vol. 2, p. 336والثروة سواء في المجالات الضيقة أو الواسعة في المجالين العمراني والاقتصادي، فإن الواجب يفرض علينا أن نعرِف حقهم، ونجزيهم الجزاء الأوفى عن أعمالهم. فمن يرجع إلى توجيهات الإمام ابن عاشور في ذلك وسياسته التعاونية والاجتماعية يسرع دون شك إلى الاستجابة لله وللرسول فيما قضى به كل منهما من أداء حقوق العمال وإعطائهم أجورهم من غير تأخير أو مطل. فأجرة كل عامل على عمله، ولو كان من العاملين على الصدقات يجمعها. فقد منح الله هؤلاء العمال أجراً في كتابه إذ يقول: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . وهذا في الواقع من باب مكافأة العامل على عمله. والأصل في هذا أن يكون الأجير كفؤاً للعمل، وأن يكون تقدير أجرته بما وقع عليه الاتفاق بين الطرفين. فإن أعوز ذلك كان تقدير الأجرة للحاكم وبتحكيم أجر المثل. ويستحق الأجيرُ العاملُ أُجْرَتَهُ عند الفراغ من عمله، أو بإثر قيامه بما وجب عليه فيه. وهكذا يستوفي حقه كاملاً. ولا يؤخذ منه أو يقطع من أجرته ما أكله بالمعروف. فإن العادة أن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى ولو اشترط الواقف منعه من ذلك. والمراد بالمعروف هنا ما عناه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين وقف أرضه التي بخيبر من قوله: "ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقه غير متمول مالاً" (١) .

  40. والمعروف ليس الأخذ من المال بقدر أجرته على العمل، فإن

    vol. 2, p. 337هذا يرفضه الواقع ويمنع منه الحق والعدل. وأنَّ المعروف كما فسّره القرطبي: "هو القدر الذي يمنع الشهوة" (١) .