الشيخ ابن عاشور والإصلاح
28 paragraphs · vol. 1, p. 183
- vol. 1, p. 183
كانت هذه المطالب وما يرتبط بها حاضرة ماثلة في ذهن الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. وتوفّرت أسباب ذلك لديه:
منها ما هو معروف بين الخاصة والعامة، وفي الأوساط العلمية الزيتونية، وحتى في الأوساط السياسية والاجتماعية. وهي إصلاحات الوزير خير الدين.
-
وما كان يتلقاه مباشرة من آراء جدّه الوزير، وتصرّفاته بشأن إصلاح الزيتونة. وقد كان جدّه الوزير من علماء الزيتونة، تخرّج من بين عرصاتها، واغتذى بلبانها بالأخذ عن أشياخها، وتردّد طالباً على حلقات العلم بها، ثم تولّى تفقّدها وهو وزير، كما تولّى بنفسه الإشراف على اللجنة الأولى لإصلاح التعليم بجامع الزيتونة سنة ١٣١٦/ ١٨٩٨.
-
وما لاحظه الشيخ ابن عاشور بنفسه، وهو طالب ومدرس بالجامع الأعظم، من مسيس الحاجة إلى الإصلاح في مجالات عديدة مختلفة.
-
ومنها ما دعاه إلى المعالجة الفعلية لقضايا الإصلاح، وهو نائب الدولة لدى النظارة العلمية ١٣٢٥/ ١٩٠٧، ثم وهو قاضٍ، بوصفه عضواً في هيئة تلك النظارة، ثم بوصفه شيخ الإسلام، والشيخ المدير للجامع الأعظم.
- vol. 1, p. 184
كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور يدرك مدى العلاقة بين رجال العلم والإصلاح. فالشيوخ لم يكونوا يكترثون بالتعديل أو التغيير لتعليمهم من تلقاء أنفسهم، أو يظهرون الاهتمام به والالتفات إليه، إلا ما كان منهم بعد تأسيس الجمعية الخلدونية في ١٨ رجب ١٣١٤/ ٢٤ ديسمبر ١٨٩٦، كما كان يدرك موقف المشائخ وما يتلقون به مساعي المصلحين من الحكومة بالتذمر والضجر. لا يحملهم على ذلك إلا حرصهم على حرية التصرّف في معهدهم، كما كان أسلافهم، وعدم التقيّد بنظام أو التزام بترتيبٍ ينشأ عنه تدخّل في الدين ومنهج تلقينه وطريقة نشره وتعليمه. ومن ثَمّ لم يعيروا الإصلاحات الثانية اعتباراً، ومضوا مستهينين بها، ومخالفين لها، مجدّدين بذلك موقفهم الذي وقفوه قبل من إصلاحات المشير أحمد باي الأول.
-
وانكمش خير الدين عن المضي في إصلاحه، تاركاً أشياء كثيرة لم يتمّها، كما توقّف المسؤولون في قطاع التعليم من رجال الحماية عن المشاركة في جهود الإصلاح، لما تقدّم به رجال العلم بالزيتونة من وصفهم للإصلاحات بكونها بدعة. وبدأ الشقاق يظهر بين الطرفين المحافظ والإصلاحي؛ فازداد الأول تمسكاً بموقفه، وأبدى دعاة الإصلاح رغبتهم في التغيير والتجديد وإصلاح التعليم العربي الإسلامي على وجه لا يزيل عنه صبغته المحمودة عند عموم الأمة. وقابل الجانب الفرنسي هذه الدعوة بالإنكار والإعراض، وقال مدير التعليم العمومي: أرجعوا تعليم جامع الزيتونة إلى المشايخ الأربعة وخلّوا بينهم وبين جامعتهم (١) .
- vol. 1, p. 186
[١ - الأستاذ الإمام محمد عبده]
-
هو الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية، وزعيم الإصلاح بالأزهر الشريف. تأكدت به صلته عند زيارته الثانية لتونس في رجب ١٣٢١/ أوت ١٩٠٣. وحصل من التجاوب بينهما ما جعل القادم ينظر إلى العالم الشاب، نِظرة إعجاب لزكانته، ورجاحة عقله، وبعد نظره، وقدرته الفائقة البيانية، وحُسن تدبيره، وكريم مواهبه، ناعتاً إياه بسفير الدعوة في الجامعة الزيتونية. وحمل ذلك الشيخ ابن عاشور على التنويه بالزائر الكبير، والحفاوة به، والإشادة بمكانته العلمية، وآرائه وأفكاره الإصلاحية. ونحن نعلم أن هذا الأستاذ رغم اختياره في الإصلاح المنهجَ الثوري الذي اشتهر به، كانت له مبادىء وآراء عمل على نشرها والدعوة إليها ونفع الناس بها. ومجملها في مجال التربية والتعليم ما يعرب عنه قوله:
"أمر التربية هو كل شيء ... وعليه يُبنى كل شيء ... وكل مفقود يفقد بفقد العلم، وكل موجود يوجد بوجود العلم. وأي إصلاح للشرق والشرقيين لا بد أن يستند إلى الدين، حتى يكون سهل القَبول، شديد الرسوخ، عميق الجذور في نفوس الناس. والناس في التعليم طبقات ثلاث: العامة، والساسة، والعلماء. ويجب تحديد ما يلزم لكل واحدة من هذه الطبقات الثلاث من التعلم كمّاً ونوعاً" (١) .
- وطريق ذلك في إصلاح التعليم الديني قوله:
-
"يجب تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى. والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية بل هي أفضلها على الحقيقة" (١) .
- vol. 1, p. 188
[٢ - الأستاذ محمد كرد علي]
-
هو الأستاذ محمد كرد علي، رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق. ١٢٩٣/ ١٨٧٦ - ١٣٧٢/ ١٩٥٣. كان رئيساً لديوان المعارف ثم وزيراً للمعارف. وهو الذي يقف بين فرقتين: فرقة أنصار القديم من المتدينين الذين لا يعترفون بغير علوم الدين التقليدية، وبين أنصار الفرقة الحديثة الذين لا يريدون الأخذ بفنون الغرب العسكرية والتقنية فحسب، وإنما أيضاً بجملة مُثُله وفلسفته وعاداته، فيعلنها مدويةً:
"ها قد أصبحنا بعد هذا النزاع بين علوم الدين وعلوم الدنيا والأمة شطرين: شطر هو إلى البلاهة والغباوة، وشطر إلى الحمق والنفرة. نسينا القديم ولم نتعلم الجديد. ومن الغريب أن معظم المستنيرين بقبس العلوم الأوروبية منا لا يرجعون إلى آداب دينهم، ويميلون في الظاهر والباطن إلى أن يكون الدين فقط جامعة تجمع الأمة على مثال الجامعات السياسية والجنسية ... وهذه حالة هؤلاء مع أولئك. وستكون الغلبة لأنصار الحديث إذا لم يقم خصومهم بلمّ شعثهم على صورة معقولة مقبولة ... وبين هذين الفريقين فريق ثالث اختار الوسط بينهما. فلم يَرَ طرح القديم كله، ولا الأخذ بالحديث بجملته، بل آثر أن يأخذ المنافع من كل شيء ويضم شتاته" (١) .
- vol. 1, p. 189
[٣ - الشيخ محمود شكري الآلوسي]
-
ونَعُدُّ من كبار علماء العراق الشيخ محمود شكري الآلوسي ١٢٧٣/ ١٨٥٦ - ١٣٤٢/ ١٩٢٤. عاش مناصراً للسلفية، محاولاً الجمع بين النصوص الشرعية والقضايا العلمية المعاصرة كالتي يقوم عليها علم الفلك. فإن خالفت هذه النصوصَ لم يلتفت إليها، ولم يؤوِّل النصوص لأجلها. وهو لذلك يأخذ بمنهج ابن رشد في فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. وهو يقول بحركة دوران الأرض اليومية والسنوية حول الشمس، ويعتبر هذه مركز نظامها، وأن الأرض إحدى الكواكب السيارة، وهي سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية، وقائمة بها كسائر الكواكب، لا أنها كما ذهب إليه بطليموس في الأفلاك كالمسامير في الباب، إلى غير ذلك من قواعدها المشهورة وقوانينها المذكورة، التي رآها لا تعارض الكتاب والسنة. فالعقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح، بل كل منهما يصدّق الآخر ويؤيده (١) .
- vol. 1, p. 190
[٤ - محمد بن الحسن بن العربي الحجوي]
-
هو الشيخ الجليل محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفِلَّالي المغربي ١٢٩١/ ١٨٧٤ - ١٣٧٦/ ١٩٥٦. من المالكية السلفية، ولي وزارة العدل فوزارة المعارف. وكانت له تجربة إصلاحية. وله مؤلفات كثيرة من أهمها: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. وفيه يقول:
"باشرت سنة ١٣٣٢ تنظيم المجلس التحسيني لإصلاح التعليم بالقرويين ... فوضعت قوانينه وترتيبه، وفاجأت بذلك علماءه فنفروا عنه. وبعد أن فهم المقصود أهلُ البصائر منهم، بما بذلته معهم من النصح والبيان، جأر منه من كان متسنماً مقاماً يقضي عليه التنظيم بالنزول عنه ... ومن أحسن ما أمكنني القيام به تفقد المدارس من حيث العلوم العربية والدينية من حين إلى آخر، وتتبع سيرها وبث روح النهضة فيها، والميل إلى إحياء علومنا والتشبع من العلوم العصرية، وحث المعلمين والمتعلمين على حفظ النظام" (١) .
-
الشيخان العالمان المصلحان، اللذان لا يذكر أحدهما إلا مقترناً بذكر الآخر: ابن باديس والإبراهيمي.
- vol. 1, p. 191
[٥ - الشيخ عبد الحميد بن باديس]
-
هو الشيخ عبد الحميد بن باديس ١٣٠٨/ ١٨٨٩ - ١٣٥٩/ ١٩٤٠. تخرّج بشهادة التطويع من جامع الزيتونة. والتقى في المدينة المنورة بشيخه التونسي، وبالشيخ البشير الإبراهيمي. له تآليف. وأعظم ما قام به، وأحيى به الجزائر، وواجه به التحديات الاستعمارية؛ إنشاؤه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وهي مؤسسة عتيدة ما زالت آثارها تمتلك نفوس روادها والمنتسبين إلى مدارسها. فهي خير ما كان يمثل الدعوة إلى النهضة عن طريق العلم والتربية الأخلاقية. ويرى إمامها أن الإصلاح يقوم على شقين مترابطين: التعليم من ناحية، ونبذ الجمود والأوضاع الطرقية من ناحية ثانية. وبهذا الاعتبار فإن مناهج ابن باديس، ومحمد عبده ورشيد رضا كانت متقاربة جداً؛ إذ يقوم العمل الإصلاحي لديهم على التربية والتعليم. فهو مناهض لإبطال الأحكام القطعية الاجتماعية، ولكل ما فيه هدم لروح الدين الإسلامي، وجحود لبعض القرآن، معتبراً ذلك فسقاً وكفراً (١) .
- vol. 1, p. 192
[٦ - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي]
-
هو العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ١٣٠٦/ ١٨٨٩ - ١٣٨٥/ ١٩٦٥. خلف الشيخ ابن باديس على رأس جمعية العلماء. وكان نشطاً في تكوين المدارس وتحفيظ القرآن وتعليم العربية. وهو خطيب مفوّه، وراجز بارع. فكان عضواً في المجامع اللغوية العربية بالقاهرة ودمشق وبغداد. أصدر البصائر، ونشرت مقالاته عيون البصائر، وله في مجلة الشهاب مقالات كثيرة. وبحكم تعاونه مع صديقه الإمام الشيخ ابن باديس، وضع المنهج الذي سارت عليه الحركة التعليمية الإسلامية الحرة بالجزائر في ظل جمعية العلماء. ولعلنا نستطيع أن نفهم الكثير من ومضاته الفكرية ولمحاته البيانية في هذا الموضوع. ومن ذلك قوله:
"تعتبر التربية والتعليم من أهم القضايا التي تعنى بها الأمم. فبالتربية والتعليم تتقدم الحضارات، وتتطور المجتمعات، وتصنع الأجيال. فالتربية بوجه عام هي ذلك الجهد الذي يقوم به آباء الشعب ومربوه لإنشاء الأجيال على أساس فطرية الحياة التي يؤمنون بها" (١) .
-
ولتأكيد هذا التصور للتربية نجد الإبراهيمي يستشهد في هذا المقام بكلام رجال الكفاح من أجل عزة الإسلام، مثل الشيخ علي الندوي:
vol. 1, p. 193"لقد اتفق علماء التربية في العهد الحاضر على أن التربية في أمة وبلاد ليست بضاعة تصدر إلى الخارج، أو تستورد إلى الداخل، كالمصنوعات والمواد الخام والحاجيات والمخترعات التي لا تختص ببلد دون بلد، وإنما هي لباس يفصّل على قامة هذه الشعوب، وتقاليدها الموروثة، وآدابها المفضلة، التي تعيش لها وتموت في سبيلها" (١) .
-
يُمضي الإبراهيمي مرغباً ومنفراً، فيقول مخاطباً جمهور الشباب الجزائري المسلم:
"وكما أن جهنم تُتّقى بالأعمال الصالحة، وأساسها الإيمان، فإن الاستعمار يتقى بالأعمال الصالحة، وأساسها العلم. وإذا كان العدو الأكبر لجهنم هو العمل الصالح، فإن العدو الأكبر للاستعمار هو التعليم" (٢) .
-
وفي نفس الإطار يقدم صورة للجزائر المعتدة بماضيها وحضارتها وعزّتها وإسلامها فيقول:
"قلنا للحكومة مرّات في صدق وإخلاص: إن هذه الأمة رضيت لأبنائها سوء التغذية، ولكنها لا ترضى لهم أبداً سوء التربية، وإنها صبرت على أسباب الفقر، ولكنها لا تصبر أبداً على موجبات الكفر" (٣) .
-
ونراه بعد ذلك يقابل بين موقفي جمعية العلماء من الشعب الجزائري وبين موقف الاستعمار الفرنسي في قضية التعليم والتثقيف فيقول:
vol. 1, p. 194"هدف هذا الصراع بين جمعية العلماء والاستعمار الفرنسي هو الأمة الجزائرية. فالجمعية تريدها أمة عربية مسلمة، كما هو قَسْمها من القدر، وحظها في التاريخ، وحقّها في الإرث، وحقيقتها في الواقع والمصطلح. تريدها كذلك وتعمل لتحقيقه. والاستعمار يريدها هيكلاً، لا تترابط أجزاؤه، ولا تتماسك أعضاؤه، يوجّه وجهه إلى الغرب، ويمكِّن في أفكاره لأهواء الغرب، وفي لسانه رطانات الغرب، بل يريد الاستعمار أن يقتلع جذور هذه الملة من تربة ويغرسها في تربة، فتأتي مضعونة هزيلة لا من هذه ولا من هذه" (١) .
-
ثم يقول مرة مخاطباً الأجيال الصاعدة: "شباب الأمة هم عمادها، ومادة حياتها، وسر بقائها. وخير شباب الأمة المتعلمون المثقفون، البانون لحياتها وحياة أمتهم على العلم. وصفوة الشباب المتعلم المثقف هم المتشبّعون بالثقافة الإسلامية العربية والمقدِّمون لها، لأنهم هم الحافظون لمقوّماتها، المحافظون على مواريثها، وهم المثبِّتون لوجودها، المصحِّحون لتاريخها، المواصلون لمستقبلها بماضيها" (٢) .
-
ويقول مرّة أخرى محدداً مطلب الأمة من العلم: "والأمة تريد تعليماً عربياً يساير العصر وقوتَه ونظامَه، لا تعليماً يحمل جراثيم الفناء، وتحمله نذر الموت" (٣) .
-
هذه إشارات ومواقف مختلفة ومتّفقة، مختلفة باعتبار الظروف والملابسات التي صدرت فيها، ومتّفقة في الغاية التي تتطلع إليها جهود المصلحين ومساعي المجاهدين.