ج - مقصد الشريعة تعيين أنواع الحقوق لأنواع مستحقيها

36 paragraphs · vol. 3, p. 410

  1. إن تعيين أصول الاستحقاق أعظم أساس وأثبته للتشريع في معاملات الأمة بعضها مع بعض. فإنه يُحصِّل غرضين عظيمين هما أساس إيصال الحقوق إلى أربابها, لأن تعيينها ينوِّرها في نفوس الحكام، ويقرّرها في قلوب المتحاكمين، فلا يجدوا عند القضاء عليهم بحسبها حرجاً. وسيأتي في مقاصد نصب القضاة والحكام أن من مقاصد الشريعة رفعَ أسباب التواثب والتغالب، فيُعلم هناك أن تعيين مُستحقي الحقوق أولُ عون على ذلك المقصد، وأن ذلك المقصد غايةٌ وعلّةٌ لهذا المقصد.

    vol. 3, p. 410
  2. وحقوق الناس هي كيفيات انتفاعهم بما خلق الله في الأرض التي أوجدهم عليها، كما أنبأ على ذلك قولُه تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (١) . فهذا نص القرآن قد جعل ما في الأرض جميعاً حقاً للناس على وجه الإجمال المحتاج إلى التفصيل والبيان. فلو أن ما في الأرض يفي برغبات كل الناس في كل الأحوال وكل الأزمان لما كان الناس بحاجة إلى تعيين حقوق انتفاعهم بما في عالمهم الأرضي. ولكن الرغبات قد تتوجَّه إلى أشياء في أزمان أو بقاع أو أحوال نراها لا تفي بإرضاء تلك الرغبات كلِّها، إمّا لأنّها أقلُّ من حاجات الراغبين، وإمّا لأنّ بعضَها آنقُ من

    vol. 3, p. 411بعض، فتنهال الناس إلى طلب الأينق وترك غيره. فلا جرمُ يتوقّع من ذلك تزاحم كثير على متاع قليل، لعله يفضي إلى التواثب والتغالب فيدحض القويُ حقوق الضعيف. وربّما كان عاقبة ذلك تفاني المتكافئين في القوة على التناول، وفناءَ المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.

  3. وقد قضت الشريعةُ في تعيين أصحاب الحقوق وبيان أولوية بعض الناس ببعض الأشياء، أو بيان كيفية تشاركهم في الانتفاع بما يقبل التشارك، على طريق فطري عادل، لا تجد النفوس فيه نفرة ولا تُحسّ في حكمه بهضيمة. فلم تعتمد الشريعةُ على الصُدفة ولا على الإرغام، ولكنها توخّت نظرَ العدل والإقناع حتى لا يجد المنصفُ حَرجاً. ثم لما أحكمت سداه وركزت مداه أمرت الأمة بامتثاله وحدّدته تقريباً لنواله.

  4. وجماعُ أصول تعيين الحقوق هو أحد أمرين: إما التكوين وإما الترجيح.

  5. فالتكوين أن يكون أصلُ الخلقة قد كوّن الحق مع تكوين صاحبه وقرن بينهما، وهو أعظم حق في العالم.

  6. والترجيح هو إظهارُ أولويةِ جانبٍ على آخر في حق صالح لجانبين فأكثر.

  7. وطريق إثبات هذه الأولوية إمّا حجّةُ العقل الشاهد بالرُّجحان، وإمّا الحجّة المقبولة بين الناس في الجملة. فإن لم يكن شيءٌ من هذين المرجّحين فقد يُصارُ إلى مرجّحات اصطلاحية وضعية مثل السبق إلى التحصيل، وكبر السن الذي هو سبق في الوجود. فإذا فُرض الاستواء بين المراتب المتنازعة الحق فقد يصارُ إلى القرعة،

    vol. 3, p. 412وهي من حكم البخت، وقد يُصارُ إلى قسمة الشيء بين المتعددين اكتفاءً ببعض الانتفاع.

  8. و [نستطيع أن] (١) نستقري ما بدا لنا من أنواع الحقوق على مراتبها إلى تسع مراتب، مرتّبة على حسب قوّة موجب الاستحقاق فيها لمستحقِّيها:

    المرتبة الأولى: الحق الأصلي المستحَق بالتكوين وأصل الجبلة. وهو حقّ المرء في تصرّفات بدنه وحواسه ومشاعره، مثل التفكير والأكل والنوم والنظر والسمع. وحقّهُ أيضاً فيما تولّد عنه، كحق المرأة في الطفل الذي تلده ما دام لا يعرف لنفسه حقاً، أو لم تُثبت له الشريعة حقاً، فإذا ميّز وعرف لنفسه الضرَّ والنفع ارتفع حق الأم بمقدار تمييز الطفل، وصار القولُ له في مقدار ما يُميز. ولذلك قال إبراهيم لابنه إسماعيل وهو غلام مميز: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} (٢) فجعل له التخييرَ في الإذن بأن يذبحه وعدمه.

  9. ويلتحق بهذه المرتبة الحقُّ في كلّ ما تولّد من شيء فيه حقّ معتبر، مثل نسل الأنعام المملوكة لأصحابها، وثمر الشجر، ومعادن الأرضين. فإن الحق في أصولها ثابت بمرتبة دون هذه المرتبة. ويكون في المتولِّد منها أقوى منه في أصولها.

  10. المرتبة الثانية: ما كان قريباً من هذا, ولكنه يخالفه بأنّ فيه شائبةً من تواضع اصطلح عليه نظامُ الجماعة أو الشريعة.

  11. وذلك مثل حقّ الأب في أولاده الذين جعلهم الشرع بسبب

    vol. 3, p. 413الاختصاص أولاداً له واعتبرهم نسلاً منه, لأن اختصاص المرأة بالرجل بطريقة الزواج، وصيانَتَه إياها، وتحقق حصانة نشأتها، اقتضى اعتبارَ الحمل العالق بها في مدة ذلك الاختصاص حملاً من ذلك الزوج. فجعل الزوج أباً لذلك الولد، وسَفَهَ كلُّ من ينفيه عن صاحب عصمة أمه. ولم يجعل حقَّ محاولة نفيه إلا لصاحب العصمة إن ثبت عنده قطعاً أن الحمل ليس منه. وقد كانوا في الجاهلية يثبتون الأنساب بطرق شتى. فكانوا يأخذون بقول الأم غير ذات العصمة، إن حملت بولد من سفاح، أن تقول: هو من فلان - أحدِ أخدانها - وربّما عاضدوا ذلك بالقافة أو باستنطاق الكهان. وكان الأمرُ في بغاء الإماء أوسعَ من ذلك.

  12. المرتبة الثالثة: أن يكون المستحقُ وغيرُه سواءً في إمكان تحصيل الحق، ولكن بعض المستَوِين قد سعى بجهد، وعمل بيده أو بدنه، أو بابتدار لتحصيل الشيء قبل غيره، كالاحتطاب والاختباط والصيد والقنص واستنباط المياه وإقامة الأرحاء على الأنهار والمصائد على الشطوط.

  13. المرتبة الرابعة دون هذه، وهي أن يكون الطريقُ إلى نوال الشيء هو الغلبة والقوة.

  14. وقد كان ذلك في اصطلاح البشر في مدد الفوضى أقوى من النوع الذي في المرتبة الثالثة، غيرَ أن ذلك لمّا كان معظمه مذمومًا في نظر الشريعة والعقول السليمة جعلناه دون المرتبة التي قبله. وهذا مثل القتال على الأرض، والغارة على الأنعام، ومثل الأسر والسبي في الاسترقاق. وقد أقرّت الشريعة ما وجَدته بأيدي الناس من آثار هذه الوسيلة.

  15. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال لمولاه هُنَيْءٍ حين جعله

    vol. 3, p. 414على الحمى: "وايم الله إنّهم ليرون أني قد ظلمتهم. إنها لبلادُهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإِسلام. والذي نفسي بيده، لولا المال (أي الإبل) الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً" (١) .

  16. ومثل هذا النوع ما أقرّته الشريعة في الحقوق العامة دون الخاصة. وذلك حقوقُ الجهاد والمغانم والسبي، لكنه حقّ لعموم المسلمين. ثم يختص ببعضِهم بالقسمة أو بتنفيل أمير الجيش.

  17. المرتبة الخامسة: حقّ السبق الذي لم يصاحبه إعمال جهد في تحصيل الحقّ.

  18. وذلك مثل مقاعد الأسواق للباعة غير أصحاب الدكاكين، ومقاعد المتسوّقين فيها، ومجالس المساجد، ومثل السقي من السيح والأودية من كل ماء ليس بمملوك، وتزوج ذات الوليين لأول الزوجين اللذين زوج كلاً منهما أحدُ الوليين إذا لم يكن دخول، وترجيحُ الزوج الذي سبق بالبناء بالمرأة على الزوج الآخر وإن كان أسبق عقداً، ومثل الالتقاط على تفصيل فيه في الإِسلام وعدم تفصيل في بعض الشرائع، مثلما حكى الله عن السيارة: {قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ} (٢) بشر نفسه بأنه ملكه بالالتقاط.

  19. المرتبة السادسة: أن يكون المستحق قد نال الحق بطريق

    vol. 3, p. 415ترجيحه على متعدد من المستحقين في مراتب أخرى لتعذر تمكين الجميع من الانتفاع بالشيء المستحق.

  20. وهذا مثل جعل حضانة الأولاد حقّاً لأمهم دون أبيهم إذا حصل الفراق بين الأبوين. فإنهما كانا معاً صاحبَي ذلك الحق حين الاجتماع. فلما تفرّقا تعذّر قيامهما به جميعاً، فرجح جانبُ الأم. ومثل جعل النظر في مال الأولاد الصغار للأب دون الأم ترجيحاً لتدبير الأب مع أن حقّ الأم في ذات الولد أقوى, لأن حقّها من المرتبة الأولى.

  21. وفي هذه المرتبة صورٌ وأمثلة كثيرة في الولايات. وحقوق أصحاب هذه المرتبة تُعتبَرُ بالنسبة للجانب المرجّح. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في الإشراف في باب الإيلاء: "الحقوق معتبرة بمن جُعِلت له. فالتربص في الإيلاء حق للزوج. فلذلك لا ينظر فيه إلى حال الزوجة من حرية ورقّ" (١) .

  22. المرتبة السابعة: نوالُ الحقّ ببذل عوض في مقابلته يدفع إلى

    vol. 3, p. 416صاحب الحقّ إرضاء له, لأنه ثابت له بمرتبة من المراتب المتقدمة، وهو التعاوض فيما يقبل التعويض، وسيأتي (١) .

  23. وقد قال عمر في كلامه مع هنيء مولاه: "إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإِسلام" (٢) . وهذه المرتبة هي أوسعُ المراتب وأشهرُها في تحصيل الحقوق في نظام الحضارة الإنسانية.

  24. المرتبة الثامنة: أن يَنَال الحقَّ - بعد انقراض مستحقّه - أقربُ الناس إليه وأولاه بأخذ حقوقه. وللعوائد والشرائع أنظار متفاوتة في تعيين صفة القرب.

  25. والإِسلام أعدل الشرائع في ذلك حين رسم حقوق الإرث، وبناها على اعتبار القرابة الأصيلة والعارضة بقطع النظر عن المحبّة وضدها كما سيأتي. قال تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (٣) . وجعل الأصل في ذلك هو الرابطة العائلية. فالإرث سببه النسب والزوجية والولاء. وجعل لكلًّ حدّاً ينتهى إليه. فإذا انتهى إليه صار المالُ بمنزلة مال لا مالك له، فيعود إلى الأصل - أعني جامعة الأمة -.

  26. وقد بنى الإِسلام ذلك على أصل الفطرة. فلم يمنع قرابة النساء منه، وما كن يأخذن شيئاً من مال الميت عند أكثر الأمم، إلَّا أنه عَدَّلَ ذلك على كيفية سنشرحها في آصرة القرابة (٤) . وقد حصر

    vol. 3, p. 417الإسلام حقّ الإرث في المُتَموَّلات خاصّة، وكان أمر الجاهلية يخوّل أبناء الميت وإخوته أن يرثوا زوجته.

  27. المرتبة التاسعة: مجردُ المصادفة دون عمل أو سعي. وهذه أضعف المراتب.

  28. وللعلماء في اعتبارها خلاف. فلذلك لا تجري أمثلتها إلَّا على رأي بعض العلماء مثل القرعة في القسمة في مذهب مالك (١) ، ومثل ما ورد في حديث الاستهام على الأذان (٢) ، ومثل اعتبار كبر السنن في المحاورة كما ورد في حديث حُوِيِّصة ومُحِيِّصة (٣) ، ومثل الجلوس

    vol. 3, p. 418على اليمين في استحقاق الابتداء بالشرب من يد الجليس كما ورد في حديث ابن عباس (١) .

  29. تنبيه: قد يكون صاحب الحق واحداً وهو أخص كيفية الانتفاع. وقد يكون متعدداً محصوراً مثل الشركاء في الأشقاص في دار أو أرض، وقد يكون متعدداً غير محصور.

    vol. 3, p. 419
  30. وذلك في حقوق أصحاب الأوصاف، كالجيش والفقراء وطلبة العلم فيما جعل لهم، وكالمرعى للقبيلة، وفي الحقوق العامة للمسلمين مثل حق بيت المال. ومتى طلب بعض المتعدد انفراده بما يختص به من الحق أجيب إليه, لأنه الأصل فيما يقبل التجزئة.

  31. وقد يؤول التصرف في بعض أصناف هذا النوع إلى إقامة أمناء على استعمال الحق المشترك. وهو ما سنتكلم عليه في المقصد من وضع الحكام (١) .

  32. تنبيه ثان: إن سَلْبَ الحق لمن تبيّن أنه غير أهل له مقصد شرعي. وقد يرجع إلى المراتب المتقدمة، مثل سلب الحق عمن لا تساعده الخلقة على نواله، ومنه سلب حق الجهاد عن النساء كما في الحديث المفسر لقوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} (٢) .

  33. وللعلماء في أمثلة من هذا اختلافٌ، مثل سلب حق القضاء عن المرأة (١) .

    vol. 3, p. 420
  34. وقد يكون سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقّين إياه على جانب آخر، كما تقدم في المرتبة السادسة.

  35. وقد يكون سَلْبُ الحق لأجل ثبوت حقّ آخر، كما تقدم في المرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة. ومن هذا أيضاً: سَلْبُ حقّ التصرف في المال عن المعتوه، وهو يرجع إلى زوال ما في الخلقة من المقدرة على تدبير الأمور. وسَلْبُ حقِّ التصرف أيضاً عن السفيه، وهو يرجع إلى شيء من هذا، مع مراعاة حق صاحب المال الذي لا يستطيع حفظَ حقه، ومراعاة حقوق عائلته وورثته.

  36. تنبيه ثالث: لا يُنتزع الحق من مستحقّه إلَّا لضرورة تقيم مصلحةً عامة، كأخذ أرض للحِمى أو لنزول جيش يدفع عن الأمة، وإلَّا لِدَفعه في قضاء حق آخر انتفع به المنتزَعُ منه كبيع القاضي رَبع المدين، وإلَّا لِحق مرجَّح كالشفعة.