و - آصرة النسب والقرابة
22 paragraphs · vol. 3, p. 436
- vol. 3, p. 436
تبتدئ آصرة القرابة بنسبة البنوّة والأبوّة، [فعن اتصال الذكر بالأنثى نشأ النسل] (١) ولكن النسل المعتبر شرعاً هو الناشئ عن اتصال الزوجين بواسطة عقدة النكاح المتقدمة المنتفي عنها الشك في النسب. واستقراء مقصد الشريعة في النسب أفادنا أنها تقصد إلى نسب لا شك فيه ولا محيد به عن طريقة النكاح بصفاته التي قررناها. فأما ما كان قبل الإِسلام من الأنساب المعتبرة في اصطلاحهم الناشئة من بغاء أو استبضاع أو نحوهما مما عدا النكاح فقد أقرته الشريعة اعتماداً على ثقة أهل الجاهلية به, لأن الثقة بالنسل قبل تحديد قواعد النكاح في الإسلام موكولةٌ إلى ما في الجبِلّة من إباية الناس التحاقَ من ليس من نسبهم بهم. فأصناف المقارنة الواقعة في الجاهلية قد اختلط نادرها بغالب الأنساب الصحيحة, وقد وثق أهلها بالأنساب الملحقة بهم من جرائها. وفي التنقيب عنها وتمحيصها تعذر أو تعسر لا يحسن الاشتغال به وإحداث فتنة فيه، ولأنه يصير ذريعة إلى طعن بعض الناس في أنساب بعضِ التي نشأت في حالة قلة ضبط فلم تهتم الشريعة إلَّا بإبطال الكيفيات التي من شأنها تطرق الشك إليها حتى لا يعود إليها الناس في الإسلام.
-
وأُلحِق التسرِّي بالنكاح في صحّة النسب الناشئ عنه, لأن
vol. 3, p. 437السيد إذا اتخذ أمته سُرِّيّة له حاطها من حراسته بأقوى مما يحوط به إماء الخِدمة بدافع مركب من الجبلة والعادة. فإذا صارت أمَّ ولد له صارت لها أحكام خاصة.
-
ولم ترخّص الشريعة في أن يتزوّج الحر الأمة إذا كان يجد طَوْلاً ولم يخش عنتاً، لما في اجتماع سيادتين على المرأة من شبه تعدد الرجال للمرأة الواحدة, لأن سيادة سيد الأمة تثلم تَحققَ حصانتها. ورخصت للعبد أن يتزوج الأمة إذ لا ترضى الحرائر في الغالب بتزوج العبد. ورخصت للحر أن يتزوج الأمة إن خشي العنت ولم يجد طَوْلاً لأجل ضرورة.
-
ولا شك عندي في أن حفظ النسب الراجع إلى صدق انتساب النسل إلى أصله سائقٌ النسلَ إلى البر بأصله، والأصلَ إلى الرأفة والحنو على نسله سوقاً جبلياً، وليس أمراً وهمياً. فحرص الشريعة على حفظ النسب وتحقيقه، ورفع الشك عنه، نظر إلى معنى عظيم نفساني من أسرار التكوين الإلهي، علاوة على ما في ظاهره من إقرار نظام العائلة، ودرء أسباب الخصومات الناشئة عن المغيرة المجبولة عليها النفوس، وعن تطرق الشك من الأصول في انتساب النسل إليها والعكس. وأُلحقت آصرةُ الرضاع بآصرة النسب بتنزيل المرضعة منزلة الأم، وتنزيل الرضيع منزلة الأخ بقوله تعالى في عد المحرّم تزويجه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} (١) وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢) .
-
ثم نشأ عن قداسة آصرة القرابة إكساؤها إهاب الحرمة والوقار.
- vol. 3, p. 438
فقررت الشريعة معنى المحرمية بالنسب، وهو تحريم الأصول والفروع في النكاح، حتى تكون القرابة التامة مرموقة بعين ملؤها عظمة ووقار وحب بجلال لا يخالطه شيء من معنى اللهو والشهوة. فلأجل ذلك حرم نكاح القرابة المنصوص عليها.
-
وحكمة تحريم ما حرم تزوجُّه مختلفة بحسب اختلاف أنواع المحرّمات.
-
فأما المحرمات بالنسب فقال الفخر في تفسيره: "ذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم أن الوطء إذلال وإهانة، فإن الإنسان يستحيي من ذكره. فوجب صون الأمهات عنه" (١) . وكذلك القول في البقية.
-
أقول: وتحرير ذلك، حيث كان معظم القصد من النكاح الاستمتاع كانت مخالطة الزوجين غير خالية من نبذ الحياء. وذلك ينافي ما تقتضيه القرابة من الوقار لأحد الجانبين والاحتشام لكليهما. وذلك ظاهر في أصول الشخص وفروعه وفي صنوان أصوله من عمة أو خالة. وأما صنوان الشخص وهم الإخوة والأخوات فلقصد إيجاد معنى الوقار بينهما.
-
أما محرّمات الصهر فبعضها إلحاق بالنسب مثل أم الزوجة فإنها
vol. 3, p. 439حرام ولو كانت ابنتها ميِّتة (١) ، والربيبة التي دخل بأمها.
-
وبعضها لدفع ما يعرض من شقاق يفضي إلى قطع الرحم بين من قَصَدت الشريعة قوةَ الصلة فيه. ولهذا لا يجمع بين الأختين، والمرأة مع عمتها أو خالتها (٢) .
-
وأما المحرّمات للرضاع فلأن آصرة الرضاع نزلت منزلة النسب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٣) .
-
وأما المحرّمات لأجل حقّ الغير فأمرهن ظاهر. ومنها إدخال الأمَة على الحرة على أحد القولين في مذهب مالك أن منعه لما فيه من الضرر للحرة.
-
وأما الملاعنة فلأن ما جرى بين الزوجين من الملاعنة يتعذّر بعده حسن المعاشرة بينهما.
-
وأما عدم الدين السماوي: فلأن التجافي بين الاعتقادين واسعُ البون بين دين الإِسلام والأديان غير الإلهية، بخلاف الأديان الإلهية.
-
ومنها ما هو حقّ الله، مثل المطلَّقة ثلاثاً على من طلّقها إذا لم يدخل بها زوج بعد طلاق الثلاث، والمملوكة والمسترقة للذي يجد طَوْلاً.
- vol. 3, p. 440
ومنها إدخال الأَمَة على الحرّة عند أبي حنيفة (١) ، واحد القولين عن مالك (٢) .
-
وإذ كانت المرأة هي قرارة النسل لم تُبِحْ الشريعة تعدُّدَ الأزواج للمرأة، وأباحت تعدد الزوجات للرجل إلى حد معين. وأباحت للرجل التسرِّي ولم تبحه للمرأة. أما المرأة ذات الزوج فلنفس العلة
vol. 3, p. 441التي لم تُبحْ بها تعدد الأزواج للمرأة الواحدة، وأما غير ذات الزوج فللعلة التي منعت بها تزوجَ الحر الأمة إذا وجد طَوْلاً أو لم يخش العنت كما قدمنا، وهي أن عبد المرأة لا يغار على نسبه منها.
-
وفي قواعد حفظ النسب في الأحوال التي مضت في الجاهلية، وفي التحديدات التي جاء بها الإِسلام نظرةٌ عظيمة إلى حفظ حقوق النسل عن تعريضها للإضاعة والتلاشي وفساد النشأة التي لا تصاحبها الرعاية.
-
ومن مُتمِّمات تقوية آصرة القرابة أحكامُ النفقة على الأبناء والآباء باتفاق، وعلى الأجداد والأحفاد عند بعض الأئمة (١) ، وجعلُ
vol. 3, p. 442القرابة سببَ ميراث على الجملة (١) . والأمرُ ببر الأبوين وبصلة الأقارب وذوي الأرحام مما لا يعرف نظيره في الشرائع السالفة. والترخيص في أن يطعم المرء في بيت قرابته دون دعوة ولا إذن، قال
vol. 3, p. 443تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} (١) الآية.
-
ومن ذلك حكم إبداء الزينة في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} (٢) الآية، فعدّ آباء البعولة وأبناء البعولة والإخوان وبني الإخوان وبني الأخوات. ويقاس عليه بالمساواة الأنثى من هذه المراتب كلها مثل أم الزوجة بالنسبة إلى زوج ابنتها وبنت الأخ بالنسبة إلى عمها.
-
ومن حقوق آصرة النسب الميراث وسنتكلم عليه (٣) .