المطلب الرابع في الصحيح وغير الصحيح

30 paragraphs · vol. 1, p. 421

  1. [تعريف الصحيح]

    vol. 1, p. 421
  2. الصحة لغة: حالة طبيعية في البدن تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، واستعيرت للمعاني، وصح القول إذا طابق الواقع (١) .

    1. (١)المصباح المنير: ١ ص ٤٥٤، القاموس المحيط: ١ ص ٢٣٣.
  3. والحكم الصحيح في الاصطلاح الأصولي: هو ترتب ثمرته المطلوبة منه شرعًا عليه، فإذا حصل السبب، وتوفر الشرط، وانتفى المانع، ترتبت الآثار الشرعية على الفعل، كما إذا أدى المكلف فعلًا من الأفعال، مستكملًا أركانه وشروطه ترتب الأثر الذي وضعه الشارع عليه، كسقوط الواجب وإبراء الذمة في العبادات، وترتب المسبب على السبب، وإقامة المشروط على الشرط، وتحقق الآثار في المعاملات والعقود.

  4. وغير الصحيح: هو الذي لا يترتب على فعله الآثار الشرعية، فإن كان واجبًا فلا يسقط عنه، ولا تبرأ ذمته، وإن كان سببًا فلا يترتب حكمه، وإن كان شرطًا فلا يوجد المشروط (٢) .

    1. (٢)أصول الفقه، خلاف: ص ١٤٥، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ٦٩، نهاية السول: = = ١ ص ٤٧، وما بعدها، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٣٤، المستصفى: ١ ص ٩٥، المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص ٦٥.
  5. ومثال ذلك: الصلاة الصحيحة، وهي التي استوفت أركانها وشروطها، وتسقط عن المكلف وتبرأ ذمته، ويكسب بها الأجر والثواب، وإلا فهي غير صحيحة، ويجب إعادتها، وعقد البيع الصحيح هو ما استكمل أركانه وشروطه وترتبت عليه آثاره من نقل الملكية، وإلا فهو غير صحيح، ولا تنتقل الملكية به، والوضوء الصحيح هو ما يصح به أداء الصلاة، وإلا فهو غير صحيح، ويجب إعادته.

    vol. 1, p. 422
  6. وعرف البيضاوي الصحة: بأنها استتباع الغاية (١) ، أي طلب الفعل بأن تتبعه غايته، والغاية هي الأثر المقصود من الفعل، واتفق العلماء على أن الغاية من المعاملات هي الانتفاع بكل من العوضين، انتفاعًا مباحًا لا حرمة فيه، واختلفوا في الغاية من العبادات، فقال علماء الأصول: هي موافقة الفعل أمر الشارع، ولو ظنًّا، وقال الفقهاء: إن غاية العبادة هي سقوط القضاء، أي براءة الذمة أمام اللَّه تعالى، فلا يحاسب عليه (٢) .

    1. (١)نهاية السول: ١ ص ٧٢، وانظر: جمع الجوامع وحاشية البناني: ١ ص ٩٩.
    2. (٢)شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٧.
  7. وبناء على هذا المعنى للصحة وعدم الصحة ينقسم الحكم باعتبار اجتماع الأركان والشروط المعتبرة في الفعل وعدم اجتماعها فيه، أو بحسب تحقق الغاية منه، وترتيبها عليه، أو عدم تحققها، إلى حكم صحيح، وحكم غير صحيح، وهو الفاسد والباطل.

  8. [هل الصحة الفساد والبطلان من الحكم الوضعي؟]

  9. انقسم العلماء في وصف الصحة والفساد والبطلان، وهل تدخل في الحكم الوضعي أم في الحكم التكليفي؟ على أربعة أقوال:

    vol. 1, p. 423١ - قال ابن الحاجب: إن الصحة والبطلان أو الحكم بهما أمر عقلي، فالفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء، أو يكون موافقًا أمر الشارع، فالفعل الصحيح بحكم العقل، وإما أن لا يسقط القضاء، أو لا يوافق أمر الشرع فهو باطل وفاسد بحكم العقل (١) .

    1. (١)مختصر ابن الحاجب: ص ٤٣، وانظر: شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٤.
  10. ٢ - وقال بعض العلماء: إن الصحة أو الفساد صفة للفعل وليس للحكم، وتدخل في المحكوم فيه، وليس في الحكم، وإنها أوصاف ترد على الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو كانت وضعية (٢) .

    1. (٢)أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٦٢، التلويح على التوضيح: ٣ ص ٧٣.
  11. ٣ - قال جماعة: الصحة والفساد من الحكم التكليفي، فالصحيح هو المباح، والباطل والفاسد هو المحرم (٣) .

    1. (٣)شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٤.
  12. ٤ - وقال أكثر العلماء: إنهما من خطاب الوضع، بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقًا زائدًا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم، فالشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل، وحكم بتعلق الفساد أو البطلان بذلك (٤) .

    1. (٤)تسهيل الوصول: ص ٢٥٩، فواتح الرحموت: ١ ص ١٢٠، مختصر ابن الحاجب: ص ٤٣، التلويح: ٣ ص ٧٣، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٤.
  13. والراجح أن الصحة والفساد من خطاب الوضع، وأن الصحة والفساد في المعاملات من أحكام الوضع باتفاق، لأن المعاملات لا تستتبع ثمراتها المطلوبة إلا بتوقيف من الشارع، وأن ترتب المقصود من العقد يدل على أنه صحيح، وعدم ترتبه عليه يدل على الفساد، فالصحة موافقة الفعل لأمر الشارع على وجه، والفساد عدم موافقة الفعل لأمر الشارع.

  14. وينحصر الخلاف في الصحة والفساد المتعلقين بالعبادات لاختلاف

    vol. 1, p. 424الغاية منها كما سبق، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا (١) .

    1. (١)تيسير التحرير: ٢ ص ٢٣٤، وانظر: أصول الفقه، البرديسي: ص ٨٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ٩١.
  15. [الصحة وعدم الصحة في العبادات]

  16. اتفق العلماء على أن العبادات الصحيحة هي التي استوفت أركانها وشروطها، وترتبت عليها الآثار الشرعية من براءة الذمة بالأداء.

  17. وأن العبادات غير الصحيحة هي التي فقدت ركنًا أو شرطًا أو أكثر، ويترتب عليها عدم براءة الذمة، ولا فرق فيها بين الفساد والبطلان، باتفاق (٢) .

    1. (٢)المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٩، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢١، جمع الجوامع وحاشية البناني: ١ ص ١٠٠، المدخل الفقهي العام: ١ ص ٦٨٧، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٦٢، المستصفى: ١ ص ٩٤، فواتح الرحموت: ١ ص ١٢١، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٨.
  18. [الصحة وعدم الصحة في المعاملات]

  19. اتفق العلماء أيضًا على أن العقود الصحيحة هي التي أقرها الشارع ورتب عليها آثارها، بعد أن تستكمل أركانها وتستوفي شروطها، وأن العقد غير الصحيح هو الذي لم يستوف أركانه وشروطه، ولكنهم اختلفوا في وصف العقد غير الصحيح وتقسيمه على قولين:

    القول الأول: أن العقد غير الصحيح قسم واحد، وهو الفاسد أو الباطل، ولا فرق بين الفساد والبطلان في المعاملات كالعبادات، سواء كان الخلل في الركن أو في الشرط والوصف، والفساد والبطلان مترادفان، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٣) .

    1. (٣)أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ٧٣، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٩، جمع = = الجوامع وحاشية البناني: ١ ص ١٠١، أصول الفقه، البرديسي: ص ١١١، المسودة: ص ٨٠، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٨، ٤٧٣.
  20. القول الثاني: العقد غير الصحيح قسمان، فاسد وباطل، فإن حدث خلل في الركن فهو باطل، ولا يترتب عليه أثر، وإن حدث الخلل في الشرط أو الوصف فيكون العقد قد انعقد بأركانه وترتبت عليه بعض الآثار، ولكنه فاسد، وهو قول الحنفية.

    vol. 1, p. 425
  21. ويكون البطلان والفساد عند الحنفية متغايرين، فالباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه كالبيع من الصبي الصغير والمجنون فهو باطل، لأنه اختل ركن من أركانه وهو الصيغة والأهلية فيكون باطلًا ولا تترتب عليه آثاره الشرعية، والفاسد هو ما شرع بأصله لا بوصفه، كبيع الدراهم بالدراهم مع التفاضل وهو الربا، والبيع بثمن مجهول، والزواج بغير شهود، فكل منها فاسد لوجود الخلل الذي يرجع إلى شرط من الشروط أو لورود النهي عن صفة فيه (١) .

    1. (١)المراجع السابقة، التلويح: ٣ ص ٧٣، وسوف يرد تفصيل هذا الموضوع في المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف.
  22. [تعريف الباطل والفاسد]

  23. الباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا (٢) .

    1. (٢)المصباح المنير: ١ ص ٧٢، القاموس المحيط: ٣ ص ٣٣٥.
  24. وعرف الأستاذ الزرقا الباطل في الاصطلاح بأنه: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره وآثاره في نظر الشرع (٣) .

    1. (٣)المدخل الفقهي العام: ١ ص ٦٥١.
  25. وهذا المعنى متفق عليه بين العلماء.

  26. والفاسد لغة: تغير الشيء عن الحال السليمة، والمفسدة ضد

    vol. 1, p. 426المصلحة، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (١) .

    1. (١)القاموس المحيط: ٢ ص ٣٢٣، المصباح المنير: ١ ص ٦٤٦.
  27. أما في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في معنى الفساد على قولين، كما سبق في اختلافهم في غير الصحيح، فقال جمهور العلماء: إن الفساد بمعنى البطلان، وقال الحنفية: الفساد يغاير البطلان، والفاسد قسيم للباطل، فالحكم إما أن يكون صحيحًا أو غير صحيح، وغير الصحيح إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون فاسدًا، وعرفوا الفساد بأنه مرتبة بين الصحة والبطلان، يختل فيها العقد في بعض نواحيه الفرعية، وأنه مشروع بأصله لا بوصفه كبيع مال الربا، أما الباطل فهو ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه، فالعقد إما أن يكون صحيحًا أو فاسدًا أو باطلًا (٢) .

    1. (٢)القواعد والفوائد الأصولية ص ١١٠، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٩، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٢، جمع الجوامع على حاشية البناني: ١ ص ١٠٥، نهاية السول، الإسنوي: ١ ص ٧٥، المستصفى: ١ ص ٩٥، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٣٦، فواتح الرحموت: ١ ص ١٢٢، وانظر تفصيل أحكام البطلان والفساد والآثار التي تترتب على كل منهما في: المدخل الفقهي العام: ١ ص ٦٤٩ وما بعدها.
  28. [أساس الاختلاف في الفساد والبطلان]

  29. يرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين:

    الأول: مقتضى النهي: فقال الجمهور: النهي يقتضي البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد علي وصف فيه، كما سبق الكلام عنه في أنواع الحرام، وسيرد مزيد تفصيل لذلك في

    vol. 1, p. 427بحث الأمر والنهي إن شاء اللَّه تعالى (١) ، وقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد، ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا.

    1. (١)انظر: مباحث الكتاب والسنة، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ص ٦٧.
  30. الثاني: الفرق بين الركن والشرط: سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد، وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء (٢) .

    1. (٢)الوسيط في أصول الفقه: ص ١٠٢، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٣٦، المدخل الفقهي العام: ١ ص ٦٨١، أصول البيوع الممنوعة، عبد السميع إمام: ص ١٤٤، وانظر: المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص ٦٨ وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة، البوطي: ٦٧، ٨٧.