دلالة الأمر على الفور أو التراخي
6 paragraphs · vol. 2, p. 25
- vol. 2, p. 25
المقصود من كون الأمر للفور أن يبادر المكلف لامتثال الأمر وتنفيذه دون تأخير، مع وجود الإمكان، فإن تأخر عن الأداء كان مؤاخذًا.
-
والمقصود بالتراخي أنه يجوز للمكلف أن يمتثل الأمر حالًا، ويجوز له التأخير إلى وقت آخر.
-
فإن ورد الأمر مقيدًا بوقت فيجب الالتزام بامتثاله في ذلك الوقت كصيام رمضان، وإن كان الوقت موسعًا فيصح في أوله وأوسطه وآخره، وإذا ورد الأمر مقيدًا بجواز التأخير فهو على التراخي باتفاق، ولكن اختلف العلماء إذا
vol. 2, p. 26ورد الأمر غير مقيد بوقت معين، فهل يدل على الفور أم على التراخي؟
-
اختلفوا على ثلاثة أقوال، وذهب الجمهور إلى أن الأمر بمجرده لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا؛ لأن الأمر نفسه يدل على مجرد طلب الفعل، ومتى أتى به المكلف عدَّ ممتثلًا سواء كان إتيانه له فورًا أم متراخيًا، وإن الفورية والتراخي تعلم بدليل آخر أو بقرينة، وليس من الأمر ذاته، كقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: ١٤٨] ، فهو صريح في الفورية والمبادرة إلى فعل الخير المطلوب، أما الأمر المطلق فقد ورد في الشرع مع الفور، وورد مع التأخير، ولأن الأمر نفسه يصح تقييده بالفور وبالتراخي، مما يدل على أنه غير دال بمطلقه على واحد منهما، فيكون الأمر حقيقة في القدر المشترك، وهو طلب الإتيان به (١) .
- (١)كشف الأسرار (١/ ٢٥٤)، تيسير التحرير (١/ ٣٥٦)، أصول السرخسي (١/ ٢٦)، المعتمد (١/ ١٢٠)، البحر المحيط (٢/ ٣٩٦)، المستصفى (٢/ ٩)، الإحكام للآمدي (١/ ١٦٥)، المحصول (٢/ ١٨٩)، شرح تنقيح الفصول ص ١٢٨، نهاية السول (٢/ ٥٥)، المسودة ص ٢٤، ٢٥، مختصر البعلي ص ١٠١، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٢٢٤)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨)، علم أصول الفقه ص ١٩٥.
-
وظهر اختلاف بين الفقهاء في التطبيق، في كون الأمر للفور أو للتراخي، حتى في المذهب الواحد يختلف الحكم من فرع إلى آخر، والسبب في الحقيقة في وجود القرائن والأدلة الأخرى التي ترجح هذا أو ذاك.
-
فمن ذلك قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ، فأداء الحج على الفور عند المالكية والحنابلة، وعلى التراخي عند الحنفية والشافعية، وقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣] ، فأداء الزكاة على الفور عند المالكية والشافعية والحنابلة، وعلى التراخي عند الحنفية، لكن يجب الإسراع بها إذا غلب على ظن المزكي أنه يموت قبل الأداء، فيفوت الواجب عليه.