دلالة النهي وموجبه
10 paragraphs · vol. 2, p. 31
- vol. 2, p. 31
إن دلالة النهي حقيقة، وهي موجَبه الأصلي، أنها للتحريم، أي لطلب الترك طلبًا جازمًا، نحو قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١] ، فالقتل حرام، ونحو قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: ٣٢] ، فالزنا حرام، وقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} فنكاح المشركة حرام، وفي هذه الحالة لا تحتاج الصيغة إلى قرينة، لأن النهي موضوع لغة للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم.
-
ويرد النهي في معان كثيرة، وتكون من قبيل المجاز، وتحتاج إلى قرينة، فمن ذلك:
١ - الكراهة، نحو قوله تعالى: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: ٨٧] ، فترك الطيبات مكروه، وقوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: ٢٦٧] ، فإنفاق الرديء مكروه، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُمْسِكَنَّ أحدُكم ذكرَه بيمينِه وهو يَبول" (٢) ، فهذا المسك مكروه.
- (٢)هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وابن حبان عن أبي قتادة رضي اللَّه عنه مرفوعًا.
-
٢ - الدعاء، كقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: ٨] ، فهذا النهي يفيد الدعاء للَّه تعالى، ومثله قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦] .
- vol. 2, p. 32
٣ - الإرشاد، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: ١٠١] ، فالنهي هنا فلإرشاد والتوجيه.
-
٤ - التحقير، كقوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه: ١٣١] ، فالمقصود بيان حقارة متع الحياة الدنيا إلى جانب ما عند اللَّه من الثواب والأجر.
-
٥ - بيان العاقبة، كقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: ٤٢] ، فالمقصود من النهي بيان عاقبة الظالمين.
-
٦ - التأييس، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) } [التحريم: ٧] ، فالمقصود جعل الكافرين في يأس من رحمة اللَّه لهم، وليس المقصود نهيهم عن الاعتذار.
-
٧ - التهديد، كقول الرئيس لمرؤوسه: لا تطع أمري، فالمقصود تهديده.
-
٨ - الالتماس، كقول الشخص لمن يساويه: لا تفعل، فهو التماس لعدم الفعل.
-
٩ - الشفقة، كقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تتخذوا الدواب كراسي" (١) ، فالمقصود الإشفاق على الحيوان (٢) .
- (١)هذا الحديث أخرجه أحمد والدارمي.
- (٢)المستصفى (١/ ٤١٨)، المحصول (٢/ ٤٦٩)، نهاية السول (٢/ ٦٢)، فواتح الرحموت (١/ ٣٩٥)، تيسير التحرير (١/ ٣٧٥)، البحر المحيط (٢/ ٤٢٨)، الإحكام للآمدي (٢/ ١٨٧)، التوضيح على التنقيح (٢/ ٥١)، كشف الأسرار (١/ ٢٥٦)، إرشاد الفحول ص ١٠٩، العدة (٢/ ٤٢٦)، تفسير النصوص (٢/ ٣٧٨)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٢٣٣)، شرح تنقيح الفصول ص ١٦٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٠٥، علم أصول الفقه ص ١٩٦.