الحالة الثانية: الإطلاق والتقييد في نفس الحكم
15 paragraphs · vol. 2, p. 43
- vol. 2, p. 43
وهذه الحالة فيها تفصيل، فإما أن يتحد الحكمان والسببان في النصين، وإما أن يختلف الحكمان ويختلف السببان، وإما أن يتحد الحكمان ويختلف السببان، وإما أن يختلف الحكمان ويتحد السببان، فلها أربع صور (٢) ، وهي:
[الصورة الأولى: اتحاد الإطلاق والتقييد في الحكم والسبب]
- (٢)وفصل بعض العلماء بين الإثبات والنفي، وبين الأمر والنهي، انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٩٦) وما بعدها.
-
اتفق العلماء في هذه الصورة على حمل المطلق على المقيد؛ لأن المقيد فيه زيادة مفيدة، ولا تتنافى مع النص المطلق، ومن عمل بالمقيد عمل بالمطلق، ولا عكس، فكان الجمع أولى، ولأنه لا يصح أن يختلف المطلق والمقيد مع اتحاد السبب والحكم.
- vol. 2, p. 44
مثاله: قوله تعالى في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: ٦] ، وفي آية أخرى في التيمم: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: ٤٣] ، فالسبب واحد وهو إرادة الصلاة، والحكم واحد وهو وجوب المسح، والآية الأولى فيها إطلاق للممسوح به وهو التراب مطلقًا (طاهرًا أو نجسًا) ، والآية الثانية مقيدة بالصعيد الطيب (أي التراب الطاهر) فيحمل المطلق على المقيد، ويجب مسح الوجه والكفين بالتراب الطاهر، لا النجس (١) .
- (١)ومثال آخر: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: ٣]، وقوله سبحانه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: ١٤٥]، فالسبب واحد وهو وجود الضرر في الدم، والحكم متحد وهو حرمة تناول الدم، والنص الأول مطلق "والدم" والنص الثاني مقيد "دمًا مسفوحًا" فيحمل المطلق على المقيد، ويكون الدم المحرم هو المسفوح، أما الباقي في العروق واللحم فهو مباح معفو عنه، وكذلك الدم الجامد وهو الكبد والطحال فهما حلالان. انظر: أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٢١٣)، أصول الأحكام ص ٢٩٤.
-
[الصورة الثانية: الاختلاف في الحكم والسبب]
-
إذا ورد نصان أحدهما مطلق، والآخر مقيد، ولكن بينهما اختلاف في السبب، وفي الحكم، فلا يحمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لعدم الصلة بينهما، فلا يحمل أحدهما على الآخر قطعًا.
-
مثاله: قوله تعالى في قطع يد السارق: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] ، وقوله تعالى في الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: ٦] ، فالسبب مختلف في الآيتين: السرقة، وإرادة الصلاة ورفع الحدث، والحكم مختلف، ففي الأولى قطع يد السارق، وفي الثانية: غسل اليد، فلا يحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن السنة الشريفة حددت موضع قطع يد السارق من الرسغ (نهاية الكف) .
-
ومثاله: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
vol. 2, p. 45شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: ٩٢] ، وقوله تعالى في كفارة اليمين: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: ٨٩] ، فالسبب مختلف، وهو القتل، والحنث في اليمين، والحكم مختلف: شهرين، ثلاثة أيام، وورد الصيام الأول مقيدًا بالتتابع، والثاني مطلقًا عن التتابع، فلا يحمل المطلق على المقيد، إلا أن الحنفية اشترطوا التتابع في صيام كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود الشاذة: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات} .
-
[الصورة الثالثة: الاختلاف في الحكم، واتحاد السبب]
-
وذلك بأن يكون سبب الحكم في المطلق هو سبب الحكم في المقيد، ولكن الحكم في المقيد غير الحكم في المطلق، فاتفق أكثر العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل منهما على حدة، إلا إذا قام دليل آخر يدل على الحمل؛ لأنه لا تنافي في الجمع بينهما عند الدليل كالسنة مثلًا.
-
مثاله: قوله تعالى في الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] ، وقوله تعالى في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: ٤٣] ، فالسبب متحد وهو الحدث وإرادة الوضوء، والحكم مختلف، وهو الغسل في الوضوء، والمسح في التيمم، ولفظ الأيدي مقيد بالمرافق في الوضوء، ومطلق في التيمم، فلا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل منهما، ويبقى مسح الأيدي في التيمم مطلقًا.
-
لكن لجأ الفقهاء إلى السنة، فقال الحنفية والشافعية: يجب مسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؛ لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (١) ، فيجب مسح اليدين في التيمم إلى المرفقين.
وقال المالكية والحنابلة: الواجب مسح الكفين فقط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أمر عمار بن ياسر بالتيمم للوجه والكفين" (٢) .
- (١)هذا الحديث رواه الدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي.
- (٢)هذا الحديث رواه الترمذي وصححه، والدارقطني.
- vol. 2, p. 46
[الصورة الرابعة: الاتحاد في الحكم، والاختلاف في السبب]
-
فالحكم في النصين واحد، ولكن سبب كل منهما مختلف، مثل قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: ٣] ، وقوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] ، فالحكم واحد وهو الكفارة بعتق رقبة، والسبب في الأولى إرادة العودة إلى الاستمتاع بالزوجة، وفي الثانية القتل الخطأ، والرقبة في الأولى مطلقة فتصح الرقبة المؤمنة والكافرة، وفي الثانية مقيدة فيشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، وفي هذه الصورة اختلف العلماء على قولين.
-
القول الأول: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لا تعارض بينهما، ولأن اختلاف السبب يمنع وجود التعارض، وقد تكون الحكمة في القتل الخطأ التغليظ على القاتل لزجره فيجب عليه رقبة مؤمنة، والحكمة في الظهار التخفيف والتيسير والحفاظ على الزوجية وخفة مفسدته إذا قورن بالقتل، فيكفي المظاهر أن يعتق رقبة مطلقة، وهذا يتناسب مع اختلاف العقوبات عند اختلاف الجنايات، وهو الواقع في الشرع والقانون، والحكمة والعقل، وهذا قول الحنفية وأكثر المالكية.
-
القول الثاني: يحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، ويجب عتق رقبة مؤمنة في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار؛ لأن اتحاد الحكم في النصين يقتضي حمل المطلق على المقيد، حتى يتم الانسجام بين النصوص الواردة في شيء واحد؛ لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في بناء بعضه على بعض، فإذا اشترط الإيمان في كفارة القتل الخطأ كان ذلك كالنص على اشتراطه في كفارة الظهار، ولأن الآخذ بالقيد في كفارة الظهار يكون مطبقًا للدليل في النصين معًا، فيجب المصير إليه، وهذا قول الشافعية والحنابلة وبعض المالكية (١) .
- (١)انظر في حمل المطلق على المقيد وعدمه في الحالات والصور السابقة في: نهاية السول (٢/ ١٤٠)، المحصول (٢/ ٢١٤)، الإحكام للآمدي (٣/ ٤)، المستصفى = = (٢/ ١٨٥)، البناني على جمع الجوامع (٢/ ٥٧)، كشف الأسرار (٢/ ٢٨٧)، فواتح الرحموت (١/ ٣٦١)، التلويح على التوضيح (١/ ٦٣)، المعتمد (١/ ٣١٢)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٩٥)، العدة (٢/ ٦٣٦)، روضة الناظر ص ٣٦٦، إرشاد الفحول ص ١٦٦، العضد على ابن الحاجب (٢/ ١٥٦)، شرح تنقيح الفصول ص ٢٦٩، أصول السرخسي (١/ ٢٦٧)، علم أصول الفقه ص ١٩٢.