١ - المجمل
9 paragraphs · vol. 2, p. 121
- vol. 2, p. 121
هو ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة له (٢) ، ثم يتم البحث والاجتهاد والنظر لترجيح أحد المعاني، وهذا المجمل يشمل عند الحنفية أنواع المبهم الثلاثة الأولى: الخفي، والمشكل، والمجمل، فالمجمل عند الجمهور أعم مما هو عند الحنفية، وإن بيان المجمل عند المتكلمين لا ينحصر بيانه من قِبَل المتكلم نفسه، بل يمكن أن يكون بالقرائن أو بالاجتهاد.
- (٢)هذا تعريف الآمدي، الإحكام، له (١/ ٨).
-
[صور المجمل وأمثلته]
-
أ- المشترك: وهو أن يكون اللفظ موضوعًا لغة لشيئين حقيقة، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] ، فالقرء حقيقة في الحيض، وحقيقة في الطهر، فاحتاج معرفة المراد من الآية إلى البيان، والترجيح.
- vol. 2, p. 122
وقد يكون الاشتراك إما بين لفظين مختلفين كالعين: للباصرة والذهب والشمس، ولفظ المختار، للدلالة على الفاعل أي: من يختار، وعلى المفعول، أي: لمن يقع عليه الاختيار، وإما بين لفظين ضدين كالقرء للطهر والحيض، وإما أن يقع الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: ٢٣٧] ، فالذي بيده عقدة النكاح متردِّد بين الزوج والولي.
-
ب- الألفاظ الشرعية: وهي الكلمات العربية ذات المعنى الظاهر، ثم خرجت في عرف الشرع إلى معان جديدة، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها.
-
جـ- الأفعال: قد يكون الإجمال في الأفعال التي صدرت عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وتحتمل أمرين، فتكون مجملة حتى يرد دليل على حملها على أحد المعنيين، فقد ثبت أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - جمع في السفر، فهذا مجمل؛ لأنه يحتمل السفر الطويل، والسفر القصير، ومن ذلك أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر مَنْ أفْطر في رمضان بالكفارة، فهذا مجمل؛ لأنه يحتمل أنه أفطر بجماع، أو أفطر بأكل، فلا يحمل على أحد الأمرين إلا بدليل.
-
د- المجاز: إذا كان اللفظ تنتفي حقيقته، ويحتمل مجازات متكافئة، فلا يرجح مجاز على غيره إلا بدليل، كأن يكون أحد المجازات أقرب إلى الحقيقة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتاب" (١) ، وقوله: "لا صيامَ لمن لم يُبَيِّت الصيامَ من الليل" (٢) ، فالحديث الأول يخبر عن نفي الصلاة عند انتفاء الفاتحة، والثاني يخبر عن نفي ذات الصوم عند عدم تبييت النية، وهذه الحقيقة غير مرادة للشارع، فتعين الحمل على المجاز، وهو نفي الصحة أو نفي الكمال، ونفي الصحة أرجح؛ لكونه أقرب للحقيقة، فلا تصح الصلاة بدون الفاتحة، ولا يصح الصوم بدون تبييت النية. وقد يكون أحد المجازات أظهر في العرف، كحديث "رُفِعَ
vol. 2, p. 123عن أمتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكْرِهوا عليه " (١) فحقيقة اللفظ ارتفاع نفس الخطأ، وهو باطل؛ لوقوعه بالفعل، فلا يرتفع، فيحمل على المجاز، وهو نفي الحكم، أو نفي الإثم، ورجح العلماء نفي الإثم؛ لكونه أظهر عرفًا.
- (١)هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه.
- (٢)هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي بأسانيد مختلفة عن عائشة وحفصة رضي اللَّه عنهما.
- (١)هذا الحديث أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وغيرهم (التلخيص الحبير ١/ ٢٨١).
-
وقد يكون أحد المجازات أعظم مقصودًا، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: ١٠٣] فالحقيقة تحريم نفس الميتة، لكنه باطل؛ لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأفعال المقدور عليها للمكلفين، والعين ليست من أفعالهم، فتصرف إلى المجاز، وهو تحريم الأكل أو اللمس، ويرجح الأكل؛ لكونه أعظم مقصود عرفًا (٢) .
- (٢)الإحكام، للآمدي (٣/ ٩) وما بعدها، المستصفى (١/ ٣٦٣)، جمع الجوامع والمحلي والبناني (٢/ ٦٢)، المحصول (٣/ ٢٢٧) وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص ٢٨٠، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤١٥) وما بعدها، روضة الناظر ص ١٨١، إرشاد الفحول ص ١٦٩، تفسير النصوص (١/ ٣٢٨)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٤٥)، الحاوي للماوردي (٢٠/ ١١٣).
-
[حكم المجمل عند المتكلمين]
قال ابن النّجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "وحكمُه أي: الإجمال: التوقفُ على البيان الخارجي، فلا يجوز العمل بأحد مُحْتَملاته إلا بدليل خارج عن لفظه؛ لعدم دلالة لفظه على المراد منه، وامتناع التكليف بما لا دليل عليه" (٣) ، ولذلك يتوقف العالم والمجتهد أمام اللفظ المجمل، ثم يبحث عن دليل شرعي أو لغوي لترجيح المعنى المراد، ويبني عليه الحكم.
- (٣)شرح الكوكب المنير، له (٣/ ٤١٤)، وانظر المراجع المشار إليها في هامشه، والمراجع السابقة في الهامش السابق.