القسم الثاني

12 paragraphs · vol. 1, p. 88

  1. أسباب الاختلاف التي ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه:

    ١ - الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع، إما من حيث ثبوتها، كالسنة غير المتواترة، وإما من حيث كونها مصدرًا تشريعيًّا عند عدم وجود النص.

    vol. 1, p. 88
  2. فقد اتفق الأئمة على حجية القرآن والسنة، وكاد الأمر أن يكون كذلك في الإجماع والقياس، ثم نشأ الخلاف في حجية بقية مصادر التشريع، وسوف يضع القارئ يده على هذا الاختلاف وحقيقته عند دراسة كل مصدر منها، وكان الاختلاف في حجية المصدر من جهة، ثم في فروعه وقواعده من جهة أخرى، كالاختلاف في أنواع الإجماع، والاختلاف في علة القياس ..... وهكذا (١) .

    1. (١)انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الدهلوي: ص ١٥، الفقه المقارن، الزفزاف: ص ١٢ وما بعدها، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٩٣، محاضرات في أسباب الاختلاف، الخفيف: ص ١٨٠، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص ١١١، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف، ابن السيد البطليوسي: ص ١٧١ وما بعدها.
  3. ٢ - الاختلاف في علوم الحديث الذي ظهر في زمن الصحابة، وتفاقم واشتد في عهد التابعين ومن بعدهم، وتكرس في قواعد ومبادئ في علم الأصول، وقد اتفق المسلمون على أن السنة حجة،

    vol. 1, p. 89وأن الحجة فيما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشكل صحيح، ومع ذلك ظهر الاختلاف في عدة حالات أهمها:

    أ - عدم العلم بالحديث من الصحابي أو من غيره، لعدم الإحاطة بالسُّنة، فيقضي العالم بظاهر آية، أو بحديث آخر، أو يجتهد رأيه، فأبو بكر لم يعلم بحديث ميراث الجدة (١) ، وعمر لم يبلغه حديث الاستئذان، وحديث إرث المرأة من دية زوجها، وحديث الجزية على المجوس، وعثمان لم تبلغه السُّنَّة في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعليّ لم يعلم بصلاة التوبة (٢) ، ولا بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وغير ذلك من الأحاديث التي لم تصل إلى الخلفاء الراشدين بينما علمها غيرهم، وهكذا الأمر في بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

    1. (١)تذكرة الحفاظ ١/ ٢.
    2. (٢)عن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى إلا غفر له" ثم قرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} .. إلى آخرها، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب.
  4. ب - عدم ثبوت الحديث عند الصحابي بعد علمه به لعدم ثقته بالراوي، بينما ثبت عند غيره، وبرز هذا الاختلاف في عهد التابعين ومن بعدهم، لكون أحد رجال السند مجهولًا أو متهمًا أو سيئ الحفظ، أو كان السند منقطعًا أو مضطربًا وغير ذلك من علل الحديث، بينما ثبت الحديث عند آخر صحيحًا متصلًا مقبولًا، وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام.

  5. ج- الاعتقاد بضعف الحديث لمعرفة خاصة بأحد رجال السند، فيَرُدُّ حديثه، في حين يخفى الأمر على آخر، فيقبله، أو عرف كل منهما

    vol. 1, p. 90سبب الجرح فاعتقد أحدهما أنه علة تؤثر في الراوي، واعتقد الآخر أنه لا يجرحه ولا يؤثر فيه، أو لاختلاف حالة الشخص الواحد من ضبط إلى اضطراب، ومن حفظ إلى نسيان، وهذا معروف في مصطلح الحديث، فالاختلاف في قواعد المصطلح يؤدي إلى الاختلاف في الحكم على الحديث صحة وضعفًا، وقبولًا ورفضًا، وانتقل إلى علم الأصول، فاختلفوا في أنواع الحديث المتواتر والمشهور والآحاد، وحجية كل منها، وخاصة في حديث الآحاد إذا خالف القياس، أو كان فيما تعم به البلوى، كما اختلفوا في أنواع أخرى من الأحاديث كالحديث المرسل، والعمل بالحديث الضعيف.

  6. د - وضع الشروط لقبول خبر الآحاد، وسوف نفصل الاختلاف في حجية خبر الآحاد والاختلاف في شروطه في مبحث السنة إن شاء الله تعالى (١) .

    1. (١)المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب.
  7. هـ - نسيان الحديث، لأن السُّنة لم تكن مدوَّنة، وكان الاعتماد فيها على الحفظ، والإنسان قد ينسى، فقد نسي عمر بن الخطاب حديث التيمم من الجنابة عند عدم الماء، فذكَّره به عمار، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في الحكم، ثم تكرس هذا الخلاف فيما بعد (٢) .

    1. (٢)انظر تفصيل هذا الموضوع مع الأمثلة في رفع الملام، ابن تيمية: ص ٤ وما بعدها، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص ١٦ وما بعدها، الفقه المقارن، الزفزاف: ص ١٦، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص ٢٤، الفقه المقارن، حسن الخطيب: ص ٢١، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، الدكتور مصطفى الخن: ص ٤٢، الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: ٢ ص ٢٣٨، حجة الله البالغة: ١ ص ٣١٣.
  8. ٣ - الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، اختلف علماء

    vol. 1, p. 91الأصول في القواعد والضوابط التي وضعوها في علم الأصول، ونتج عن هذا الاختلاف في القواعد اختلاف بين الفقهاء في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية (١) ، ونذكر بعض الأمثلة:

    أ- الاختلاف في القواعد الأصولية في دلالة الألفاظ على الأحكام، فقال الجمهور: إن دلالة اللفظ تكون بالمنطوق والمفهوم، وقال الحنفية: إن دلالة اللفظ تكون إما بالعبارة أو الإشارة أو النص أو الاقتضاء، واختلفوا اختلافًا واسعًا في المفهوم، ونتج عن ذلك اختلاف في الفروع.

    1. (١)لخص ابن رشد هذه الأسباب فقال: (إن أسباب الاختلاف ستة، أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًّا ... ، وثانيًا: الاشتراك .. ، والثالث: اختلاف الأعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو المجاز .. ، والخامس: عدّه اللفظ مطلقًا .. ، والسادس: التعارض بين القياسات أو الإقرارت ... " بداية المجتهد، له ١/ ٦.
  9. ب- الاختلاف في القواعد الأصولية في شمول الألفاظ وعدمها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والزيادة على النص، وهذا الاختلاف نشأ عن الاختلاف في اللغة، والاختلاف في معرفة المراد من النص، وترتب عليه الاختلاف بين الفقهاء.

    ج- دلالة الأمر والنهي، ودلالة العام القطعية والظنية، مثلًا: هل الأمر يفيد الوجوب أم الإباحة؟ وهل النهي يفيد التحريم أم الكراهة، وهل دلالة العام قطعية أم ظنية ... ؟

  10. د- قواعد التعارض والترجيح، سواء كان التعارض بين نصين في القرآن الكريم، أو بين نصين في الحديث، أو بين آية وحديث، أو كان التعارض بين قاعدتين في الترجيح، وقد اختلف العلماء في هذه القواعد، ونتج عنها اختلاف في الأحكام.

  11. هـ- الاختلاف في قواعد تخصيص العام، وقواعد تقييد المطلق، وقواعد النسخ، وغير ذلك من المباحث التي تتعلق بالكتاب والسنة مما سيطلع عليه القارئ فيما بعد، فيرى هذه القواعد، وأثر الاختلاف فيها على اختلاف الفقهاء (١) .

    1. (١)ألف الأستاذ الفاضل الدكتور مصطفى الخن رسالة دكتوراه في هذا الموضوع بعنوان: "أثر اختلاف القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" فأبلى فيها بلاء حسنًا، وأجاد فيما كتب، فجزاه الله خير الجزاء، وانظر رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص ٢٥، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص ٨، الفقه المقارن، الزفزاف: ص ٤٤ وما بعدها، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، الخفيف: ص ١١٠، تنقيح الفصول، القرافي: ص ١٢٧، الفقه المقارن، حسن الخطيب: ١٧، تفسير النصوص: ص ٣٣٩ وما بعدها، الميزان الكبرى، للشعراني، الموافقات، الشاطبي: ٤ ص ١٣٨، الاعتصام، الشاطبي: ٢ ص ١٦٥، فقه الكتاب والسنة، شلتوت: ص ٦١، الإسلام عقيدة وشريعة: ص ٤٣٤.
    vol. 1, p. 92
  12. وأكتفي بهذا العرض الموجز لأضرب مثالين للتطبيق، أحدهما من القرآن، والآخر من السنة، ليكونا صلة الوصل بين هذا الباب التمهيدي وبين الباب الأول في بحث المصدرين الرئيسيين وهما الكتاب والسنة.