١ - دلالة الاقتضاء
5 paragraphs · vol. 2, p. 150
- vol. 2, p. 150
وهي مقصودة للمتكلم، ويتوقف عليها صدق اللفظ، أو يتوقف عليها صحته عقلًا، أو يتوقف عليها صحته شرعًا، وسميت كذلك لاقتضائها شيئًا زائدًا على اللفظ. ومثال ما يتوقف عليه صدق الكلام تقدير رفع الإثم أو المؤاخذة والعقاب في حديث "رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيانُ وما استكرهوا عليه" (١) فإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا، فيتضمن الحديث ما يتوقف عليه صدقه من الإثم أو المؤاخذة ونحوه.
- (١)هذا الحديث سبق بيانه في المبحث السابق.
-
ومثال ما يتوقف عليه صحة اللفظ عقلًا قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) } [يوسف: ٨٢] ، فالآية تتضمن سؤال أهل القرية وأهل العير، وإلا لم يصح ذلك عقلًا؛ لأن القرية والعير لا يُسألان، ومثله قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) } [الشعراء: ٦٣] ، أي: فضرب فانفلق، وقوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) } [البقرة: ١٨٤] ، أي: فأفطر فعدة من أيام أخر.
- vol. 2, p. 151
ومثال ما يتوقف عليه صحة اللفظ شرعًا قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: ٨] ، فالآية تدل بعبارتها على فقر المهاجرين مع أنهم كانوا أصحاب دور وأموال في مكة، وهذا الإطلاق لا يكون صحيحًا إلا إذا قدَّرنا زوال ملكهم عما تركوه في مكة، وأنه صار مملوكًا للكفار بالاستيلاء عليه، فتقدير زوال الملك يستدل به بطريق الاقتضاء لتصحيح الكلام شرعًا.
-
ومثله أن يقول شخص لآخر: تصدَّق بمتاعك هذا عني بمائة دينار، فالصدقة لا تصح إلا مما يملكه الشخص، فلا يصح هذا الكلام إلا إذا ملك المتاع، فيتوقف صحته شرعًا على تقدير شيء، وهو بَيْع المتاع للمتكلم، وكأنه يقول: بعني متاعَك بمائة، ثم تصدَّق به نيابة عني، فيكون البيع ثابتًا بدلالة اللفظ بطريق الاقتضاء.
-
ومثله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} أي حرّم عليكمْ زواجُ أمهاكم، وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} أي: أكل لحمها، وهو كثير (١) .
- (١)المستصفى (٢/ ١٨٦)، الإحكام للآمدي (٣/ ٦٤)، المحلي والبناني (١/ ٢٣٩)، تيسير التحرير (١/ ٢٩١)، كشف الأسرار (١/ ٧٥)، شرح العضد (٢/ ١٧٢)، فواتح الرحموت (١/ ٤١٣)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٧٥)، المحصول (١/ ٣١٨)، نهاية السول (١/ ٣١٣)، أصول السرخسي (١/ ٢٤٨)، تفسير النصوص (١/ ٥٩٥)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٦٠)، أصول الأحكام ص ٢٦٢، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٤٠.