ملحق: دور القياس في تفسير النصوص
10 paragraphs · vol. 2, p. 168
- vol. 2, p. 168
إن النصوص سواء كانت شرعية أم قانونية لا يمكن أن تغطي جميع الصور والحالات والوقائع والأحداث، التي تقع في الحياة، كما أن التشريع لا يمكن أن يتناول الوقائع والأحداث التي تقع في المستقبل، ويتفتق عنها الذهن، ويخترعها التطور والعقل، سواء كان في المعاملات أو في المخالفات والجنايات أو في الضرائب وغيرها.
-
وإن النصوص -سواء كانت شرعية أم قانونية- إنما شرعت لتحقيق
vol. 2, p. 169مصالح الناس، وبنيت على عللٍ مطّردة، وليست عبثًا لغير علة، إلا ما ورد فيه نص خاص لحالة خاصة بدليل مقبول.
-
لذلك فتح الشرع والعقل باب الاجتهاد، وشرع القياس، ليتم تطبيق النصوص السابقة علي جميع الحالات والصور والوقائع المستجدة التي تماثل ما تمَّ النص عليه، هذا ما يقتضيه العقل، والمنطق، والعدل، بأن تكون الحالات المتشابهة لها أحكام واحدة.
-
وهنا يأتي دور العلماء والفقهاء والأئمة والمجتهدين والمفسرين وشراح القوانين والقضاة والمحامين لبيان علة الحكم، ودلالة النص، ومن ثمَّ تعدّيه إلى الحالات المتماثلة ليشمل النّص الجميع، ويتم القياس عمليًّا (١) ، وذلك بمعناه العام الذي يشمل مختلف صنوف الاجتهاد فيما لا نص فيه.
- (١)نذكّر بتعريف القياس بأنه إلحاق واقعة لا نص على حكمها بموافقة ورد نص. بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم، علم أصول الفقه، خلاف ص ٥٢.
-
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وسبق بيان بعضها في باب القياس، وفي الدلالات وتفسير النصوص، وإن وقع اختلاف في الاجتهاد والتطبيق فلا ضَيْر فيه، فالاختلاف واقع حتمًا، وعلامة صحة، وليس علة مرض.
-
فمن ذلك الاستدلال بدلالة النص، أي ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشتراكهما في علة يفهمها كل عارف باللغة، وذلك أن القارئ أو السامع يفهم من روح النص ومعقوله أنه يدل على محل النطق، وعلى كل واقعة تشابهه وتساويه في العلة، كمن يسمع قوله تعالى في الوصية بالوالدين: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: ٢٣] ، فيدرك أنه يحرم الضرب بالأولى، ومن يسمع قوله تعالى عند الوصية بالتيامى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) } [النساء: ١٠] ، فيدرك من النص حرمة أكل مال اليتيم، ويفهم فورًا أنه يحرم إتلافه وحرقه وغصبه والاعتداء عليه.
- vol. 2, p. 170
والقاضي يحرص على تطبيق النص الشرعي أو القانوني على الحالة التي ورد النص فيها، ويدرك بداهة أنه يجب تطبيق النص على جميع الصور والحالات التي تستجد أو تطرأ أو تقع مشابهة لما ورد في النص، ويطبق نفس الحكم المدني، أو نفس العقوبة على جميع الحالات المتماثلة.
-
ومن الأمثلة القانونية أن القانون المدني نص على حجية الورقة الموقَّع عليها بالإمضاء؛ لأن توقيع الموقع يذل على شخصه، وقاس الشراح والقضاة عليها الورقة المبصومة بالأصبع، وأنها حجة على باصمها؛ للاشتراك في العلة، ثم تعدلت النصوص وأضيفت البصمة بالنص.
-
ونص قانون العقوبات على منع المحاكمة في السرقة بين الأصول والفروع وبين الزوجين إلا بناء على طلب المجني عليه؛ لعلة القرابة والزوجية بين الجاني والمجني عليه، وقاس الشراح والقضاة على السرقة النصب واغتصاب المال بالتهديد وإصدار شيك بدون رصيد بين الأصول والفروع وبين الزوجين، لوجود نفس العلة بين الجناة والمجني عليهم (١) .
- (١)علم أصول الفقه ص ٥٣.
-
وإذا أخذنا القياس بمعناه الواسع الشامل فإنه يشمل جميع الاجتهادات والمصادر التبعية أو الاختلافات الفقهية وآراء المجتهدين والفقهاء والعلماء، ويشمل آراء شراح القوانين واجتهادات القضاة والمحاكم، وحتى اجتهادات محكمة النقض واللوائح التي تفسر وتشرح الأنظمة والقوانين الصادرة من المجالس التشريعية.