استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة

16 paragraphs · vol. 2, p. 174

  1. كان، سواء كان مرتبًا أم غير مرتب، وهو جمع أمرين وتشريكهما في الثبوت، أو النفي، مثل: قام زيد وعمرو، أي اشتركا في القيام، ولم يأت خالد وبكر، أي نفى الإتيان عنهما، دون بيان ترتيب أو معية.

    vol. 2, p. 174
  2. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، أهمها:
  3. ١ - اللغة: نقل العلماء عن أئمة اللغة العربية، وبعد استقراء مواضع استعمال الواو، أنها لمطلق الجمع، كقولهم: جاء زيد وعمرو، فيفهم منه اجتماعهما في المجيء دون تعرض للترتيب في المجيء أو المقارنة فيه، ولو كانت للترتيب لوقع التناقض في القرآن الكريم في قصة واحدة، وقضية واحدة، ووقوع تقديم الدخول في آية، وتأخيره في آية، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٨] ، وقال تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: ١٦١] ، وكلام اللَّه منزه عن التناقض.

  4. وإن قول العرب: "لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبنَ" معناه النهي عن الجمع بينهما من غير تعرض لمقارنة أو ترتيب في الوجود، سواء قدَّم هذا أم أخر ذلك.

  5. ٢ - الاستعمال: تستعمل الواو فيما يستحيل فيه الترتيب، كصيغ المفاعلة، مثل: تقاتل زيد وعمرو، واختصم بكر وخالد، فالمفاعلة تقتضي وقوع الفعلين معًا، فتكون الواو حقيقة في غير الترتيب، ولا تكون حقيقة في الترتيب، لمنع الاشتراك؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة.

  6. ويستحيل استعمال الواو في المواضع التي لا يصح فيها المقارنة، مثل اشترك زيدٌ وعمرو، أو المال بين زيد وعمرو، وسيّان قيامُك وقعودك، فهنا يستحيل الترتيب في هذه الأمثلة، مما يدل على أن الواو حقيقة للجمع دون ترتيب ولا مقارنة.

  7. كما تستعمل الواو حالة التصريح بتقديم أمر على آخر، مثل: جاء زيد وعمرو قبله، فلو دلَّت الواو على الترتيب لكان زيد أولًا، ثم عمرو، ووقع تناقض في الكلام.

  8. ٣ - القياس: إن الواو تفيد الجمع بين شيئين مختلفين دون ترتيب بينهما قياسًا على واو الجمع وألف التثنية في الأسماء المتماثلة دون دلالة على الترتيب، مثل جاء رجلان، أو حضر الرجال، ولا يمكن جمع الرجل والمرأة في كلمة واحدة، فأتى أهل اللغة بالواو للجمع فقط، فنقول: جاء رجل وامرأة، ولا نقصد الترتيب بينهما في المجيء.

    vol. 2, p. 175
  9. [٤ - عدم دخول الواو في جواب الشرط]

  10. فلو أفادت الترتيب لصح دخولها في جواب الشرط كالفاء؛ لأن جواب الشرط يعقب الشرط، وتستعمل فيه الفاء التي تدل على التعقيب، كقولك: إذا نجح الولد فأعطه مكافاة، ولا يصح أن تقول: إذا نجح الولد وأعطه مكافأة.

  11. واستدل الحنفية بذلك على عدم وجوب الترتيب في الوضوء؛ لأنها معطوفة بالواو في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: ٦] ، أما الشافعية فاستدلوا على وجوب الترتيب ليس بالواو بل لأن اللَّه تعالى ذكر مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين، مما يدل على ترتيب الغسل فالمسح فالغسل، فأدخل ممسوحًا بين مغسولين، ولم يستدلوا بأن الواو للترتيب، فإنها لا تفيده بمجردها (١) .

    1. (١)المراجع السابقة.
  12. آراء أخرى في حكم الواو:
  13. ١ - قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: إن الواو للترتيب، وهو قول أبي حنيفة، لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، والواجب البدء في السعي بالصفا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله من الصحابة: "بِمَ نَبْدَأ؟ " فقال: "ابدَاؤُوا بما بَدَأ اللَّه به" (٢) فكان جواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبينًا أن الواو للترتيب، وردَّ الجمهور ذلك بأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم من أهل اللغة، فلو كانت الواو للترتيب لما سألوا عن ذلك، والترتيب ثبت بالحديث، وليس من الآية.

    1. (٢)هذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وأحمد عن جابر رضي اللَّه عنه.
  14. واستدلوا بما رواه مسلم أن خطيبًا أعرابيًّا قال بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يُطعِ اللَّه ورسولَه فقد رَشَد، ومن يعْصِهما فقد غَوَى" فقال عليه الصلاة والسلام: "بئْسَ الخطيبُ أنت، قل: ومن يعصِ اللَّه ورسولَه فقد غوى" (١) ، قالوا: فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن فرق بين العبارتين، وردّ الجمهور بأن إنكار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما كان ليؤكد تعظيم اللَّه تعالى بالذكر، وأن معصية اللَّه والرسول متلازمان، ولا يتصور الترتيب فيهما، بدليل ورود عبارة: "ومن يعصهما" في أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه (٢) .

    1. (١)هذا الحديث أخرجه مسلم (٦/ ١٥٨ رقم ٨٧٠) وأبو داود (١/ ٢٥٢) والنسائي (٦/ ٧٤) وأحمد (٤/ ٢٥٦) عن عدي بن حاتم رضي اللَّه عنه: أن رجلًا.
    2. (٢)وذلك في حديث ابن مسعود رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذا تشهد قال: "الحمد للَّه نستعينه ونستغفره .. ، من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر اللَّه شيئًا" سنن أبي داود (١/ ٢٥٢).
    vol. 2, p. 176
  15. وأكد الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي رحمهما اللَّه تعالى ذلك من بعض الأحكام الفقهية التي لا تتفق مع كون الواو لمطلق الجمع فيمن قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق وطالق وطالق (٣) .

    1. (٣)أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٨١).
  16. ٢ - نُقل عن الإمام مالك رحمه اللَّه تعالى أن الواو للمعية والمقارنة، ونسب ذلك إلى الصاحبين أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وقال النحوي ابن مالك رحمه اللَّه تعالى: "وكونها للمعية راجح" ، وقال الآمدي الأصولي رحمه اللَّه تعالى: "وإن كان الأرجح في النفس هو الأول" أي: مذهب الجمهور القائلين بأن الواو لمطلق الجمع (٤) .

    1. (٤)تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ص ١٧٤، الإحكام للآمدي (١/ ٦٤)، ونقل الزركشي رحمه اللَّه تعالى ثمانية أقوال في الواو (البحر المحيط ٢/ ٢٥٣ وما بعدها). وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "وهي تارة تعطف الشيء على مصاحبه، كقوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)} [العنكبوت: ١٥]، وعلى سابقه، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ} [الحديد: ٢٦]، وعلى لاحقه، كقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} [الشورى: ٣]، ... ويجوز = = أن يكون بين متعاطفيها تفاوت أو تراخ، نحو قوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: ٧]، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٢٩، ٢٣٠) وانظر: الإحكام للآمدي (١/ ٦٣)، العضد على ابن الحاجب (١/ ١٨٩).